فهرس الكتاب

الصفحة 873 من 2431

والمعنى على هذا: أن لكل نبي من الأنبياء السابقين شرعة يسير نحوها، ويتجه إليها، ومنهاجًا واضحًا بينًا يسير في طريقه، ولا يخرج منه، والذين يعاصرونه -أي: النبي صلى الله عليه وسلم- هم الذين يخاطبون بشرعته، ويسيرون في منهاجه، فالذين نزل فيهم القرآن مخاطبون بما جاء في القرآن، وشرعته ومنهاجه لهم؛ لأن شرعة الأنبياء السابقين ومنهاجهم قد انتهيا بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم، وبقي من شرائعهم ما يقره القرآن، وما جاء النص بإقراره» 63.

والخلاصة في القول: إن لكل أهل ملة من الأمم السابقة جعل الله لها شريعة ومنهجًا واضحًا يبينه، وأن أصل الدين المتفق عليه بين الرسل هو التوحيد، وأن الشرائع السابقة قد انتهت بمبعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الشرعة: هي الشريعة التي أمر الله بها عباده، والمنهاج: هو الطريق الواضح المؤدي إلى تلك الشريعة. والله أعلم.

قال تعالى: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ} [الحج: 67] .

قال الطبري: «وقوله: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا} يقول: لكل جماعة قوم خلت من قبلك يا محمد، جعلنا مألفًا يألفونه، ومكانًا يعتادونه لعبادتي فيه، وقضاء فرائضي، وعملًا يلزمونه، وأصل المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر، يقال: إن لفلان منسكًا يعتاده: يراد مكانًا يغشاه ويألفه لخير أو شر، وإنما سميت مناسك الحج بذلك؛ لتردد الناس إلى الأماكن التي تعمل فيها أعمال الحج والعمرة» 64.

وقال السعدي في هذه الآية {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ} : «يخبر تعالى أنه جعل لكل أمة {مَنْسَكًا} أي: معبدًا وعبادة، قد تختلف في بعض الأمور، مع اتفاقها على العدل والحكمة، {هُمْ نَاسِكُوهُ} أي: عاملون عليه بحسب أحوالهم، فلا اعتراض على شريعة من الشرائع، خصوصًا من الأميين، أهل الشرك والجهل المبين» 65.

وفي قوله تعالى: {فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ} .

قال القاسمي: «أي: في ذلك الجعل والوضع والحوار في تنوعه في كل أمة، وعدم وحدته، أو في أمر ما جئتهم به؛ لأنهم جاهلون بحكمته سبحانه وتعالى في تكوين الأمم وتربيتها بالشرائع المناسبة لزمنها ومكانها، وحياتها ومنشئها» 66.

فلكل زمان ما يليق به من الشرائع التي تناسب من فيه في تلك الحقبة.

وقال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [الحج: 34] .

قال النيسابوري في قوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا} أي: «موضعًا أو وقتًا يذبح فيه النسائك أي: الذبائح لوجهه على جهة التقرب، وجعل الغاية في ذلك هي أن يذكر اسمه على نحرها، ثم بين العلة في تخصيص اسمه بذلك قائلًا: {فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} » 67، أي: فإن معبودكم واحد، وإن اختلفت العبادات بحسب الأزمنة والأمكنة، ونسخ بعضها بعضًا، فما المقصد منها جميعًا إلا عبادة الله وحده لا شريك له 68.

وإنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص؛ لاختلاف المصالح، لا لتعدد الإله 69.

والخلاصة في القول: أن النسك يختلف باختلاف الشرائع والأمم، فلكل أمة منسكًا هم ناسكوه.

من سنة الله في خلقه سنة التفاضل، فقد خلق سبع سماوات ثم اختار سابعها، وخلق الملائكة واصطفى منهم جبريل، وخلق الأرض وكرم منها مكة، وخلق البشر واصطفى منهم الرسل، وكذلك خلق الأمم واصطفى منهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وسيتم الحديث عن اصطفاء الله لهذه الأمة من خلال النقاط الآتية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت