7.النهي عن المنكر.
رغم الوعد الذي وعده موسى عليه السلام للعبد الصالح بأن يصبر على صحبته ولا يكثر من سؤالاته إلا أنه لم يطق صبرًا بعدما رآه يخرق السفينة: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) } [الكهف:71 - 73] .
وقتل الغلام: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) } [الكهف:74 - 76] .
وإقامة الجدار: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) } [الكهف:77] .
فلم يترك موسى عليه السلام فرصة إلا نهى فيها -عما رآه منكرًا- قبل أن يتبين له الأمر، ومما عابه القرآن على بني إسرائيل في غير موضع عدم نهيهم عن المنكر لأنهم {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) } [المائدة:79] .
8.قوة الإرادة.
وقد أسهم في اكتسابه هذه الإرادة الصلبة كثرة المحن والتجارب التي مر بها منذ كان رضيعًا وضعته أمه في الصندوق، وقبل ذلك من يقينه الذي لا يفتر بربه تعالى، فعندما ناشد قومه قائلا: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) } [المائدة:21 - 22] .
لقد راعتهم قوة أعدائهم الجبارين، ونسوا أن النصر ليس بالكثرة ولا بالعتاد؛ وتناسوا وصية موسى عليه السلام لهم {يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) } [يونس:84] .
وقد أورد القرطبي أن بني إسرائيل عندما امتنعوا عن الجهاد، عوقبوا بالتيه أربعين سنة، إلى أن مات أولئك العصاة ونشأ أولادهم، فقاتلوا الجبارين وغلبوهم 18.
وعندما ذهب لملاقاة العبد الصالح قال لفتاه يوشع بن نون: {لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} [الكهف:60] .
أي: لا أزال أسير حتى أبلغ المكان الموعود ولو سرت في سبيله أزمانًا طويلة، وذلك منبئ عن دأبه وارتفاع همته.
هذه هي بعض صفات نبي الله موسى عليه السلام التي نص عليها القرآن الكريم في كثير من المواضع، وهي صفات بشرية، وليست من الخوارق التي لا يدركها الإنسان مهما سعى إليها واجتهد، وفي ثنايا هذه الدراسة إشارات إلى صفات أخرى سنتناولها في حينها، وفي ذلك عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد!!
أولًا: نشأة موسى عليه السلام:
في ظروف بالغة القسوة، ولد الطفل موسى عليه السلام في قوم مهانين مستباحي الكرامة، فالرجال سخرهم فرعون الطاغية في أدنى الأعمال وأشقها يسومهم سوء العذاب، والنساء منتهكة الحرمات، وعندما أدرك المخاض أم موسى زادها كربًا إلى كربها، وغمًا على غمها، فمصير الطفل مهدد كغيره من أطفال بني إسرائيل الذكور الذين لم ينجوا من آلة القتل الغاشمة خوفًا على ملك فرعون وجاهه العريض من الضياع بعد نبوءة أو رؤية، على خلافٍ بين المفسرين وكذلك بين المؤرخين 19، وهو ما جعل الأم تضرع إلى ربها أن ينقذ وليدها من المصير المألوف آنذاك.
يصور القرآن الكريم كيف أراد تعالى لموسى عليه السلام شيئًا آخر غير مجرد الحياة التي هي أقصى ما تصبو إليه الأم الملتاعة، بل كل أمٍ في هذا الزمان؛ ولا عجب؛ فقد صنعه عز وجل لنفسه وعلى عينه، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم، فقوله جل جلاله {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه:39] .
منبئٌ بأن تربية الصغير ستكون لدنيةً بعنايته عز وجل بما يليق برسالته والمهمة التي ستلقى على عاتقه.
يقول الزمخشري: «لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك وراقبك، كما يراعي الرجل الشيء بعينيه إذا اعتنى به» 20.
والكلام هنا كما قال الطاهر ابن عاشور «تمثيلٌ لهيئة الاصطفاء لتبليغ الشريعة بهيئة من يصطنع شيئًا لفائدة نفسه فيصرف فيه غاية إتقان صنعه» 21.
ولأن {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج:75] .
فقد كان من الضروري رعايته لأنبيائه وأصفيائه، ولذا فقد من تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه العناية المبكرة التي لولاها لكان في مقام آخر لا يعلمه إلا الله، وذلك ظاهرٌ في قوله عز وجل لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) } [الضحى:6 - 8] .
وثمة نوع خصوصية في مولد موسى عليه السلام، يشير إليه قوله تعالى {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) } [طه:41] .
وهو تأكيد للآية السابقة {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} .
ويفسر ابن جزي الغرناطي ذلك بقوله: «أي: استخلصتك وجعلتك موضع صنيعتي وإحساني» 22.
ولو استأنسنا بما كتبه البقاعي لقرأنا «ربيتك بصنائع المعروف تربية من يتكلف تكوين المربى على طريقة من الطرائق لنفسي لتفعل من مرضاتي في تمهيد شرائعي وإنفاذ أوامري ما يفعله من يصنع للنفس من غير مشارك، فهو تمثيل لما حوله من منزلة التقريب والتكريم» 23.
فالعناية هنا تأهيل لموسى عليه السلام لمواجهة ما ينتظره من مهامٍ جسامٍ ومعاناة مع بني إسرائيل الذين لا يكفون عن الجدل.
أوحى الله جل جلاله إلى أم الطفل موسى وحي إلهامٍ لا وحي رسالة 24 {أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي} [القصص:7] ، وما أعجب القدرة الإلهية! أمٌ تخاف على ولدها من القتل فتؤمر بإلقائه في الماء، ويطمئنها الله {وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي} [القصص:7] .
على ولدك؛ فإننا في قابل الأيام {رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:7] ، الذين اصطفيناهم للدعوة والرسالة.
إن وعد الله عز وجل لهذه المرأة نافدٌ وماضٍ؛ لكنه يحتاج إلى قلب مطمئن يسلم بقضاء الله وقدره، وإلا فكيف لامرأة ضعيفة تكتم حملها نحو تسعة أشهر خوفًا من عسس فرعون أن تستجيب لمثل هذا الأمر وتقذف بابنها وفلذة كبدها في النهر وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرًا؟! لكن أم موسى كانت على ثقة متينة بموعود ربها تعالى لها {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} .
وكما كانت حياة موسى عليه السلام معجزة -على النحو الذي سيتكشف بعد قليل- جاءت الآية {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) } [القصص:7] .
معجزة في بيانها، فقد تضمنت أمرين ونهيين وبشارتين ولطائف أخرى يضيق المقام عن تفصيلها، وتوقف أمامها المفسرون، واشتهرت عند البلاغيين، ففرق الزمخشري بين خوفين: «أما الأول فالخوف عليه من القتل؛ لأنه كان إذا صاح خافت أن يسمع الجيران صوته فينموا عليه. وأما الثاني، فالخوف عليه من الغرق ومن الضياع ومن الوقوع في يد بعض العيون المبثوثة من قبل فرعون في تطلب الولدان، وغير ذلك من المخاوف» 25، فالآية تتحدث عن خوف من أمر واقعي هو القتل على يد الفراعين، وخوف آخر محتمل هو غرق الرضيع في المياه.
ثمة آيات في سورة طه تتحدث عن نجاة الرضيع وتورد تفاصيل أخرى.
يقول تعالى: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) } [طه:37 - 39] .
ففي الآيات أنه تعالى أوحى إلى أم موسى بوضعه في التابوت، وإلقائه في اليم الذي سيحمله إلى ساحل فرعون، الذي هو عدو لله عز وجل ولبني إسرائيل ومنهم الرضيع، وما كان للطفل أن تكتب له النجاة إلا بتدبير إلهي محكم.
لكن .. كيف يصل الطفل إلى قصر فرعون الفاجر وتكتب له النجاة إلا عن طريق قلب زوجته؟!
إنها المحبة التي ألقاها الله على موسى عليه السلام؛ ولا عجب فقد قال عز وجل: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} [طه:39] .
واختلف المفسرون في تفسير هذه المحبة، فمن قائلٍ بأنها جمال في الخلقة وصف به، وقيل ملاحةٌ في عينيه، لكن ابن عطية ضعف هذا القول 26، وهناك من يقول إنها محبة القابلة التي ولدت أمه، وقائل: محبة امرأة فرعون ... إلخ 27.
والراجح أنه القبول العام كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانًا فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض) 28.
إن امرأة فرعون قد أحبته، وسعدت به، وقالت لفرعون: هذا الصغير {قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ} ، تقر به أعيننا وتسعد بها نفوسنا {لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [القصص:9] .
فوافق فرعون ولم يكن يعلم أنه سيكون سبب هلاكه في الدنيا والآخرة {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص:8] .
وقد شاع بين بعض القراء في أيامنا هذه أن يقرأ {قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا} بالوقوف على (لا) ، وهذا من اللحن -كما يرى أبو زكريا الفراء- وهي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما 29، وهي قراءة لا تستقيم عقلا؛ فهل يمكن لزوجة فرعون أن تخاطبه بهذه اللهجة فتقول له: هذا الولد قرة عين لي فحسب، أما أنت فلا؟! وإذا كانت قالت ذلك فلماذا لم تقل: عسى أن (ينفعني) أو (أتخذه) ولدًا بصيغة المفرد؟! وما الذي يضطر فرعون إلى إبقاء ولدٍ من المفترض أنه سيسبب له المتاعب، لا شك أن فرعون استبقى الولد بناء على رغبة زوجته التي أحبته بعد أن ألقى الله عليه محبةً منه، ويظهر أنه وقومه كانوا على يقين أنه إسرائيلي، وإلا فما يضطر أمًا إلى التخلص من رضيعها الذكر إلا إذا كان مهددًا كأقرانه من بني إسرائيل؟! كما يظهر من قول امرأة فرعون {لَا تَقْتُلُوهُ} فمن ذا الذي جرى عليه القتل آنذاك سوى ذكور بني إسرائيل؟!
والحقيقة أن موسى عليه السلام كان بالفعل قرة عين لها، فقد كتب الله لها النجاة من فرعون وعمله الخبيث، وأشاد بها في كتابه الكريم؛ بل جعلها مضرب المثل للذين آمنوا.
يقول تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) } [التحريم:11] .
وعن أبي موسى رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كمل من الرجال كثيرٌ، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) 30.
ولم يكن حبها غريزيًا كامرأة العزيز التي كان حبها ليوسف عليه السلام فضيحة لها حين راودته عن نفسه فاستعصم، وسار بحديثها نسوة المدينة، وصارت أقصوصة في فم الرائح والغادي.
لكن في الظل أمًا تتحرق شوقًا إلى ضم وليدها وغمره بعطفها وشموله بحنانها، ويصور القرآن حالة الاضطراب النفسي الذي عاشته على هذا النحو: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) } [القصص:10] .
قال البيضاوي: «فارغًا صفرًا من العقل لما دهمها من الخوف والحيرة حين سمعت بوقوعه في يد فرعون» 31.
وبقدرة الله جل جلاله أبى الصغير الرضاع من غير أمه {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ} [القصص:12] ؛ وأخذوا يفتشون عن مرضعة، وهنا تتدخل العناية الإلهية مرة أخرى فتقابلهم أخته التي خرجت لوعى تتلمس الأخبار حول مصير أخيها الرضيع {فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص:12] .
فرده الله إلى أمه الملتاعة {كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ} [طه:40] .
{وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [القصص:13] .
وتزداد يقينا في وعد الله تعالى، يقول البقاعي: «فكان كل ما أردته، فلما رآك هذا العدو أحبك وطلب لك المراضع، فلما لم تقبل واحدةً منهن بالغ في الطلب، كل ذلك إمضاءً لأمري، وإيقافًا لأمره به نفسه لا بغيره؛ ليزداد العجب من إحكام السبب» 32.
وهنا تتيقن أم موسى أن ولدها سيكون له شأن في قابل الأيام.
ظل الصغير غذي نعمة وترف في قصر فرعون، بعيدًا عن معاناة قومه بني إسرائيل، وقد اختزل القرآن هذه الفترة فلم يتحدث عن شيء من تفصيلاتها، واختصر الفاصل الزمني من الرضاعة إلى بلوغ الأشد، وتحدث بعض المؤرخين عن تفصيلات أخرى في هذه المرحلة الزمنية، لكن ثمة إشكالية في الرواية التي أوردها البعض ومنهم الطبري، تقول الرواية: إن فرعون عندما حمله «أخذ موسى بلحيته فنتفها؛ فقال فرعون علي بالذباحين، هذا هو!! قالت آسية: {لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} ، إنما هو صبي لا يعقل، وإنما صنع هذا من صباه، وقد علمت أنه ليس في أهل مصر امرأة أحلى مني، أنا أضع له حليًا من الياقوت، وأضع له جمرًا؛ فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، وإن أخذ الجمر فإنما هو صبي، فأخرجت له ياقوتها فوضعت له طستًا من جمر؛ فجاء جبرئيل فطرح في يده جمرة؛ فطرحها موسى في فيه فأحرق لسانه فهو الذي يقول الله عز وجل: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) } » 33، وهذه الرواية التي ذكرها غير واحد من المؤرخين والمفسرين، ونسبها النيسابوري إلى الصحابي الجليل عبدالله بن عباس رضي الله عنهما 34.
نصدق أن فرعون قد يزعجه ما فعله الطفل لأنه شخصية سلطوية مجنونة بالعظمة، إلا أن القصة لا يمكن أن تستقيم عقلا، فكيف لطفل أن يمسك بالجمرة المتوقدة؛ بل ويضعها في فيه؟! ولو اقتصر الاختبار على إقبال الطفل على الجمرة أو حتى على لمسها لكان ذلك أمرًا مستساغًا معقولا.
ثانيًا: قتل موسى عليه السلام للقبطي:
تدلنا الآيات على أن موسى عليه السلام ظل في بيت فرعون حتى {بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} [القصص:14] .
ثم إن الله تعالى من عليه فآتاه {حُكْمًا وَعِلْمًا} [القصص:14] .
والحكم والعلم ليسا بالنبوة؛ وإنما هي من إرهاصاتها؛ لأنه عليه السلام سيتورط بعد ذلك في قتل القبطي بطريق الخطأ.
إن القرآن يصور مشهد القتل ويوجز ما دار فيه من حوار بعيدًا عن الإجمال والتفصيل، فموسى عليه السلام {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا} [القصص:15] .
في وقت كان الناس فيه في بيوتهم كوقت القيلولة، أو بين المغرب والعشاء، أو حتى في معابدهم يوم عيدهم؛ بل قيل متنكرًا، على اختلاف بين المفسرين، كما اختلفوا حول المدينة وتعددت فيها الآراء 35، لكن معلوم أن الحكام يتخذون لسكناهم بيوتًا خارج المدن على أطرافها، ليكونوا بمأمن من شعوبهم، وتلك من تدابير الطغاة والمستبدين وعاداتهم، {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ} [القصص:15] .
وكانت معركة تدور رحاها بين مصري وإسرائيلي، وبطبيعة الحال كان الثاني فيها أضعف الطرفين {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص:15] .
والتظاهر بالضعف والوهن من صفات اليهود التاريخية، فحتى اللحظة نراهم يروجون لمظلوميتهم رغم ما وصلوا إليه من قوة وتقدم، لكنها سمات ملازمة لهم أنى لها أن تبرحهم مع تعاقب الليل والنهار!
لنا أن نتخيل موسى عليه السلام في هذه اللحظة وهو يسترجع شريط الذكريات القاسية، يستحضر استضعاف قومه وتذبيح الأبناء واستحياء النساء على يد الفراعين، وكيف ألقته أمه في اليم خوفًا عليه من الذبح، وكأن البحر أرق فؤادًا من هؤلاء المستبدين {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) } [الفجر:11 - 12] .
نعم عاش عليه السلام في بيت فرعون؛ لكن قضيته كانت تعيش معه ولم تتركه، ولم تغيره النعمة كما تفعل بالكثيرين الذين يتخلون عن مبادئهم بإقبال النعمة عليهم متناسين أصولهم.
هذا أحد بني جلدته الذين طالهم ظلم الفراعين -أو هكذا ظن موسى عندئذ- يستنجد به عليه السلام لإنقاذه من أحدهم فلا يتردد في نجدته، ويبدو أن الغضب قد سيطر عليه بشكل كبير {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص:15] .
وأيًا كان تعريف الوكز -على النحو الذي أوردناه سلفًا- فقد كانت النتيجة قتل المصري وبسرعة تفيدها الفاءان في قوله عز وجل: (فوكزه - فقضى) ، وعندها أسقط في يد موسى عليه السلام و {قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} [القصص:15] .
وهذا يعني أنه لم يكن يقصد القتل بحالٍ من الأحوال؛ لكن نزغ الشيطان في يده، وهو ما جعله يستغفر ربه تعالى {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص:16] .
ثم أخذ على نفسه العهد والميثاق {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17) } [القصص:17] .
وبعض المفسرين 36 على أن المقصود بالمجرمين في الآية السابقة هم فرعون وقومه الذين ساموا بني إسرائيل سوء العذاب، لكن السياق يحتمل أن يكون المقصود هو الإسرائيلي الذي استغاثه ثم تبين بعد ذلك أنه غويٌ مبينٌ، ويدل على ذلك ما حدث بعد ذلك عندما تبين موسى عليه السلام أن الإسرائيلي لم يكن مستحقًا للمساعدة وإلا لما ترك نجدته في المرة الثانية، ولو كان مستحقًا ما تردد لحظةً في إجارته.
قتل المصري في سورة غضب موسى عليه السلام {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص:18] .
وبينما هو كذلك إذا بالإسرائيلي نفسه {الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} [القصص:18] .
فبالأمس تسببت في مقتل المصري، واليوم تستعديني على آخر .. ويبدو أن الإسرائيلي استمد بعض القوة من وجود موسى عليه السلام فشرع في قتل عدوه {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} [القصص:19] .
وتظهر الآيات أن القبطي كان على علم بما فعله موسى عليه السلام مع المصري السابق قتله وهو ما جعله يقول لموسى عليه السلام: {إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} [القصص:19] .