فهرس الكتاب

الصفحة 1305 من 2431

الرحمة

أولًا: المعنى اللغوي:

تدور مادة (ر ح م) حول الرقّة، والعطف.

قال ابن فارس: «الرّاء والحاء والميم أصل واحد، يدل على: الرقة والعطف والرأفة. يقال من ذلك: رحمه يرحمه إذا رقّ له وتعطّف عليه، والرّحم والمرحمة والرّحمة بمعنًى» 1.

وقال ابن منظور رحمه الله: «الرحمة: الرقة والتعطف، والرحمة في بني آدم: رقة القلب وعطفه» 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

ذكر أهل العلم في تعريف الرحمة في الاصطلاح عدة تعريفات مأخوذة من دلالة المعنى اللغوي للكلمة، ومن هذه التعريفات:

قول الراغب الأصفهاني رحمه الله: «الرحمة رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وقد تستعمل تارةً في الرقة المجردة، وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة نحو رحم الله فلانًا» 3.

وقال الكفوي رحمه الله: «الرحمة حالة وجدانية تعرض غالبًا لمن به رقة القلب، وتكون مبدأً للانعطاف النفساني الذي هو مبدأ الإحسان» 4.

وعرفها بعض الباحثين بقوله: «رقة يجدها المخلوق في قلبه تحمله على العطف والإحسان إلى سواه ومواساته، وتخفيف آلامه» 5.

والرحمة هي السبب الذي بين الله وبين عباده؛ بها أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبها هداهم، وبها أسكنهم دار ثوابه، وبها رزقهم وعافاهم، وبها أنعم عليهم 6.

فالمعنى الاصطلاحي للرحمة لا يبعد عن معناه اللغوي، إلا أنه خص برحمة الله لعباده، ولا ينافي معنى الرحمة أن يكون في بعض التكاليف مشقة.

وردت مادة (رحم) في القرآن الكريم (339) مرة 7.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 8 ... {قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ} [هود: 43]

الفعل المضارع ... 15 ... {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) } [العنكبوت: 21]

المصدر ... 116 ... {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) } [آل عمران: 8]

اسم الفاعل ... 6 ... {وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) } [يوسف: 64]

صيغة المبالغة ... 172 ... {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) } [الفاتحة: 3]

اسم التفضيل ... 4 ... {وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) } [يوسف: 92]

الاسم ... 13 ... {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء: 1]

وأطلقت الرحمة في الاستعمال القرآني على عدة أمور 8:

الأول: الإسلام والإيمان: ومنه قوله تعالى: {يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ} [الإنسان: 31] ، أي: في دينه الإسلام. وقوله تعالى: {وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ} [هود: 28] ، أي: الإيمان.

الثاني: الجنة: ومنه قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ} [آل عمران: 107] ، أي: في جنته.

الثالث: المطر: ومنه قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الأعراف: 57] ، أي: المطر.

الرابع: النبوة: ومنه قوله تعالى: {أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ} [ص: 9] ، أي: مفاتيح النبوة.

الخامس: القرآن: ومنه قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} [يونس: 58] ، أي: القرآن.

السادس: الرزق: ومنه قوله تعالى: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ} [الإسراء: 100] ، أي: رزق ربي.

السابع: النصر والفتح: ومنه قوله تعالى: {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} [الأحزاب: 17] ، أي: النصر والفتح.

الثامن: العافية: ومنه قوله تعالى: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} [الزمر: 38] ، أي: عافية.

التاسع: المودة: ومنه قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} [الحديد: 27] ، أي: مودة.

العاشر: التوفيق: ومنه قوله تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} [النساء: 83] ، أي: توفيقه.

الحادي عشر: العصمة: ومنه قوله تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف: 53] .

الرأفة:

الرأفة لغة:

أصل مادة (ر أ ف) تدل على رقّة ورحمة، وهي الرّأفة 9.

الرأفة اصطلاحًا:

قال الكفويّ: «الرّأفة مبالغة في رحمة مخصوصة، هي رفع المكروه وإزالة الضرّ» 10.

الصلة بين الرأفة والرحمة:

الرّأفة أخص من الرحمة؛ فالرّأفة: أشد الرحمة 11، أو الرّأفة: أعلى معاني الرحمة 12، أو الرّأفة: ألطف الرحمة وأرقها 13.

قال الزجاج رحمه الله: «الرّأفة هي المنزلة الثانية، يقال: فلان رحيم، فإذا اشتدت رحمته فهو رءوف» 14.

القسوة:

القسوة لغةً:

القسوة: الصّلابة في كلّ شيءٍ، والقسوة في القلب تعني ذهاب اللّين والرّحمة والخشوع منه 15.

القسوة اصطلاحًا:

قال الراغب: «القسوة: غلظ القلب» 16.

الصلة بين القسوة والرحمة:

العلاقة بينهما التضاد، فالقسوة ضد الرحمة.

الرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان: رحمة ذاتية موصوف بها سبحانه على الوجه اللائق به، وإضافتها إليه من إضافة الصفة إلى الموصوف كقوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156] .

وقوله تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} [الكهف: 58] .

والرحمة الأخرى: رحمة مخلوقة، وهي من أثر صفة الرحمة الذاتية، وإضافتها إليه سبحانه من إضافة المخلوق إلى خالقه كقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الأعراف: 57] .

وكما جاء في الحديث: (فقال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي) 1718.

ورحمة الله وردت في القرآن الكريم صفة له سبحانه، واشتق منها اسمان عظيمان هما الرحمن والرحيم، وسأعرض لما تقدم من خلال النقاط الآتية:

أولًا: ورود الرحمة مفردة صفة لله تعالى:

جاءت رحمة الله في مواضع من القرآن الكريم موصوفة بصفة معينة، ككتابة الله لها على نفسه وكالسعة، والقرب من المحسنين، وسأعرض لهذه الأوصاف والدلالات من خلال الآتي:

1.الرحمة مما كتبه الله سبحانه على نفسه.

ليس لأحد أن يلزم الله شيئًا، ولكن الله يلزم نفسه ما شاء، ومعنى إلزامه أن يخبر به، ووعده جل وعلا صادق لا يتخلف، فما وعد الله به فهو واجب الوقوع لازمه محتوم؛ لأن الله لا يخلف الميعاد 19.

ومما أخبر الله به سبحانه عن نفسه أنه كتب على نفسه الرحمة، أي: أوجبها على نفسه الكريمة تفضلًا منه وإحسانًا؛ وهذه الكتابة كونية قدرية لم يوجبها عليه أحد 20.

قال ابن حجر رحمه الله: «قوله تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54] .

ليس معناه أن ذلك لازم له؛ لأنه لا آمر له، ولا ناهي يوجب عليه ما يلزمه المطالبة به، وإنما معناه إنجاز ما وعد به من الثواب، وهو لا يخلف الميعاد» 21.

وقد ورد إخبار الله سبحانه عن نفسه أنه كتب على نفسه الرحمة في موضعين من سورة الأنعام:

الأول: قوله تعالى: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) } [الأنعام: 12] .

بيّن تعالى كمال إلاهيته وقدرته ونفاذ تصرفه في عالم المخلوقات بالكلية، ثم أردفه بكمال رحمته وإحسانه إلى الخلق فقال: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} 22.

فقضى أنّه بعباده رحيم، لا يعجل عليهم بالعقوبة، ويقبل منهم الإنابة والتوبة، وهذا منه تعالى استعطاف للمعرضين عنه إلى الإقبال إليه بالتوبة 23.

و {الرَّحْمَةَ} هنا الظاهر أنها عامّة، فتعم المحسن والمسيء في الدنيا، وهي عبارة عن الاتصال بهم والإحسان إليهم، ولم يذكر متعلق الرحمة لمن هي فتعم 24.

قال ابن سعدي رحمه الله: «وقوله: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} ، أي: العالم العلوي والسفلي تحت ملكه وتدبيره، وهو تعالى قد بسط عليهم رحمته وإحسانه، وتغمدهم برحمته وامتنانه، وكتب على نفسه كتابًا أن رحمته تغلب غضبه، وأن العطاء أحب إليه من المنع، وأن الله قد فتح لجميع العباد أبواب الرحمة، إن لم يغلقوا عليهم أبوابها بذنوبهم، ودعاهم إليها، إن لم تمنعهم من طلبها معاصيهم وعيوبهم» 25.

وقد أورد العلاّمة ابن عاشور رحمه الله عدة معانٍ بديعة في وقوع جملة {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} معترضة، حيث قال: «وفي هذا الاعتراض معان: أحدها: أنّ ما بعده لمّا كان مشعرًا بإنذار بوعيد قدّم له التذكير بأنّه رحيم بعبيده، عساهم يتوبون ويقلعون عن عنادهم، على نحو قوله تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 54] .

والشرك بالله أعظم سوءٍ وأشدّ تلبّسًا بجهالة، والثاني: أنّ الإخبار بأنّ لله ما في السماوات وما في الأرض يثير سؤال سائل عن عدم تعجيل أخذهم على شركهم بمن هم ملكه. فالكافر يقول: لو كان ما تقولون صدقًا لعجّل لنا العذاب، والمؤمن يستبطئ تأخير عقابهم، فكان قوله: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} جوابًا لكلا الفريقين بأنّه تفضّل بالرحمة، فمنها رحمة كاملة: وهذه رحمته بعباده الصالحين، ومنها رحمة موقّتة وهي رحمة الإمهال والإملاء للعصاة والضّالّين، والثالث: أن ما في قوله: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ} من التمهيد لما في جملة {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ} من الوعيد والوعد. ذكرت رحمة الله تعريضًا ببشارة المؤمنين وبتهديد المشركين» 26.

والثاني: قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 54] .

جاءت هذه الآية إرشادًا من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في شأن فريق من الناس، وهم الذين يجيئون الرسول آنًا بعد آنٍ مؤمنين بآيات الله المثبتة للتوحيد والرسالة، فيدخلون في الإسلام مذعنين لأمر الله ورسوله 27.

ثم بين سبحانه أن المراد بالرحمة في قوله: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} غفرانه ما يعملون من سوء إذا تابوا وأصلحوا، فقال: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، فقوله: {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا} مفسر لتلك الرحمة مبين لها 28.

والتوبة لا بد فيها من ترك الذنوب، والندم عليها، وإصلاح العمل، وأداء ما أوجب الله، وإصلاح ما فسد من الأعمال الظاهرة والباطنة، فإذا وجد ذلك كله {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} يصب عليهم من مغفرته ورحمته، بحسب ما قاموا به، مما أمرهم به 29.

وقريب من هذه الآية 30 قوله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 17] .

فمدلول هذه الآية أن الله ليس عليه حق بقبول توبة أحد من المذنبين، وليس الله براجع لأحد منهم إلى ما يحبه من العفو عنه والصفح عن ذنوبه التي سلفت منه، إلا للذين يزاولون المعاصي عن جهل منهم، وهم من عذاب ربهم مشفقون، فيتوبون من ذنوبهم ويراجعون طاعة الله التي ترضيه، ويلازمون الاستغفار والندم على ما فات عازمين على ترك العودة إليه 31.

ومما يجدر الإشارة إليه في ختام الكلام على الآيتين الكريمتين أن ما أخبر الله من أنه سبحانه بأنه كتب على نفسه الرحمة هو الذي دلت عليه السنة، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن الله جل وعلا كتب في كتاب فهو عنده فوق عرشه: (إن رحمتي غلبت غضبي) 32.

وهذا المعنى هو الذي دلت عليه آيات أخرى من كتاب الله، وهو الذي سيكون عنه الحديث في الفقرة الآتية.

2.سبق رحمة الله غضبه.

بسط الله سبحانه على عباده رحمته وإحسانه، وتغمدهم برحمته وامتنانه، وكتب على نفسه كتابًا أن رحمته تغلب غضبه، وأن العطاء أحب إليه من المنع، وأن الله قد فتح لجميع العباد أبواب الرحمة 33.

وقد جاء هذا المعنى في عدة آيات من كتاب الله تعالى، ومنها:

قوله تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} [الأنعام: 133] .

الله سبحانه هو الغني: في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه، الغني عن عباده والكل مفتقر إليه؛ فلا ينفعه إيمان المؤمنين، ولا طاعة الطائعين، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15] .

كما لا يضره كفر الكافرين، أو معصية العاصين، كما قال تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم: 8] 34.

وفي الحديث القدسي، الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن ربه، أن الله جل وعلا يقول: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا) 35.

والنكتة في الآية: أن الله بما قدّم قبل هذه الآية من آيات أمر ونهي، وبين ما يدخل الجنة وما يدخل النار، ثم نبه خلقه، فكأنه يقول: يا عبادي: لا تظنوا أنني آمركم وأنهاكم لأجل أن أجر بذلك لنفسي نفعًا أو أصرف عنها ضرا ً، لا، أنا الغني بذاتي الغنى المطلق، وإنما النفع لكم لا لي 36.

ثم تليت هذه الصفة بقوله تعالى: {ذُو الرَّحْمَةِ} فأردف الاستغناء بالتفضل وهذا أجمل تناسق 37، والوصف بذي الرحمة يساوي وصف الرحيم؛ لأن ذو تقتضي رسوخ النسبة بين موصوفها وما تضاف إليه 38، وقوله: {ذُو الرَّحْمَةِ} ، أي: أنه صاحب الرحمة وحده، فهو الرحيم رحمة مطلقة بعباده، ورحمة غيره رحمة نسبية، تليق بالمخلوقات، أما الله تعالى فرحمته واسعة، وسعت كل شيء، خلق الكون والناس برحمته، وخلق العقلاء وكفلهم برحمته، وأنزل من السحاب ماءً مدرارًا برحمته، وخلق من الماء كل شيء حي برحمته، وجعل الأرض مهادًا والجبال أوتادًا برحمته، وخلق الموت والحياة برحمته، وخلق البعث والنشور برحمته، وأنشأ السمع والأبصار والأفئدة برحمته 39.

والمقصود من الوصف بذي الرحمة، تمهيد لمعنى الإمهال الذي في قوله: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أي: فلا يقولنّ أحد لماذا لم يذهب هؤلاء المكذبين، أي: أنه لرحمته أمهلهم إعذارًا لهم 40؛ فلو شاء لعجل لهم العقاب وسارع إلى إهلاكهم واستخلاف غيرهم، كما أهلك أسلافهم الذين خرجوا من أصلابهم، لكنه تعالى يمهلهم لعلهم يرجعون، ويؤخرهم فعساهم يتوبون 41.

ومن الآيات الدالة على سبق رحمة الله غضبه قوله تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا} [الكهف: 58] .

الله واسع المغفرة، يغفر الذنوب، ويتوب على من يتوب، فيتغمده برحمته، ويشمله بإحسانه، وأنه لو آخذ العباد على ما قدمت أيديهم من الذنوب، لعجل لهم العذاب، ولكنه تعالى حليم لا يعجل بالعقوبة، بل يمهل ولا يهمل، والذنوب لا بد من وقوع آثارها، وإن تأخرت عنها مدة طويلة 42.

وفي معنى هذه الآية وردت آيات كثيرة 43، كقوله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [النحل: 61] .

وقوله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [فاطر: 45] .

فإنه لو عاجل الخلق بالعقوبة لأهلك جميع من في الأرض، ولكنه حليم لا يعجل بالعقوبة؛ لأن العجلة من شأن من يخاف فوات الفرصة، ورب السماوات والأرض لا يفوته شيء أراده 44.

ذكر الله تعالى الكفار بالصفات الموجبة للخزي والخذلان 45 في قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} [الكهف: 57] .

ولما كان هذا مقتضيًا لأخذهم أتبعه بقوله 46: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} جريًا على عادة القرآن في تعقيب الترهيب بالترغيب والعكس؛ فلما رماهم بقوارع التهديد والوعيد عطف على ذلك التعريض بالتذكير بالمغفرة؛ لعلهم يتفكرون في مرضاته، ثم التذكير بأنه يشمل الخلق برحمته في حين الوعيد، فيؤخر ما توعدهم به إلى حد معلوم، إمهالًا للناس لعلهم يرجعون عن ضلالهم، ويتدبرون فيما هم فيه من نعم الله تعالى فلعلهم يشكرون 47.

ومن استمر منهم {لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا} وهو يحتمل أن يكون المراد ما سيكون عليهم من القتل بأيدي المؤمنين في الدنيا، أو ما سيكون عليهم يوم القيامة الذي لا مفر منه 48، ونظير هذا قوله تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ} [مريم: 75] .

أي: فليهمله الرحمن إمهالًا فيما هو فيه حتى يستدرجه بالإمهال ويموت على ذلك ولا يرجع عنه، بل يستمر على ذلك حتى يرى ما يوعده الله، وهو: إما عذاب في الدنيا بأيدي المسلمين، كقوله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} [التوبة: 14] ، أو بغير ذلك، وإما عذاب الآخرة إن ماتوا وهم على ذلك الكفر 49.

وهذه سنة الله في الأولين والآخرين، أن لا يعاجلهم بالعقاب، بل يستدعيهم إلى التوبة والإنابة، فإن تابوا وأنابوا، غفر لهم ورحمهم، وأزال عنهم العقاب، وإلا فإن استمروا على ظلمهم وعنادهم، وجاء الوقت الذي جعله موعدًا لهم، أنزل بهم بأسه 50؛ ولهذا قال: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف: 59] .

وهذا استشهاد على ما فعل بقريش من تعيين الموعد؛ ليتنبهوا لذلك، ولا يغتروا بتأخر العذاب 51.

3.سعة رحمة الله.

الله سبحانه واسع الرحمة، له كمال الرحمة، ورحمته قد ملأت العالم العلوي والسفلي وجميع المخلوقات، وشملت الدنيا والآخرة 52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت