فهرس الكتاب

الصفحة 1910 من 2431

الشك

أولًا: المعنى اللغوي:

قال ابن فارس: «الشين والكاف أصل واحد مشتق بعضه من بعض، وهو يدل على التداخل، ومن هذا الباب الشك، الذي هو خلاف اليقين، إنما سمي بذلك لأن الشاك كأنه شك له الأمران في مشك واحد، وهو لا يتيقن واحدًا منهما» 1.

وقال ابن منظور: «الشك: نقيض اليقين، وجمعه شكوك، وقد شككت في كذا وتشككت، وشك في الأمر يشك شكًا، وشككه فيه غيره» 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يختلف المعنى الاصطلاحي للشك عن معناه اللغوي، الذي يدور حول اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما، وذلك قد يكون لوجود أمارتين متساويتين عند النقيضين، أو لعدم الأمارة فيهما 3.

وعرفه الجرجاني بأنه: «التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك» 4. وذكر أيضًا في تعريفه: «أنه ما استوى طرفاه، وهو الوقوف بين الشيئين لا يميل القلب إلى أحدهما» 5.

وقال المناوي: «الشك: الوقوف بين النقيضين، وقيل: هو الوقوف بين المعنى ونقيضه، وضده: الاعتقاد» 6.

وردت مادة (ش ك ك) في القرآن الكريم (15) مرة 7.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

المصدر ... 15 ... {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66) } [النمل:66]

وجاء الشك في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: التردد في أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، أو اعتدال النقيضين في النفس وتساويهما 8.

الظن:

الظن لغةً:

الظاء والنون أصل صحيح يدل على معنيين مختلفين: يقين وشك، فأما اليقين فقول القائل: ظننت ظنًا، أي: أيقنت، والأصل الآخر: الشك، يقال: ظننت الشيء، إذا لم يتيقنه، ومن ذلك الظنة: التهمة. والجمع: الظنن 9.

الظن اصطلاحًا:

قال الراغب الأصفهاني: «اسم لما يحصل عن أمارة، ومتى قويت أدت إلى العلم، ومتى ضعفت جدًا لم يتجاوز حد التوهم» 10.

وقال الجرجاني: «هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، ويستعمل في اليقين والشك، وقيل: الظن: أحد طرفي الشك بصفة الرجحان» 11.

الصلة بين الظن والشك:

أن الشك استواء طرفي التجويز، والظن رجحان أحد طرفي التجويز، والشاك يجوز كون ما شك فيه على إحدى الصفتين، لأنه لا دليل هناك ولا أمارة، ولذلك كان الشاك لا يحتاج في طلب الشك إلى الظن والعلم، وغالبًا ما يطلبان بالنظر. ويجوز أن يقال: الظن قوة المعنى في النفس من غير بلوغ حال الثقة الثابتة، والشك ليس كذلك 12.

الريب:

الريب لغة:

الريب مأخوذة من مادة (ر ي ب) يدل على شك أو شك وخوف 13.

الريب اصطلاحا:

قال ابن الأثير رحمه الله: «الريب هو الشك مع التهمة» 14.

الصلة بين الشك والريب:

الريب يكون في علم القلب وفي عمله؛ بخلاف الشك فإنه لا يكون إلا في العلم فقط.

ثم الشك سبب الريب، كأنه شك أولًا، ثم أوقعه شكه في الريب، فالشك مبدأ الريب، كما أن العلم مبدأ اليقين، فيوصف الشك بالريب، والشك المريب أقوى ما يكون من الشك، وأشده إظلامًا، وإنما وصف الشك بالمريب للمبالغة فيه، ولتقوية معنى الشك 15.

الوهم:

الوهم لغة:

وهم إلى الشيء بالفتح يهم وهمًا، إذا ذهب وهمه إليه وهو يريد غيره، ووهم يوهم وهمًا -بالتحريك -إذا غلط 16.

الوهم اصطلاحًا:

هو الطرف المرجوح غير الجازم من المترددين، وهو أضعف من الظن، وكثيرا ما يستعمل في الظن الفاسد 17.

الصلة بين الوهم والشك:

الشك استواء الطرفين، أما إن كان أحد الطرفين راجحًا، والآخر مرجوحًا، فالمرجوح يسمى وهمًا، والراجح يسمى ظنًا 18.

الوسوسة:

الوسوسة لغة:

قال ابن منظور: «الوسوسة والوسواس: الصوت الخفي من ريح، والوسواس: صوت الحلي، والوسواس، بالفتح، الاسم، مثل الزلزال والزلزال، والوسواس، بالكسر، المصدر. والوسواس، بالفتح: هو الشيطان، وكل ما حدثك ووسوس إليك، فهو اسم» 19.

الوسوسة اصطلاحًا:

قال الكفوي: «الوسوسة: القول الخفي لقصد الإضلال من وسوس إليه ووسوس له، أي: فعل الوسوسة لأجله، وهي حديث النفس، والشيطان بما لا نفع فيه ولا خير» 20، وقال الزبيدي: «الوسوسة: الكلام الخفي في اختلاط» 21

الصلة بين الشك والوسوسة:

أن الشك ينشأ عن سبب معتبر معتد به، وأصل يبني عليه شكه بخلاف الوسوسة، فإن الموسوس يبني وسوسته من غير وجود أصل معتبر، وإنما تنشأ الوسوسة عن أوهام لا اعتبار لها.

والشك إذا كثر، وتكرر من الإنسان، فإنها تعد وسوسة.

والشك يزول بزوال سببه، وأما الوسوسة، فلا تزول إلا بجهد بالغ، ومشقة متناهية، وعزيمة قوية 22.

المرية:

المرية لغة:

المرية: بالكسر والضم، الشك والجدل، والامتراء في الشيء: الشك فيه، وكذلك التماري، والمراء: المماراة والجدل، والمراء أيضًا: من الامتراء والشك 23.

المرية اصطلاحًا:

«الامتراء: طلب التشكك مع ظهور الدليل، أو هو ظهور تكلف المؤنة، وهي محاولة مستخرج السوء من خبيئة المحاولة من امتراء ما في الضرع، وهو استئصاله حلبا» 24.

الصلة بين الشك والامتراء

«أن الامتراء هو استخراج الشبه المشكلة، ثم كثر حتى سمي الشك مرية وامتراء، وأصله المري، وهو استخراج اللبن من الضرع، مرى الناقة يمريها مريًا، ومنه ماراه مماره ومراء إذا استخرج ما عنده بالمناظرة، وامترى امتراء إذا استخرج الشبه المشكله من غير حل لها» 25.

وردت لفظتا (الشك، والريب) في كتب الترادف ضمن الألفاظ المترادفة المختلفة في اللفظ، المتفقة في المعنى.

وعرفنا أن الشك: تردد الذهن بين أمرين، وأما الريب فهو شك مع تهمة.

فعند اقتران لفظتي الشك مع الريب فإن المعنى بناءً على ما سبق يكون: التردد مع التهمة.

وقد جمعت بعض الآيات بين الشك والريب في سياقٍ واحد.

قال تعالى: {قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [هود: 62] .

بعد أن دعا صالح عليه السلام قومه لعبادة الله وحده، وذكرهم بقدرة الله عز وجل ونعمه عليهم، فيأتي الرد من قومه بأنه خاب رجاؤنا فيك، وصرت في رأينا رجلًا مختل التفكير، ولن نترك عبادة الأصنام التي كان يعبدها آباؤنا، وقالوا: {وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} فإننا لفي شك كبير وريب عظيم من صحة ما تدعونا إليه، وهو شك موقع في التهمة وسوء الظن 26.

وبنفس هذا المعنى في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} [هود: 110] .

فقوم موسى ترددوا وشكوا فيما جاءهم به موسى عليه السلام، وفي نفس الوقت تبع هذا الشك التهمة لما جاءهم به.

وقال تعالى: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ} [سبأ: 54] .

تتحدث هذه الآية عن مصير المشركين وما يلاقونه يوم القيامة، وذلك لأنهم كانوا يشكون في أمر هذا الدين، وفي نفس الوقت كانوا يتهمونه بتهم باطلة.

الإيمان والشك خطان متوازيان لا يمكن أن يلتقيان بحال من الأحوال، والمؤمن كلما ارتقى في سلم الإيمان زاد بعدًا عن الشك، فالعلاقة بين الإيمان والشك علاقة طردية، فإذا زاد الإيمان قل الشك، والعكس صحيح، وكما جاء في تعريف الشك سابقًا بأنه تردد بين شيئين، كالذي لا يجزم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يكذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه.

والإيمان لغة: مصدر آمن يؤمن إيمانًا فهو مؤمن 27، وأصل آمن أأمن بهمزتين لينت الثانية 28، وهو من الأمن ضد الخوف 29.

قال الراغب: «أصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف» 30.

وقال شيخ الإسلام: «فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد» 31.

والإيمان اصطلاحًا: «هو التصديق الجازم، والإقرار الكامل، والاعتراف التام؛ بوجود الله تعالى وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، واستحقاقه وحده العبادة، واطمئنان القلب بذلك اطمئنانًا ترى آثاره في سلوك الإنسان، والتزامه بأوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه» 32.

والحديث عن الإيمان والشك يكون في النقاط الآتية:

أولًا: العلاقة بين الإيمان والشك:

من خلال تعريف كل من الإيمان والشك يتضح لنا أن معنى الإيمان على النقيض من معنى الشك، فالشك هو تردد بين نقيضين، أما الإيمان فهو تصديق جازم وإقرار كامل.

وقد ذكر علماء السنة أن من شروط لا إله إلا الله (اليقين المنافي للشك) .

قال الشيخ حافظ حكمي: «بأن يكون قائلها مستيقنًا بمدلول هذه الكلمة يقينًا جازمًا، فإن الإيمان لا يغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن، فكيف إذا دخله الشك.

قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15] .

فاشترط في الصدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يرتابوا، أي: لم يشكوا، فأما المرتاب فهو من المنافقين - والعياذ بالله- الذين قال الله تعالى فيهم: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة: 45] .

فاشترط في دخول قائلها الجنة أن يكون مستيقنًا بها قلبه غير شاك فيها، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط» 33.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله موضحًا منزلة اليقين وأهميتها، ومعارضتها لكل شك وريب: «فاليقين روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح، وهو حقيقة الصديقية، وهو قطب هذا الشأن الذي عليه مداره، ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورًا وإشراقًا، وانتفى عنه كل ريب وشك وسخط، ثم ذكر من تعريفات اليقين «المكاشفة، وهو على ثلاثة أوجه: مكاشفة في الأخبار، ومكاشفة بإظهار القدرة، ومكاشفة القلوب بحقائق الإيمان، ومراد القوم بالمكاشفة: ظهور الشيء للقلب بحيث يصير نسبته إليه كنسبة المرئي إلى العين، فلا يبقى معه شك ولا ريب أصلًا، وهذا نهاية الإيمان، وهو مقام الإحسان» 34.

ثانيًا: كيف تحدث القرآن الكريم عن الإيمان والشك:

المتأمل للقرآن الكريم يلاحظ أن الله سبحانه وتعالى يؤكد على المسائل العقدية الكبرى التي يجب الإيمان واليقين بها بقوله: لا ريب فيه، فحينما حدثنا في بداية سورة البقرة عن القرآن قال: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] .

ويقول تعالى: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 37] .

وعن قيام الساعة يقول: {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9] .

ويقول أيضًا: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 25] .

فهذه الآيات تؤكد على أهمية اليقين، وذم الشك والريب والتردد في أمور الدين والعقيدة ومسائل الإيمان، وأن نكون فيها جازمين ثابتين غير متزعزعين ولامتشككين.

وفي المقابل يقول الله جل وعلا عن حال أهل الإيمان واليقين: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15] .

تعددت وتنوعت صور الشك من قبل المشركين، فتارة يشكون في الله عز وجل، وتارة يشكون في الكتب السماوية، وتارة يشكون في الرسل ورسالتهم، وتارة أخرى يشكون في اليوم الآخر، هذا ما سنتعرف عليه من خلال النقاط الآتية:

أولًا: الشك في الله جل جلاله:

أن الله تعالى عاب على المشركين شكهم في ربوبيته وألوهيته، فقال سبحانه: {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} [الدخان: 7 - 9] .

في هذه الآيات يخبر الله عز وجل بأنه رب السموات والأرض وما بينهما من سائر المخلوقات، وخالقها ومالكها وما فيها، بعد إثبات الربوبية لله أثبت الوحدانية، فهو الإله الواحد الذي لا إله غيره، وأثبت القدرة فهو المحيي والمميت، يحيي ما يشاء، ويميت ما يشاء، ثم أكد الربوبية على البشر بالذات، فهو ربكم أيها المخاطبون ورب آبائكم وأجدادكم الأولين، ومدبر شئونهم، فهو المستحق للعبادة، دون غيره من الآلهة المزعومة 35.

قال الإمام الألوسي رحمه الله: «قوله: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} إضراب إبطالي، أبطل به إيقانهم لعدم جريهم على موجبه، وتنوين {شَكٍّ} للتعظيم، أي: في شك عظيم. {يَلْعَبُونَ} أي: لا يقولون ما يقولون عن جد وإذعان، بل يقولونه مخلوطًا بهزء ولعب، وهذه الجملة خبر بعد خبر لهم، والالتفات عن خطابهم لفرط عنادهم، وإهمال أمرهم» 36.

ففي هذه الآية ينفي الحق سبحانه إيقانهم بأن خالق السموات والأرض هو الله، لعدم جريهم على ما يقتضيه هذا الإيقان، لأنهم لو كانوا موقنين حقا بذلك، لأخلصوا لله تعالى العبادة والطاعة 37.

وقد أغلظ ابن حزم رحمه الله تعالى على من انتحلوا مذهب الشك فقال: «والله ما سمع سامع قط بأدخل في الكفر من قول من أوجب الشك في الله تعالى وفي صحة النبوة فرضًا على كل متعلم لا نجاة له إلا به، ولا دين لأحد دونه، وإن اعتقاد صحة التوحيد لله تعالى وصحة النبوة باطل لا يحل، فحصل من كلامهم أن من لم يشك في الله تعالى ولا في صحة النبوة فهو كافر، ومن شك فيهما فهو محسن مؤد ما وجب عليه، وهذه فضيحة وحماقة 38.

وبعد أن شك المشركون في الله عز وجل بقولهم: {وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [إبراهيم: 9] .

جاءهم الجواب على ألسن رسله عليهم السلام بالاستفهام الإنكاري: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [إبراهيم: 10] .

قال البغوي رحمه الله تعالى: «هذا استفهام بمعنى نفي ما اعتقدوه» 39، وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: «هذا استفهام إنكار، والمعنى: لا شك في الله، أي: في توحيده» 40.

ثانيًا: الشك في الكتب السماوية:

قال تعالى: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} [الشورى: 14] .

قال الزحيلي: «أي: وإن الجيل المتأخر من أهل الكتاب الذين توارثوا التوراة والإنجيل عمن سبقهم لفي شك من كتابهم ودينهم وإيمانهم، وهو شك مقلق موقع في الريب بشدة، لأنهم لم يتبعوا الحق، وإنما قلدوا رؤساء الدين المتأخرين الذين صوروا لهم الدين بصورة مغايرة لحقيقته الأولى، واتبعوا الآباء والأسلاف بلا دليل ولا برهان، وهم في حيرة من أمرهم، ولذلك لم يؤمنوا برسالة خاتم الأنبياء، وأصبحوا مكذبين القرآن ومحمدا صلى الله عليه وسلم الذي صدق كتابهم في أصله الأول» 41.

وعندما شك المشركون في القرآن الكريم جاءهم الرد من الله عز وجل بقوله: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] يخبر تعالى أن ما أنزله على عبده ورسوله من قرآن يمثل كتابًا عظيمًا لا يحتمل الشك، ولا يتطرق إليه احتمال كونه غير وحي الله وكتابه، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 37] .

قال الإمام ابن كثير: «هذا بيان لإعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله، ولا بعشر سور ولا بسورة من مثله لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحلاوته واشتماله على المعاني الغزيرة النافعة في الدنيا والآخرة، لا يكون إلا من عند الله تعالى الذي لا يشبهه شيء في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله ولا في أقواله، فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين» 42.

ثالثًا: الشك في الرسل ورسالاتهم:

قال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [هود: 61 - 62] .

بعد أن دعا صالح عليه السلام قومه لعبادة الله وحده، وذكرهم بقدرة الله عز وجل ونعمه عليهم، فيأتي الرد من قومه بقوله تعالى: {قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا} قالوا: يا صالح، لقد كنت فينا رجلًا فاضلًا نرجوك لمهمات الأمور فينا، لعلمك وعقلك وصدقك، قبل أن تقول ما قلته، أما الآن وبعد أن جئتنا بهذا الدين الجديد فقد خاب رجاؤنا فيك، وصرت في رأينا رجلا مختل التفكير، ثم ختموا ردهم عليه بقولهم: {وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} أي: لن نترك عبادة الأصنام التي كان يعبدها آباؤنا، وإننا لفي شك كبير وريب عظيم من صحة ما تدعونا إليه، وهو شك موقع في التهمة وسوء الظن 43.

وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} [هود: 110] .

يخبر الله عز وجل عن اختلاف قوم موسى عليه السلام في شأن التوراة التي أنزلها على نبيهم لهدايتهم، إذ منهم من آمن بها، ومنهم من كفر بها، ثم يوضح الله عز وجل بقوله: {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} أي: وإن هؤلاء المختلفين في شأن الكتاب لفي شك منه، وهذا الشك قد أوقعهم في الريبة والتخبط والاضطراب، وهذا شأن المعرضين عن الحق، لا يجدون مجالا لنقده وإنكاره، فيحملهم عنادهم وجحودهم على التشكيك فيه، وتأويله تأويلا سقيما يدعو إلى الريبة والقلق 44.

قال الشيخ محمد الطنطاوي شيخ الأزهر: «وبعض المفسرين يرى عودة الضمير في قوله {وَإِنَّهُمْ} إلى قوم موسى، وفي قوله {مِنْهُ} إلى كتابهم التوراة، وبعضهم يرى عودة الضمير الأول إلى قوم النبي صلى الله عليه وسلم والثاني إلى القرآن الكريم، والذي يبدو لنا أن الرأى الأول أظهر في معنى الآية، لأن الكلام في موسى عليه السلام وقومه الذين اختلفوا في شأن كتابهم التوراة اختلافًا كبيرًا، وعود الضمير إلى المتكلم عنه أولى بالقبول، وهذا لا يمنع أن بعض المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم كانوا في شك من القرآن، أوقعهم هذا الشك في الريبة والحيرة، فتكون الجملة الكريمة من باب التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما قاله بعض المشركين في شأن القرآن الكريم» 45.

وقال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا} [غافر: 34] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت