فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 2431

روى مسلم رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: (سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أناس عن الكهان؟ فقال:(إنهم ليسوا بشيء) فقالوا يا رسول الله، إنهم يحدثونا أحيانًا بشيء فيكون حقًا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها 102 في أذن وليه قر الدجاجة، فيخلطون معها مائة كذبةٍ) 103.

وأخرجه البخاري أيضًا من حديث أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة، عن عائشة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الملائكة تنزل في العنان، وهو السحاب - فتذكر الأمر قضي في السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبةٍ من عند أنفسهم) 104.

العرافة:

هي معرفة الاستدلال ببعض الحوادث الخالية على الحوادث الآتية بالمناسبة أو المشابهة الخفية التي تكون بينهما، أو الاختلاط أو الارتباط، على أن يكونا معلولي أمر واحد، أو يكون ما في الحال علة لما في الاستقبال. وشرط كون الارتباط المذكور خفيًا أن لا يطلع عليه إلا الأفراد، وذلك إما بالتجارب أو بالحالة المودعة في أنفسهم عند الفطرة 105.

والعراف هو الذي يزعم أنه يعرف الأمور الغيبية بمقدمات وأسباب قولية أو فعلية يستدل بها على مواقعها، كالشيء يسرق، فيعرف المظنون به السرقة، وتتهم المرأة بالزنا فيعرف من صاحبها 106.

وقال ابن تيمية: «العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم، كالحازي الذي يدعي علم الغيب أو يدعي الكشف» . وقال أيضًا: «والمنجم يدخل في اسم الكاهن عند الخطابي وغيره من العلماء» ، وعند آخرين: «هو من جنس الكاهن وأسوأ حالًا منه، فيلحق به من جهة المعنى» . وقال الإمام أحمد: «العراف طرف من السحر، والساحر أخبث» 107.

وقال ابن الأثير: «العراف: المنجم أو الحازي الذي يدعي علم الغيب وقد استأثر الله تعالى به» 108.

وقال ابن القيم: «من اشتهر بإحسان الزجر عندهم سموه عائفًا وعرافًا» 109.

والمقصود من هذا: معرفة أن من يدعي علم شيء من المغيبات، فهو إما داخل في اسم الكاهن، وإما مشارك له في المعنى فيلحق به، وذلك أن إصابة المخبر ببعض الأمور الغائبة في بعض الأحيان يكون بالكشف، ومنه ما هو من الشياطين، ويكون بالفأل، والزجر والطير، والضرب بالحصى، والخط في الأرض، والتنجيم، والكهانة والسحر، ونحو هذا من علوم الجاهلية. ونعني بالجاهلية: كل من ليس من أتباع الرسل، كالفلاسفة والكهان والمنجمين، وجاهلية العرب الذين كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذه من علوم قوم ليس لهم علم بما جاءت به الرسل عليهم السلام.

وكل هذه الأمور يسمى صاحبها كاهنًا وعرافًا، فمن أتاهم فصدقهم بما يقولون لحقه الوعيد.

وقد ورث هذه العلوم عنهم أقوام، فادعوا بها علم الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه، وادعوا أنهم أولياء، وأن ذلك كرامة، ولا ريب أن من ادعى الولاية، واستدل عليها بإخباره ببعض المغيبات، فهو من أولياء الشيطان، لا من أولياء الرحمن.

إذ الكرامة أمر يجريه الله على يد عبده المؤمن المتقي، إما بدعاء أو أعمال صالحة لا صنع للولي فيها، ولا قدره له عليها، بخلاف من يدعي أنه ولي لله، ويقول للناس: اعلموا أني أعلم المغيبات، فإن مثل هذه الأمور قد تحصل بما ذكر-آنفًا- من الأسباب، وإن كانت أسبابًا محرمة كاذبة في الغالب.

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الكهان: «فيكذبون معها مائة كذبةٍ» فبين أنهم يصدقون مرة ويكذبون مائة. وهكذا حال من سلك سبيل الكهان ممن يدعي الولاية والعلم بما في ضمائر الناس، مع أن نفس دعواه دليل على كذبه؛ لأن في دعواه الولاية تزكية النفس المنهي عنها بقوله تعالى: (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) [النجم: 32] .

وليس هذا من شان الأولياء، بل شأنهم الإزراء على نفوسهم وعيبهم لها، وخوفهم من ربهم.

فكيف يأتون الناس ويقولون: اعرفوا أنا أولياء، وأنا نعلم الغيب. وفي ضمن ذلك طلب المنزلة في قلوب الخلق، واقتناص الدنيا بهذه الأمور، وحسبك بحال الصحابة والتابعين، وهم سادات الأولياء، أفكان عندهم من هذه الدعاوى والشطحات شيء؟

لا والله، بل كان أحدهم لا يملك نفسه من البكاء إذا قرأ القرآن كالصديق، وكان عمر يسمع نشيجه من وراء الصفوف يبكي في صلاته، وكان يمر بالآية في ورده بالليل فيمرض منها ليالٍ يعوده الناس، وكان تميم الداري يتقلب في فراشه، لا يستطيع النوم إلا قليلًا، خوفًا من النار، ثم يقوم إلى صلاته.

ويكفيك في صفات الأولياء: ما ذكر الله تعالى من صفاتهم في سورة الرعد، والمؤمنين، والفرقان، والذاريات والطور، فالمتصفون بتلك الصفات هم الأولياء الأصفياء، لا أهل الدعوى والكذب، ومنازعة رب العالمين فيما اختص به من الكبرياء والعظمة، وعلم الغيب، بل مجرد دعواه علم الغيب كفر، فكيف يكون المدعي لذلك وليا لله؟

ولقد عظم الضرر، واشتد الخطب بهؤلاء المفترين، الذين ورثوا هذه العلوم عن المشركين، ولبسوا بها على خفافيش البصائر. نسأل الله السلامة والعافية في الدنيا والآخرة 110.

التنجيم:

وقد يزعم بعض الناس أن هناك مدركًا من مدارك علم الغيب يلجئون إليه للتعرف على ما سيقع مستقبلًا، وهو التنجيم. وهو علم يعرف به الاستدلال بالتشكلات الفلكية على الحوادث السفلية 111.

والمنجمون هم القائلون بالدلالات النجومية ومقتضى أوضاعها في الفلك، وآثارها في العناصر، وما يحصل من الامتزاج بين طباعها بالتناظر، ويتأدى من ذلك المزاج إلى الهواء، وهؤلاء المنجمون ليسوا من الغيب في شيء، إنما هي ظنون حدسية وتخمينات مبنية على التأثير والنجومية، وحصول المزاج منه للهواء، مع مزيد حدس، يقف به الناظر على تفصيل في الشخصيات في العالم، وذلك كله باطل 112.

حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس شعبةً من السحر زاد ما زاد) 113.

قال الإمام الخطابي: «علم النجوم المنهي عنه: هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع، وستقع في المستقبل، كإخبارهم بأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وظهور الحر والبرد، وتغير الأسعار، وما كان في معانيها من الأمور، يزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها، وباجتماعها واقترانها، ويدعون لها تأثيرًا في السفليات، وأنها تتصرف على أحكامها، وتجري على قضايا موجباتها. وهذا منهم تحكم على الغيب وتعاطٍ لعلمٍ استأثر الله سبحانه به، لا يعلم الغيب أحد سواه.

فأما علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والحس، كالذي يعرف به الزوال، ويعلم به جهة القبلة، فهو غير داخل فيما نهي عنه. وذلك: أن معرفة رصد الظل ليس شيئًا بأكثر من أن الظل ما دام متناقصًا، فالشمس بعد صاعدةٌ نحو وسط السماء في الأفق الشرقي، وإذا أخذ في الزيادة فالشمس هابطة من وسط السماء نحو الأفق الغربي.

وهذا علم يصح دركه من جهة المشاهدة، إلا أن أهل هذه الصناعة قد دبروه، بما اتخذوا له من الآلة التي يستغني الناظر فيها عن مراعاة مدته ومراصده.

وأما ما يستدل به من جهة النجوم على جهة القبلة: فإنما هي كواكب أرصدها أهل الخبرة بها من الأئمة الذين لا نشك في عنايتهم بأمر الدين ومعرفتهم بها، وصدقهم فيما أخبروا به عنها. مثل أن يشاهدوها بحضرة الكعبة، ويشاهدوها في حال الغيبة عنها، فكان إدراكهم: الدلالة عنها بالمعاينة، وإدراكنا لذلك بقبولنا لخبرهم؛ إذ كانوا غير متهمين في دينهم ولا مقصرين في معرفتهم» 114.

وقال الحافظ ابن رجبٍ الحنبلي: «والمأذون في تعلمه: علم التسيير لا علم التأثير، فإنه باطل محرم، قليله و كثيره. أما علم التسيير، فإذا تعلم ما يحتاج إليه للاهتداء، ومعرفة القبلة والطريق كان جائزًا عند الجمهور. وما زاد عليه فلا حاجة إليه، وهو يشغل عما هو أهم منه، وربما أدى تدقيق النظر فيه إلى إساءة الظن بمحاريب المسلمين في أمصارهم، كما وقع ذلك كثيرًا من أهل هذا العلم قديمًا وحديثًا، وذلك يفضي إلى اعتقاده خطأ الصحابة والتابعين في صلاتهم في كثير من الأمصار، وهو باطل» 115.

ونقل ابن عابدين الحنفي عن (مختارات النوازل) أن علم النجوم في نفسه حسنٌ غير مذموم؛ إذ هو قسمان:

أحدهما: حسابيٌ وهو حق، وقد نطق به الكتاب، قال تعالى: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) [الرحمن: 5] . أي: سيرهما بحساب.

والثاني: استدلاليٌ بسير النجوم وحركة الأفلاك على الحوادث بقضاء الله تعالى وقدره، وهو جائز، كاستدلال الطبيب بالنبض على الصحة والمرض.

ولو لم يعتقد بقضاء الله تعالى أو ادعى علم الغيب بنفسه يكفر. ثم إن تعلم ما يعرف به مواقيت الصلاة والقبلة: لا بأس به 116.

وأما الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ، فقد جعل التنجيم ثلاثة أقسام:

الأول: وهو القول بأن الموجودات في العالم السفلي مركبة على تأثير الكواكب والروحانيات، وأن الكواكب فاعلة مختارة. وهو قول الصابئة المنجمين الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل عليه السلام. وهذا كفر بإجماع المسلمين.

الثاني: الاستدلال على الحوادث الأرضية بمسير الكواكب، واجتماعها وافتراقها، ونحو ذلك. ويقول: إن ذلك بتقدير الله ومشيئته، فلا ريب في تحريم ذلك. واختلف المتأخرون في تكفير القائل بذلك، وينبغي أن يقطع بكفره؛ لأنها دعوى لعلم الغيب، الذي استأثر الله تعالى بعلمه، بما لا يدل عليه.

الثالث: وهو تعلم منازل القمر والشمس؛ للاستدلال بذلك على القبلة وأوقات الصلوات والفصول 117.

ثالثًا: معرفة نوع الجنين وعلم الغيب:

تقدمت الإشارة في مفاتح الغيب إلى اختصاص الله سبحانه وتعالى بعلم ما في الأرحام، وقد يقع في أذهان بعض الناس أن البشر يستطيعون أن يعلموا ما في الأرحام بمعرفة جنس الجنين هل هو ذكر أو أنثى؟ وذلك عندما يمكن أن تغرز إبرة لسحب نقطة من السائل الامنيوسي لفحص خلال الجنين، هل تحمل شارة الذكورة أو الأنوثة، ويكون ذلك بعد مضي أربعة أشهر على الأقل من الحمل 118.

وقد يخيل لبعضهم أن في هذا معرفةً للغيب الذي اختص الله تعالى به. وهنا ينبغي أن نلاحظ جملة أمور لا يجوز أن تغيب عن أذهاننا؛ إذ هي تلقي ضوءًا على ذلك، وتحرر محل الخلاف، وتحدد الإجابة، وتنفي الشبهة والظن إن شاء الله تعالى.

وفي خلال المدة التي تعقب الشهور الأربعة الأولى من بدء الحمل لا يكون الجنين في مرحلة الغيب المطلق الذي حجبه الله تعالى عن الخلق جميعًا، بل إن الملك الموكل يعرف ذلك بإخبار الله تعالى.

كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون في ذلك علقةً مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغةً مثل ذلك، ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلماتٍ: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيٌ أو سعيدٌ، فو الذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراعٌ، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) 120.

وفي بعض طرق الحديث: (ثم يبعث الله ملكًا بأربع كلماتٍ: فيكتب عمله، وأجله، ورزقه، وشقيٌ أو سعيدٌ، ثم ينفخ فيه الروح) الحديث 121.

وفي حديث حذيفة بن أسيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: يا رب أشقيٌ أو سعيدٌ؟ فيكتبان، فيقول: أي رب أذكرٌ أم أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله، وأثره، وأجله، ورزقه، ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص) 122.

ففي هذه المرحلة قد أعلم الله تعالى الملك الموكل بالنطفة بالكلمات السابقة، فأصبح الملك يعرفهم، فخرجت عندئذ عن كونها من الغيب المطلق الذي اختص الله به، ولا مانع بعد ذلك أن يهيئ الله تعالى للإنسان أداة أو وسيلة للتعرف على شيء من ذلك ظنًا أو يقينًا، وكأن عموم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى قد دخله التخصيص بحديث ابن مسعود وحديث حذيفة بن أسيد، فيقبل أيضًا تخصيصًا آخر بدليل ظنيٍ.

وأما المرحلة السابقة لإعلام الله تعالى الملك بذلك فإنها محجوبة قطعًا عن كل الخلق، ولا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8] .

قال ابن قيم الجوزية: «والتحقيق في معنى الآية: أنه يعلم مدة الحمل وما يحدث فيها من الزيادة والنقصان، فهو العالم بذلك دونكم، كما هو العالم بما تحمل كل أنثى هل هو ذكر أو أنثى؟ وهذا أحد أنواع الغيب التي لا يعلمها إلا الله، كما في (الصحيح) عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مفاتيح الغيب خمسٌ لا يعلمهن إلا الله: لا يعلم متى تجيء الساعة إلا الله، ولا يعلم ما في غدٍ إلا الله، ولا يعلم متى يجيء الغيث إلا الله، ولا يعلم ما في الأرحام إلا الله، ولا تدري نفسٌ بأي أرضٍ تموت إلا الله) 123.

فهو سبحانه المتفرد بعلم ما في الرحم، وعلم وقت إقامته فيه، وما يزيد من بدنه، وما ينقص. وما عدا هذا القول فهو من توابعه ولوازمه، كالسقط التام، ورؤية الدم، وانقطاعه» 124.

وقال أبو بكر الجصاص: «لا يعلم أحدٌ الفرق بين العلقة التي يكون منها الولد وبين ما لا يكون منها الولد إلا أن يكون قد شاهد علقًا كان منه الولد وعلقًا لم يكن منه الولد، فيعرف بالعادة الفرق بين ما كان منه ولد وبين ما لم يكن منه ولد بعلامة توجد في أحدهما دون الآخر في مجرى العادة وأكثر الظن، كما يعرف كثير من الأعراب السحابة التي يكون منها المطر والسحابة التي لا يكون منها المطر، وذلك بما قد عرفوه من العلامات التي لا تكاد تتخلف في الأعم الأكثر.

فأما العلقة التي كان منها الولد فمستحيل أن يشاهدها إنسان قبل كون الولد منها متميزة من العلقة التي لم يكن منها ولد، وذلك شيء قد استأثر الله بعلمه إلا من اطلع عليه من ملائكته حين يأمره بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.

قال الله تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8] .

وقال: {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ} . وهو عالم بكل شيء سبحانه وتعالى ولكنه خص نفسه بالعلم بالأرحام في هذا الموضع إعلامًا لنا أن أحدًا غيره لا يعلم ذلك، وأنه من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ومن ارتضى من رسول. قال الله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن: 26 - 27] . والله أعلم» 125.

وأيضًا: إن علم ما في الأرحام الذي لا يعلمه إلا الله هو علم ما تغيض الأرحام، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن عدد ومسمى مفاتح الغيب في صيغتين: الصيغة الأولى: تشير إلى القضايا التي وردت في آية سورة لقمان، ففي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مفاتح الغيب خمسٌ، ثم قرأ: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} ) 126.

وفي الصيغة الثانية: عن ابن عمر أيضًا، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مفاتيح الغيب خمسٌ لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما في غدٍ إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحدٌ إلا الله، ولا تدري نفسٌ بأي أرضٍ تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله) 127.

فنحن الآن أمام حديثين وردا بصيغتين مختلفتين، في موضوع واحد، هو تحديد عدد ومسمى مفاتح الغيب، وصيغة الحديث الأول تماثل صيغة الحديث الثاني، في ثلاث قضايا هي: علم الساعة، وعدم دراية الأنفس لكسبها، ومكان موتها.

وهذه الثلاثة غيب حقيقيٌ لا يعلمه إلا الله باتفاق العلماء، لكن الحديثين يختلفان في مسمى قضية إنزال المطر، وقضية ما في الأرحام.

فالحديث الأول: أشار إلى أن الصيغة العامة لهما هي مفتاح الغيب، في قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ} .

وأما الحديث الثاني: فقد عدل عن صيغة العموم إلى صيغة الخصوص، فقد سماهما النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظ مخصوصة محددة فقال: (ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحدٌ إلا الله) .

وبالجمع بين الروايتين يصير (غيض الأرحام) ، وزمن مجيء المطر، هما الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ومن ثم يصبح مراد النبي صلى الله عليه وسلم في اللفظ العام في آية سورة لقمان بناء على الحديث الأول، هو المعنى المحدد باللفظ الخاص في الحديث الثاني، وبهذا تتوافق النصوص وينتهي الإشكال، و يكون (غيض الأرحام) هو أحد مفاتح الغيب الخمس، لا الذكورة ولا الأنوثة ولا العلم بصفات الجنين، ويكون أيضًا العلم بوقت نزول المطر الوارد في الحديث هو أحد مفاتح الغيب الخمس، لا مطلق إنزال الغيث الوارد في الآية الكريمة 128.

وهنا يرد السؤال ما هو (غيض الأرحام) ؟

يطلق الغيض في اللغة على: النقص والغور، والذهاب، والنضوب. وقد جاء في المعاجم اللغوية: غاض الماء غيضًا ومغاضًا ومغيضًا: قل ونقص، أو غار فذهب، أو قل ونضب، أو نزل في الأرض وغاب فيها. وغاضت الدرة: احتبس لبنها ونقص 129.

وقد دار تفسير العلماء لـ (غيض الأرحام) حول معنيين:

الأول: الدم الذي ينزل على المرأة الحامل.

والثاني: هو السقط الناقص للأجنة قبل تمام خلقها.

إذن يمكننا القول بأن السقط المفسر للغيض والمراد في كلام علماء اللغة والتفسير هو: الجنين الذي سقط من بطن أمه قبل اكتمال خلقه، أو هو الجنين الذي يهلك في الرحم، ويتحلل ويغور وتختفي آثاره منها، ويصدق عليه أن الرحم تبتلعه كما تبتلع الأرض الماء 130.

وعلم الأجنة الحديث يجلي الحقيقة؛ حيث يقول علماء الأجنة: عندما تهلك الأجنة في الأسابيع الثمانية الأولى من عمرها، إما أن تسقط خارج الرحم، أو تتحلل وتختفي تماما من داخله، ويسمي علماء الأجنة هذا الهلاك بصورتيه: الإسقاط التلقائي المبكر. وهو متوافق تمامًا مع أقوال علماء اللغة والتفسير في تعريفهم للغيض.

وعليه يمكننا أن نقول: إن (غيض الأرحام) هو الإسقاط التلقائي المبكر. وهو الذي يحدث خلال الأسابيع الثمانية الأولى من الحمل، وهو ظاهرة شائعة، ونسبة حدوثه كبيرة، إذ تصل إلى حوالي 60?، في الأسابيع الثمانية الأولى من الحمل.

وفي عدة مشاهدات للسقط المبكر لم يكن الجنين موجودًا، أي: إن الجنين قد تحلل واختفى داخل الرحم. وعدم رؤية جنينٍ في حويصلة الحمل، يسمى: (كيس الحمل الفارغ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت