فهرس الكتاب

الصفحة 982 من 2431

لقد وصف القرآن الكريم المؤمنين بأعظم وصف يدل على وحدتهم واجتماعهم، لقد وصفهم بأنهم إخوة؛ فكما أن الإخوة في النسب تربطهم روابط قوية من المحبة والألفة وحرص كل منهم على مصلحة أخيه، فكذلك حال الأخوة بين المؤمنين.

قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الحجرات: 10] .

إن هذه الأخوة هي بمثابة عقد عقده الله بين المؤمنين؛ فأينما وجد المؤمن -في مشارق الأرض أو في مغاربها- فإنه أخ للمؤمنين، أخوةٌ توجب أن يحب له المؤمنون ما يحبون لأنفسهم، ويكرهون له ما يكرهون لأنفسهم 37.

قال ابن عاشور: «وجيء في الآية بصيغة القصر، المفيدة لحصر حالهم في حال الإخوة؛ مبالغةً في تقرير هذا الحكم بين المسلمين، وأخبر عنهم بأنهم إخوة مجازًا على وجه التشبيه البليغ، زيادة في تقرير معنى الأخوة بينهم، حتى لا يحق أن يقرن بحرف التشبيه المشعر بضعف صفتهم عن حقيقة الأخوة، وهذه الآية فيها دلالة قوية على تقرر وجوب الأخوة بين المسلمين؛ لأن شأن (إنما) أن تجيء لخبر لا يجهله المخاطب، ولا يدفع صحته، أو لما ينزل منزلة ذلك؛ فلذلك كان قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) مفيد أن معنى الأخوة بينهم معلوم مقرر» 38.

إن في تقرير القرآن الكريم للأخوة بين المؤمنين أعظم دليل على حثه واهتمامه بوحدتهم وتماسكهم؛ حتى يكونوا جميعًا إخوانًا، وإن هذه الأخوة التي قررها القرآن الكريم هي أخوة مبنيةٌ على أساس متين؛ فالذي يربط المؤمنين ببعض هو رباط العقيدة والدين، وهذا أقوى من كل رباط يجمع الناس، حتى ولو كان رباط نسب أو رحم، فالمؤمنون بهذا الرباط كالجسد الواحد، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) 39.

ولذلك يكثر في القرآن العظيم إطلاق النفس وإرادة الأخ؛ تنبيهًا على أن رابطة الإسلام تجعل أخا المسلم كنفسه، كقوله تعالى: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا) [النور: 12] .

أي: بإخوانهم على أصح التفسيرين 40، وقوله: (وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) [الحجرات: 11] .

أي: لا يعب بعضكم بعضًا، وعبر بالنفس لأن المؤمنين جميعًا كنفس واحدة 41.

وقوله: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) [النساء: 29] .

أي: لا يأكل أحدكم مال أخيه، إلى غير ذلك من الآيات. ولذلك ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) 4243.

ومن الآيات الدالة على أن الدين والإيمان والعقيدة الخالصة هي الرابطة الحقيقية التي توحد المسلمين جميعًا، وأن تلك الرابطة تتلاشى معها جميع الروابط النسبية والعصبية والقبلية: قوله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ?) [المجادلة: 22] .

فأخوة العقيدة والدين هي الكفيلة بتوحيد أمة الإسلام قاطبة، ولا يجوز لمسلم أن يقدم كافرًا ولو كان ذا قرابة ونسب على مسلم ولو كان الأخير أعجميًا بعيدًا.

فالمؤمنون إخوة متحابون، وإن مناط هذه الأخوة وأساسها إنما هو رابط الإسلام وعقيدته الصحيحة وهي من أهم أسباب وحدة الصف وقوة البنيان بين أفراد الأمة المسلمة وإن التحابب بين المسلمين والحرص على روابط الأخوة المستمدة من الإيمان والعقيدة سر قوة الأمة ومفتاح نجاحها 44.

وسنة النبي صلى الله عليه وسلم عامرةٌ بالأحاديث المؤكدة على ما أقره القرآن الكريم؛ من وجوب الأخوة بين المسلمين عامة، وبيان ما على المسلمين من حقوق لإخوانهم، مما يضمن الحفاظ على تلك الأخوة وتلك المودة، وصيانتها من كل ما يخالف معانيها العظيمة.

فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا) ويشير إلى صدره ثلاث مرات (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه) 45.

وقد قال صلى الله عليه وسلم ممثلًا حال الإخوة من المؤمنين بأعظم مثال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا) 46.

وشبك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه، وليس المقام هنا مقام سرد لتلك الأحاديث العظيمة فنكتفي بما أشرنا إليه.

ولا يخفى على كل مطلع على سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ما قام به صلى الله عليه وسلم من المؤاخاة بين أصحابه الكرام؛ حيث آخى بين المهاجرين أنفسهم، وآخى بين الأنصار أنفسهم، وآخى بين المهاجرين والأنصار جميعًا، وكانت أروع صور المؤاخاة التي عرفها تاريخ البشرية، هذا الإخاء الذي ذابت فيه عصبيات الجاهلية، وسقطت فوارق النسب واللون والوطن، فلا يكون أساس الولاء والبراء إلا الإسلام، وقد امتزجت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة وإسداء الخير في هذه الأخوة، وملأت المجتمع الجديد بأروع الأمثال 47، حتى قال الواحد منهم لأخيه: إني أكثر الأنصار مالًا؛ فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها 48.

ومن أساليب القرآن الكريم في الحث على وحدة المسلمين وتجمعهم، أنه أمر بالمبادرة إلى الإصلاح بين المؤمنين إذا ما نزغ الشيطان بين طائفتين منهم فحصل بينهم نزاع أو اقتتال.

قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9] .

ففي هذه الآية نهيٌ من الله عز وجل للمؤمنين عن أن يبغي بعضهم على بعض، ويقاتل بعضهم بعضًا، فإن اقتتلت طائفتان منهم، فإن على غيرهم من المؤمنين أن يتلافوا هذا الشر الكبير، بالإصلاح بينهم، والتوسط بذلك على أكمل وجه يقع به الصلح، ويسلكوا الطريق الموصلة إلى ذلك، فإن حدث الصلح فبها ونعمت، وإن {بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} أي: ترجع إلى ما حد الله ورسوله، من فعل الخير وترك الشر، الذي من أعظمه الاقتتال، وقوله: {فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ} هذا أمر بالصلح، وبالعدل في الصلح، فإن الصلح قد يوجد، ولكن لا يكون بالعدل، بل بالظلم والحيف على أحد الخصمين، فهذا ليس هو الصلح المأمور به 49.

وفي الآية لطائف عظيمة تدل على أن الاقتتال بين المؤمنين شاذ عن الأصل المأمور به من الوحدة والأخوة والتآلف؛ حيث عبرت الآية عن حدوث ذلك الاقتتال بأداة الشرط (إن) التي تفيد ندرة الوقوع وقلته، وفي ذلك إشارة إلى أنه ينبغي أن لا يقع الاقتتال إلا نادرًا، ثم إن الآية الكريمة استعملت لفظة: {طَائِفَتَانِ} ولم تستعمل لفظة: (فرقتان) وذلك للدلالة أيضًا على التقليل؛ لأن الطائفة دون الفرقة، ثم إن الآية قالت: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ولم تقل: (منكم) مع أن الخطاب للمؤمنين تنبيهًا على قبح ذلك، وزجرًا لهم عنه، كما يقول السيد لعبده: إن رأيت أحدًا من غلماني يفعل كذا فامنعه، فيصير بذلك مانعًا للمخاطب عن ذلك الفعل بالطريق الحسن، كأنه يقول أنت حاشاك أن تفعل ذلك فإن فعل غيرك فامنعه.

ولا يخفى أيضًا تعبير الآية بالفعل الماضي {اقْتَتَلُوا} بدل الفعل المضارع (يقتتلوا) حتى لا يدل دوام ذلك الاقتتال وكثرته، وكذلك التعبير بقوله: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى} في غاية الحسن لأنه يفيد الندرة وقلة الوقوع 50.

ومن اللطائف في الآية أيضًا أن الله تعالى خاطب المؤمنين فيها بقوله: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} فلا ينبغي لهم أن يسمحوا لغيرهم من الكفار والمنافقين أن يتدخلوا في شؤونهم؛ فإنهم أي الكفار والمنافقين لا يزيدونهم إلا خبالًا وشقاقًا كما نرى في واقع المسلمين اليوم!!

ومن الآيات الكريمات التي تأمر بإصلاح ذات البين 51: قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1] .

حيث نزلت هذه الآية عندما وقع خلاف بين المسلمين في غنائم بدر، وفي قسمتها، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تقسم؟ ولمن الحكم في قسمتها؟ للمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعًا؟

فكان الجواب من الله عز وجل: قل لهم هي لرسول الله، وهو الحاكم فيها خاصة، يحكم ما يشاء، ليس لأحد غيره فيها حكم، {فَاتَّقُوا اللَّهَ} في الاختلاف والتخاصم، وكونوا متآخين في الله، {وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} يعني: ما بينكم من الأحوال حتى تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق، والبين الوصل أي: فاتقوا الله، وكونوا مجتمعين على ما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم 52.

قال ابن كثير: «اتقوا الله في أموركم، وأصلحوا فيما بينكم، ولا تظالموا، ولا تخاصموا، ولا تشاجروا؛ فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه، {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: في قسمه بينكم على ما أراده الله، فإنه إنما يقسمه كما أمره الله من العدل والإنصاف، وقال ابن عباس: هذا تحريج من الله ورسوله أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم، وكذا قال مجاهد» 53.

ولقد رغب القرآن الكريم في الإصلاح بين المسلمين، فقد قال تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114] .

يقول أبو بكر الجزائري مفسرًا لهذه الآية: «يخبر تعالى أنه لا خير في كثير من أولئك المتناجين، ولا في نجواهم؛ لنفاقهم وسوء طواياهم، اللهم إلا في نجوى أمر أصحابها بصدقة تعطى لمحتاج إليها من المسلمين، أو معروف استحبه الشارع أو أوجبه من البر والإحسان، أو إصلاح بين الناس للإبقاء على الألفة والمودة بين المسلمين، ثم أخبر تعالى أن من يفعل ذلك المذكور من الصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس طلبًا لمرضاة الله تعالى فسوف يثيبه بأحسن الثواب؛ ألا وهو الجنة، دار السلام؛ إذ لا أجر أعظم من أجر يكون الجنة» 54.

وقد أكدت السنة المشرفة هذا المعنى العظيم، من الحث على إصلاح ذات البين، والترغيب فيه، فعن أبى الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة) ، قالوا: بلى. قال: (إصلاح ذات البين وفساد ذات البين الحالقة) 55، وغير ذلك من الأحاديث.

إن هذه الآيات الكريمات التي تأمر وتحث على الإصلاح بين المسلمين، لهي آيات تدل على حرص هذا الكتاب العزيز على وحدة صف المؤمنين، وعدم السماح لأي أمر - مهما كان - أن يفرق كلمتهم، أو يشتت شملهم، فالمؤمنون إخوة، وأمة الإسلام أمة واحدة، لها دين واحد، وتعبد ربًا واحدًا.

ثانيًا: النهي عن الفرقة والاختلاف:

كما أن القرآن الكريم أمر بالوحدة وحث عليها، فإنه في مقابلة ذلك نهى عن الفرقة والاختلاف، وحذر منهما تحذيرًا عظيمًا، وذلك في آيات عدة من الكتاب العزيز، فمن ذلك قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103] .

حيث «أمر الله عز وجل عباده المؤمنين في هذه الآية بما يعينهم على التقوى، وهو الاجتماع والاعتصام بدين الله، وكون دعوى المؤمنين واحدة، مؤتلفين غير مختلفين، فإن في اجتماع المسلمين على دينهم، وائتلاف قلوبهم يصلح دينهم، وتصلح دنياهم، وبالاجتماع يتمكنون من كل أمر من الأمور، ويحصل لهم من المصالح التي تتوقف على الائتلاف ما لا يمكن عدها، كما أن بالافتراق والتعادي يختل نظامهم وتنقطع روابطهم، ويصير كل واحد يعمل ويسعى في شهوة نفسه، ولو أدى إلى الضرر العام وفي هذه الآية ما يدل على أن الله يحب من عباده أن يذكروا نعمته بقلوبهم وألسنتهم؛ ليزدادوا شكرا له ومحبة، وليزيدهم من فضله وإحسانه، وإن من أعظم ما يذكر من نعمه نعمة الهداية إلى الإسلام، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم واجتماع كلمة المسلمين وعدم تفرقها» 56.

ولقد قال الله عز وجل بعد هذه الآية بآية واحدة: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105] .

«نهى الله سبحانه في هذه الآية عباده المؤمنين أن يكونوا كأهل الكتاب الذين وقعت بينهم العداوة والبغضاء؛ فتفرقوا شيعًا وأحزابًًا، واختلفوا في أصول دينهم، من بعد أن اتضح لهم الحق، وأولئك مستحقون لعذابٍ عظيم موجع» 57.

وأخرج الطبري عن ابن عباس رضي الله عنه في هذه الآية قال: «في هذا ونحوه من القرآن أمر الله جل ثناؤه المؤمنين بالجماعة؛ فنهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله» 58.

يقول الدكتور وهبة الزحيلي معلقًا على الآية السابقة: «إن التفرق في الدين أمر حرام ومنكر عظيم، مؤذن بتدمير المصلحة العامة، والقضاء على وجود الدولة المسلمة والأمة المؤمنة، وقد عد القرآن الكريم المتفرقين في الدين من الكفار والمشركين، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 31 - 32] .

وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159] .

ومن ترك الاعتصام بالقرآن والإسلام، ورد الأمر المتنازع فيه إلى غير الكتاب والسنة كان أيضًا من الكافرين» 59.

ونظير هذه الآيات التي تنهى عن الفرقة والاختلاف قول الله عز وجل: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46] .

ففي هذه الآية أمر من الله عز وجل لعباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونهي عن التنازع الذي يؤدي إلى الافتراق واختلاف القلوب، ومن ثم الضعف والجبن والفشل وذهاب الريح والقوة 60.

يقول ابن عاشور: «والنهي عن التنازع أعم من الأمر بالطاعة لولاة الأمور؛ لأنهم إذا نهوا عن التنازع بينهم، فالتنازع مع ولي الأمر أولى بالنهي؛ ولما كان التنازع من شأنه أن ينشأ عن اختلاف الآراء - وهو أمر مرتكز في الفطرة - بسط القرآن القول فيه ببيان سيئ آثاره، فجاء بالتفريع بالفاء في قوله: {فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} فحذرهم أمرين معلومًا سوء مغبتهما: وهما الفشل وذهاب الريح وإنما كان التنازع مفضيا إلى الفشل؛ لأنه يثير التغاضب ويزيل التعاون بين القوم، ويحدث فيهم أن يتربص بعضهم ببعض الدوائر، فيحدث في نفوسهم الاشتغال باتقاء بعضهم بعضًا، فيصرف الأمة عن التوجه إلى ما فيه نفع جميعهم، ويصرف الجيش عن الإقدام على أعدائهم، فيتمكن منهم العدو؛ وذلك لأن التنازع يفضي إلى التفرق، وهو يوهن أمر الأمة» 61.

ومن الآيات التي تحث على الاجتماع، وتذم الفرقة قول الله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] .

قال ابن كثير: «أوصى الله تعالى جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالائتلاف والجماعة ونهاهم عن الافتراق والاختلاف» 62.

لقد أخبرنا القرآن الكريم عن جماعة من المنافقين أرادوا تمزيق وحدة المسلمين، وتفريق صفهم، وبنوا لذلك مسجدًا ضرارًا؛ ففضحهم الله عز وجل، وأبدى عورهم للمسلمين، وقال فيهم: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 107] .

إن الإسلام يحارب كل طريق تؤدي إلى تمزيق وحدة المسلمين، وإن كانت بناء مسجدٍ، وهذا المسجد لم يرد ببنائه الخير؛ وإنما أريد به أن يكون مقرًا للمنافقين؛ يدبرون فيه مؤامراتهم ضد الإسلام والمسلمين، ويشقون به عصا الجماعة، فنهى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقوم في هذا المسجد أبدًا، {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} [التوبة: 108] .

ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدمه وتحريقه 63.

وللتنفير من التنازع والافتراق واقتتال المسلمين بعضهم مع بعض سمى الله عز وجل تشاجر المسلمين وقتال بعضهم بعضًا كفرًا.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} [آل عمران: 100] .

لقد ذكر المفسرون أن الآية الكريمة نزلت حينما حاول أحد اليهود الخبثاء الإيقاع بين المسلمين - بتذكيرهم بحروبهم أيام الجاهلية - حتى كادوا أن يقتتلوا 64؛ فنزلت هذه الآية تحذر المسلمين من طاعة المفسدين من أهل الكتاب الذين هدفهم إيقاع العدواة بين صفوف المسلمين.

والسنة النبوية المشرفة مؤازرة للقرآن الكريم في التحذير من الفرقة والشذوذ عن الجماعة، والأحاديث في هذا الباب أكثر من أن يحصيها بحثنا هذا.

ولكن نشير إلى بعضها: فعن ابن عمر رضي الله عنه قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: يا أيها الناس إني قمت فيكم كمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، فقال: (أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، من سرته حسنته وساءته سيئته فذلكم المؤمن) 65.

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية) 66.

ولقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم اقتتال المسلمين كفرًا، حيث قال في حجة الوداع: (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) 67.

وقال: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) 68.

إن الناظر في أحكام الإسلام وتشريعاته يجدها حاثة على الوحدة، محذرة للفرقة، وذامة لها، فالإسلام حرم أن يهجر المسلم أخاه المسلم، وأمر بإفشاء السلام من أجل إشاعة المحبة، وأمر بصلاة الجماعة، ونهى أن يسافر الرجل وحده، وأن يبيت وحده، ولو ذهبنا نستقصي شواهد الشريعة التي تفيد وجوب اجتماع كلمة المسلمين، وحرمة الفرقة بينهم لطال بنا المقام.

والخلاصة: أن العمل على تحقيق وحدة المسلمين مما عظمت وصية الله به في كتابه، ووصية النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، ومما عظم ذم تركه، ومما عظمت حاجة المسلمين اليوم إليه، في وقت قد تمزقت فيه دولة الإسلام، وطغت الحزبية والطائفية والمذهبية والوطنية الضيقة على بلاد المسلمين، فما أشد حاجة المسلمين إلى العمل بما فرض الله عليهم، وما أشد حاجة المسلمين إلى وحدة أمتهم، واجتماعهم على كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت