فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 2431

وقول امرئ القيس في وصف فرسه 39:

مكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معًا

كجلمود صخرٍ حطّه السّيل من عل

وورد في الحديث عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من فرسٍ عربيٍّ إلاّ يؤذن له عند كلّ سحرٍ بدعوتين: اللّهمّ خوّلتني من خوّلتني من بني آدم وجعلتني له فاجعلني أحبّ أهله وماله إليه أو من أحبّ ماله وأهله إليه) 40.

وعن جرير بن عبدالله رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يلوي ناصية فرسٍ بإصبعه، وهو يقول: (الخيل معقودٌ بنواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنيمة) 41.

ومما يؤكد هذه المكانة العظيمة للخيل في نفوس مقتنيها، ما ذكره القرآن الكريم في قصة نبي الله سليمان عليه السلام، وكيف شغله حبه للخيل وإعجابه بها عن ذكر الله أو صلاة العصر.

قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33) } [ص:30 - 33] .

ومعنى قوله تعالى على لسان سليمان عليه السلام: {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ} أي: آثرت حب الخير وأراد بالخير الخيل، وسميت كذلك، لأنه معقود بنواصيها الخير، الأجر والمغنم، فهل حقًّا السعادة في اقتناء الخيول وامتطاء صهواتها مطلقًا؟! لو كان الأمر كذلك لما وجدنا سليمان عليه السلام يذبحها لأنها شغلته عن صلاة ما، ولما وجدنا حاتم الطائي يذبح فرسه لإطعام ضيفه وإكرامه، إذن هناك سعادة أعظم وأمورًا أكثر إسعادًا من الخيل!

تختلف أذواق الناس فيما يسعدهم ويدخل السرور إلى قلوبهم، فهناك من رأى سعادته في كنز الذهب والفضة والأوراق النقدية مثل الرأسماليين الكبار، وأهل الفروسية يرون سعادتهم فيما يقتنونه من خيل وركاب، والفلاحون وأهل الزراعة يرون سعادتهم فيما يمتلكونه من أنعام وحرث.

وقد امتن سبحانه وتعالى على عباده بهذه النعمة العظيمة، بل أنزل سورة كاملة تتحدث عن هذا الفضل الكبير، شيعها سبعون ألفًا من الملائكة هي سورة الأنعام.

قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) } [الأنعام:141 - 142] .

وفصلت الآيات في أنواع هذه الأنعام، قال تعالى: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ} [الأنعام:143 - 144] .

وقال تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) } [النحل:66 - 67] .

وتبرز سورة الكهف موقفًا لبعض أولئك الذين وجدوا سعادتهم في الزروع والجنات مما دفعه إلى التفاخر والتباهي والتعالي على صاحبه.

قال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) } [الكهف:32 - 36] .

جاءت هذه الآيات الكريمة بعد ذكر المشركين المستكبرين عن مجالسة الضعفاء والمساكين من المسلمين، وافتخروا عليهم بأموالهم وأحسابهم، فضرب لهم القرآن مثلًا برجلين، جعل لأحدهما جنتين، أي: بستانين من أعناب محفوفتين بالنخيل المحدقة، في جنباتهما، وفي خلالهما الزروع، وكل من الأشجار والزروع مثمر في غاية الجودة، حيث قال تعالى: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا} ، أي: أخرجت ثمارها ولم تنقص منه شيئًا والأنهار متفرقة بين الأشجار 42.

{وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} قيل له مال من الذهب والفضة، وقيل: ثمار وهو هنا أظهر، قال صاحب هاتين الجنتين لصاحبه وهو يجادله ويخاصمه ويفتخر عليه أنه أكثر خدمًا وحشمًا وولدًا، ودخل حديقته متمردًا متكبرًا كافرًا بأنعم الله، ومتجبرًا منكرًا المعاد، اغترارًا منه لما رأى فيها من الزروع والثمار ظانًا أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك، بل ويصر على أنه لو كان هناك معاد ورجعة إلى الله سيكون حظه أحسن من الدنيا لأن له عند الله كرامة؛ كما يزعم 43.

فهل حقًا تكمن السعادة في اقتناء الأنعام وامتلاك الحدائق والبساتين، والجواب في قصة أصحاب الجنة الواردة في سورة القلم، قال تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) } [القلم:17] .

في هذه القصة مثل يضربه الله تعالى لكفار قريش ولكل من أنعم الله عليهم بنعمة كبيرة أو رحمة عظيمة فقابلوها بالجحود والنكران. وأصحاب الجنة هؤلاء إخوة من اليمن ورثوا حديقةً عن أب تقي كان يؤدي حق الله في جنته، ولما أرادوا أن يجنوا ثمارها بعد أن نضجت وصلحت، قرّروا أن يمنعوا حق الفقراء فيها، ويقطفوها ليلًا دون أن يشعر بهم أحد، ظانين أن السعادة والفرح في استئثارهم بثمر تلك الجنة، فلما وصلوها أنكروها بعد أن رأوها قد تحولت عن تلك النضارة والزهوة إلى سوداء مدلهمة، لا ينتفع بشيء منها فقالوا: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) } [القلم:27] .

أي: نحن لا حظ لنا ولا نصيب.

ثم أقروا جميعًا بسوء صنيعهم وأدركوا أن الخير كل الخير في الرجوع إلى الله تعالى، وشكره على ما أعطاهم وأنعم عليهم، واعترفوا بظلمهم لأنفسهم وطغيانهم، ورجوا الله أن يبدلهم خيرًا منها في الدنيا ليحسنوا من جديد، أو احتسبوا ثوابها في الدار الآخرة. بعد أن عاشوا أيام تعاسة وشقاء على فقدان تلك الجنة التي كانوا يرون فيها مصدر سعادة وهناء 44.

فلا سعادة إذن في حرث وزرع قد يثمر وقد لا يثمر وفي حدائق قد تزهر وقد تصبح حطامًا، تنشغل بها النفوس وتتعلق بها القلوب وهي ترتقب وتنتظر.

ها قد أوردنا كل ما يعتقده المعتقدون ويلهث وراءه اللاهثون ويتلذذ به المتلذذون بأنواع الشهوات المختلفة من نساء وبنين وأموال وخيل وأنعام وحرث وشهرة.

هؤلاء التائهون اللاهثون وراء أوهام السعادة المزيفة من كفروا بالله، وأعرضوا عن طريق الإيمان لن يصلوا إلا للهلاك.

قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه:124] .

كل ما سبق هي سعادات موهومة لا حقيقة لها، يغلفها الهم والغم والشقاء! أين السعادة إذن؟ وكيف نحصل عليها؟

ثانيًا: السعادة الأبدية الخالدة:

وهي بيت القصيد في هذا البحث المتواضع والتي لأجلها رخص الشهداء أرواحهم وأموالهم، وجاهد المؤمنون شهواتهم وأهوائهم، وأفنى العلماء والعباد أعمارهم، إنها الجنة دار السعادة التي لا تنقطع، والسرور الذي لا يزول، فنعيم الجنة يفوق الوصف، ويقصر دونه الخيال، ليس لنعيمها نظير فيما يعلمه أهل الدنيا، ومهما تقدموا وتطوروا وترقوا في دنياهم فسيبقى ما يبلغونه أمرًا هينًا ولا يذكر بالنسبة لنعيم الآخرة، ولقد حاز ذكر الجنة ووصفها في القرآن الكريم على الكثير من الآيات والسور، وكذلك أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وذاك حتى تتعلق بها القلوب، وتسعى إلى سكناها النفوس، متسليةً بها عن كل ملمات الحياة ومشاقها.

قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) } [الإنسان:20] .

وما أخفاه الله عنا من نعيم الجنة شيء عظيم لا تدركه العقول، ولا تصل إلى كنهه الأفكار، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: شهدت من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مجلسًا وصف فيه الجنّة حتّى انتهى ثمّ قال صلى الله عليه وسلم في آخر حديثه: (فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشرٍ ثمّ قرأ هذه الآية: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) } [السجدة:16 - 17] 45.

وفي وصف طعام أهل الجنة قال تعالى: {وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) } [الواقعة:20 - 21] .

وقال تعالى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} [الزخرف:71] .

قال المفسرون في شرح الآيات: أي: يطوف عليهم الغلمان بما يتخيرون من الثمار، وفي الآية دليل على جواز أكل الفاكهة على صفة التخير لها 46.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) } [الكهف:107] .

وقال تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) } [الدخان:56] .

وقال تعالى: {بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [الحديد:12] .

الجنة خالدة لا تفنى ولا تبيد، وأهلها فيها خالدون، لا يرحلون عنها ولا يظعنون ولا يبيدون، ولا يموتون والآية الكريمة في سورة الدخان تؤكد على أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدًا 47.

كما ثبت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يؤتى بالموت كهيئة كبشٍ أملح فينادي منادٍ يا: أهل الجنّة فيشرئبّون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت وكلّهم قد رآه، ثمّ ينادي: يا أهل النّار فيشرئبّون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا فيقولون: نعم هذا الموت وكلّهم قد رآه فيذبح، ثمّ يقول: يا أهل الجنّة خلودٌ فلا موت ويا أهل النّار خلودٌ فلا موت) 48.

وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ينادي منادٍ إنّ لكم أن تصحّوا فلا تسقموا أبدًا، وإنّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإنّ لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبدًا، وإنّ لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا) 49.

إن مقتضى النصوص أن الجنة تخلق خلقًا غير قابل للفناء، وكذلك أهلها، ففي الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من يدخل الجنّة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه) 50.

وقد أنكر أهل السنة والجماعة قول الجهم بن صفوان -إمام المعطلة -بفناء الجنة والنار، قال شارح الطحاوية: «فأما أبدية الجنة، وأنها لا تفنى ولا تبيد، فهذا مما يعلم بالضرورة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر به.

قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) } [هود:108] » 51.

غفل كثير من الناس عن الأسباب الحقيقية التي تبعث السعادة في النفوس، والتي يمكن إجمالها في الالتزام بكتاب الله عز وجل وهدي نبيه صلى الله عليه وسلم الذي بين لنا أن التمسك بهما طريق السعادة الحقيقية.

وقبل الحديث عن الأسباب التي تحقق السعادة في الدنيا والآخرة لابد من الإشارة إلى أنه لا توجد سعادة مطلقة في هذه الدنيا وإنما هي نسبية، وهي ومضات خاطفة في حياة الناس؛ في مواقف وأوضاع خاصة، وتبعًا لأسباب وأخلاق وقيم إنسانية يمكن الوقوف عليها من خلال المطالب الستة التالية.

أولًا: الإيمان:

الإيمان معناه: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) 52.

هذا ما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام حين سأله عن الإيمان في حديث عمر رضي الله عنه.

وهو أعظم نعم الله سبحانه على عباده، والتي تستحق من صاحبها أن يواظب على شكرها ليلًا ونهارًا قائلًا {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف:43] .

قال تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) } [الحجرات:17] .

إن الإنسان الذي يؤمن بالله تعالى إيمانًا صافيًا من الشوائب يكون مطمئن القلب، هادئ النفس. فخضوع المؤمن لله تعالى يقوده إلى الراحة النفسية.

والإيمان ليس فقط سببًا لجلب السعادة بل هو أيضًا سبب لدفع موانعها، «وإذا كانت السعادة شجرة منبتها النفس البشرية، فإن الإيمان بالله وبالدار الآخرة هو ماؤها وغذاؤها، وهواؤها وضياؤها، إن الإيمان يفجر ينابيع السعادة التي لا يمكن أن تغيض، والتي تتمثل في السكينة والأمن والأمل والرضا والحب» 53

ويظهر من خلال السياق القرآني ما ينعم به المؤمنون من خير عميم يمكن أن يلخص بما يلي:

قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة:257] .

يخبر سبحانه وتعالى: أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام، فيخرج المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير، فما أعظمها سعادةً أن ينقذ الله من آمن من التخبط والحيرة ويلهمهم الصراط المستنير، وقد أفرد سبحانه وتعالى لفظ {النُّورِ} لوحدة الحق، وجمع {الظُّلُمَاتِ} لتعدد فنون الضلال، فالحق واحد والكفر أجناس 54.

وهذا النور ليس قاصرًا على الدنيا بل يراه المؤمن نورًا حقيقيًا يوم القيامة قال تعالى: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) } [الحديد:12] .

يقول سيد قطب: «هؤلاء هم المؤمنون والمؤمنات نراهم، ولكننا نرى بين أيديهم وبأيمانهم إشعاعًا لطيفًا هادئًا، ذلك نورهم يشع منهم ويفيض بين أيديهم، فهذه الشخوص الإنسانية قد أشرقت وأضاءت وأشعت .... إنه النور الذي أخرجها الله إليه وبه من الظلمات، والذي أشرق في أرواحها فغلبت على طينتها، أم لعله النور الذي خلق الله منه هذا الكون وما فيه ومن فيه ظهر بحقيقته في هذه المجموعة التي حققت في ذواتها حقيقتها» 55.

وأما قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29) } [الرعد:28 - 29] .

أي: تطيب وتركن وتسكن وترضى به مولىً ونصيرًا.

قال ابن عباس: {طُوبَى} فرج وقرة عين، وقال الضحاك غبطة لهم وقيل: خير لهم وقيل أصابوا خيرًا، وحسنى لهم 56.

ثانيًا: العمل الصالح:

العمل الصالح وعلى رأسه أداء العبادات هو ثمرة من ثمرات الإيمان، لذا لا نكاد نرى آيةً تتحدث عن الإيمان إلا وقرنت ذلك بالعمل الصالح.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) } [مريم:96] .

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) } [محمد:2] .

الصالحات في اللغة: جمع مؤنث سالم من اسم الفاعل صالح، والصلاح ضد الفساد 57.

وفي الاصطلاح: كل ما أمر الله بفعله من عبادة وخلق وعمل وتعامل، وفي أولها إقامة شريعة الله في الأرض، والحكم بين الناس بما شرع الله 58.

وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} أي: صدّقوا {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} أي: محبة في الناس في الدنيا، يحبهم الله ويحببهم إلى خلقه المؤمنين، قال ابن عباس: الود من المسلمين في الدنيا والرزق الحسن واللسان الصادق 59.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ الله إذا أحبّ عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحبّ فلانًا فأحبّه، قال: فيحبّه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إنّ الله يحبّ فلانًا فأحبّوه، فيحبّه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل عليه السلام، فيقول: إني أبغض فلانًا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إنّ الله يبغض فلانًا فأبغضوه، ثم توضع له البغضاء في الأرض) 60.

وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل عبد إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم. وكان عثمان ابن عفان رضي الله عنه يقول: (ما من عبد يعمل خيرًا أو شرًا إلا كساه الله عز وجل رداء عمله) 61.

قال القرطبي: «إذا كان محبوبًا في الدنيا فهو كذلك في الآخرة، فإن الله تعالى لا يحب إلا مؤمنًا تقيًا، ولا يرضى إلا خالصًا نقيًا، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه» 62.

وأما سيد قطب فيقول: «وللتعبير بالود في هذا الجو نداوة رخية تمس القلوب، وروح رضي يلمس النفوس، وهو ود يشيع في الملأ الأعلى، ثم يفيض على الأرض والناس فيمتلئ به الكون كله ويفيض» 63.

وأفضل الأعمال على الإطلاق هي العبادات التي شرعها الله وجعل فيها الخير كل الخير، والسعادة كل السعادة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي فيما يروى عن رب العزة عز وجل: (من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيءٍ أحبّ إليّ ممّا افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به، وبصره الّذي يبصر به، ويده الّتي يبطش بها، ورجله الّتي يمشي بها، وإن سألني عبدي لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه، وما تردّدت عن شيءٍ أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته) 64.

التزام المؤمن بما فرض الله عليه من صلاة وصيام وزكاة وحج، ثم الزيادة عليها بالنوافل من قيام وصيام وصدقة يرفعه ويعلي شأنه ليصبح من أولياء الله، فتصاحبه معية الله وتلازمه في حله وترحاله، ويقظته ومنامه، فإذا هو يرى بنور الله ويسمع، ويستعمل يده بتوفيق الله، بل ويسدد له خطاه، ثم هو مستجاب الدعوة عند ربه ومستجار.

وللعبادات دور مهم في إسعاد المسلم، يمكن توضيحه في النقاط الآتية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت