فهرس الكتاب

الصفحة 782 من 2431

المعنى: أخبر سبحانه وتعالى عن شأن عباده المؤمنين إذا صدرت منهم أعمالٌ سيئة من ظلم النفس، فذكروا حق الله سبحانه وتعالى وعظمته الموجبة لخشيته وخوفه، والحياء منه، وتذكروا كذلك وعده ووعيده، بادروا بطلب المغفرة منه عز وجل فإنه لا يغفر الذنوب أحدٌ سواه، ولم يصروا على قبيح فعلهم، وهم عالمون بقبحه، والنهي عنه، والوعيد عليه.

ويأتي الاستغفار في القرآن بمعنى التوبة {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110] .

وهنا قد يلتبس الأمر على كثيرٍ من الناس، فيظنون أن الاستغفار هو التوبة، والتوبة هي الاستغفار، وبتتبع النصوص يظهر أن بين التوبة والاستغفار عمومًا وخصوصًا من وجه، فإذا تفرقا اجتمعا، وإذا اجتمعا تفرقا، فعند الإطلاق يدخل كلٌ منهما في مسمى الآخر، وعند اقترانهما يكون الاستغفار طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة: الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله.

فهما مختلفان عند الرازي، فالتوبة عنده غير الاستغفار؛ إذ يقول: والاستغفار طلب المغفرة، وهو غير التوبة 76. وقال العسكري: «والفرق بين الاستغفار والتوبة: أن الاستغفار طلب المغفرة بالدعاء، والتوبة الندم على الخطيئة مع العزم على ترك المعاودة» 77.

واختار ابن عاشور وابن القيم وغيرهما أن الاستغفار في لسان الشارع بمعنى التوبة، حيث يقول ابن عاشور: «ولما كان طلب الصفح عن المؤاخذة بالذنب لا يصدر إلا عن ندامة ونية إقلاع عن الذنب، وعدم العودة إليه كان الاستغفار في لسان الشارع بمعنى التوبة؛ إذ كيف يطلب العفو عن الذنب من هو مستمر عليه، أو عازم على معاودته، ولو طلب ذلك في تلك الحالة لكان أكثر إساءة من الذنب؛ فلذلك عد الاستغفار هنا رتبة من مراتب التقوى، وليس الاستغفار مجرد قول (أستغفر الله) باللسان والقائل ملتبس بالذنوب، وعن رابعة العدوية أنها قالت: (استغفارنا يحتاج إلى الاستغفار) وفي كلامها مبالغة، فإن الاستغفار بالقول مأمور به في الدين؛ لأنه وسيلة لتذكر الذنب، والحيلة للإقلاع عنه» 78.

ويأتي الاستغفار في القرآن مفردًا، كما في قوله: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 199] .

وغيرها من المواضع، ومقرونًا بالتوبة كما في قوله: {وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود: 52] .

وغيره، قال ابن القيم: «وأما الاستغفار فهو نوعان: مفرد، ومقرون بالتوبة.

فالمفرد كقول نوح عليه السلام لقومه: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10] .

وكقول صالح لقومه: {لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النمل: 46] .

والمقرون كقوله تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هود: 3] .

وقول هود لقومه: {وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [هود: 52] .

فالاستغفار المفرد كالتوبة، بل هو التوبة بعينها، مع تضمنه طلب المغفرة من الله، وهو محو الذنب، وإزالة أثره، ووقاية شره، لا كما ظنه بعض الناس أنها الستر، فإن الله يستر على من يغفر له ومن لا يغفر له، ولكن الستر لازم مسماها أو جزؤه، فدلالتها عليه إما بالتضمن وإما باللزوم، وحقيقتها: وقاية شر الذنب، ومنه المغفر لما يقي الرأس من الأذى، والستر لازم لهذا المعنى وإلا فالعمامة لا تسمى مغفرًا ولا القبع ونحوه مع ستره، فلا بد في لفظ المغفر من الوقاية، وهذا الاستغفار هو الذي يمنع العذاب في قوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33] .

فإن الله لا يعذب مستغفرًا، وأما من أصر على الذنب، وطلب من الله مغفرته، فهذا ليس باستغفار مطلق؛ ولهذا لا يمنع العذاب، فالاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمن الاستغفار، وكل منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق، وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى فالاستغفار طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله، فها هنا ذنبان ذنب قد مضى، فالاستغفار منه طلب وقاية شره، وذنب يخاف وقوعه، فالتوبة العزم على أن لا يفعله، والرجوع إلى الله يتناول النوعين، رجوع إليه ليقيه شر ما مضى، ورجوع إليه ليقيه شر ما يستقبل من شر نفسه، وسيئات أعماله، وأيضًا فإن المذنب بمنزلة من ركب طريقًا تؤديه إلى هلاكه، ولا توصله إلى المقصود، فهو مأمور أن يوليها ظهره، ويرجع إلى الطريق التي فيها نجاته، والتي توصله إلى مقصوده، وفيها فلاحه، فها هنا أمران، لا بد منهما، مفارقة شيء، والرجوع إلى غيره، فخصت التوبة بالرجوع، والاستغفار بالمفارقة، وعند إفراد أحدهما يتناول الأمرين؛ ولهذا جاء -والله أعلم- الأمر بهما مرتبًا بقوله: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود: 52] .

فإنه الرجوع إلى طريق الحق بعد مفارقة الباطل، وأيضًا فالاستغفار من باب إزالة الضرر، والتوبة طلب جلب المنفعة، فالمغفرة أن يقيه شر الذنب، والتوبة أن يحصل له بعد هذه الوقاية ما يحبه، وكل منهما يستلزم الآخر عند إفراده» 79.

والعبد دائمًا دائرٌ بين نعمة من الله سبحانه وتعالى يحتاج معها إلى شكر، وبين ذنبٍ منه يحتاج فيه إلى الاستغفار، وكل من هذين الأمرين من الأمور اللازمة للعبد؛ ولهذا فهو محتاج إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار؛ بل هو مضطر إليه دائمًا في الأقوال والأفعال، وسائر الأحوال؛ لما فيه من المصالح، وجلب الخيرات، ودفع المضرات.

ولما كان الاستغفار بهذه الأهمية قرنه الله عز وجل في كتابه الكريم بتوحيده، قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19] .

قال ابن تيمية رحمه الله: «وقد ثبتت دائرة الاستغفار بين أهل التوحيد، واقترانها بشهادة أن لا إله إلا الله، من أولهم إلى آخرهم، ومن آخرهم إلى أولهم، ومن الأعلى إلى الأدنى، وشمول دائرة التوحيد الاستغفار للخلق كلهم، وهم فيها درجات عند الله، ولكل عامل مقام معلوم» 80.

ثمرات الاستغفار:

ذكر الله في القرآن للاستغفار مننًا كبرى، وفضائل عظمى، من عظيم الجزاء، وواسع العطاء، ومن ذلك:

1.أن الاستغفار سبب المغفرة، ولو عظمت الذنوب، وبلغت من الكثرة عنان السماء.

قال تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110] .

قال السعدي رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: «أي: من تجرأ على المعاصي، واقتحم على الإثم، ثم استغفر الله استغفارًا تامًا يستلزم الإقرار بالذنب، والندم عليه، والإقلاع، والعزم على ألا يعود، فهذا قد وعده من لا يخلف الميعاد بالمغفرة والرحمة، فيغفر له ما صدر منه من الذنب، ويزيل عنه ما ترتب عليه من النقص والعيب، ويعيد إليه ما تقدم من الأعمال الصالحة، ويوفقه فيما يستقبله من عمره، ولا يجعل ذنبه حائلًا عن توفيقه؛ لأنه قد غفره، وكذا سائر المعاصي الصغيرة والكبيرة» 81.

2.الاستغفار أمان من العذاب.

قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33] .

فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: «إنه كان قبل أمانان، قوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} قال: أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد مضى، وأما الاستغفار فهو دائر فيكم إلى يوم القيامة» 82.

فكان المطلوب من ذكر هذا الكلام استدعاء الاستغفار منهم، أي: لو اشتغلوا بالاستغفار لما عذبهم الله 83.

3.الاستغفار سبب للخيرات والبركات.

قال تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10 - 12] .

ففي الآية دليل على أن الاستغفار والتوبة سبب لنزول الأمطار والحصول على الأموال والبنين والجنات والأنهار وسائر الخيرات.

4.الاستغفار سبب الحصول على القوة بمعناها الشامل.

قال تعالى: {وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود: 52] .

ففسروا هذه القوة بالمال والولد، والشدة في الأعضاء؛ لأن كل ذلكم ما يتقوى به الإنسان 84.

قال النسفي: «وقيل: أراد القوة بالمال أو على النكاح» 85.

وفي قوله: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} ظاهره العموم في جميع ما يحسن الله تعالى فيه إلى العباد 86.

5.الاستغفار سبب في الحصول على المتاع الحسن والسعادة.

قال تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هود: 3] .

وهذا يدل على أن المقبل على عبادة الله، والمشتغل بها يبقى في الدنيا منتظم الحال، مرفه البال.

والمتاع الحسن في الدنيا بطيب النفس، وسعة الرزق، أو بالرضا بالميسور، والصبر على المقدور، أو بترك الخلق والإقبال على الحق، قاله سهل رضي الله عنه: « {أَجَلٍ مُسَمًّى} الموت، أو القيامة، أو وقت لا يعلمه إلا الله تعالى، {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} يهديه إلى العمل الصالح، أو يجزيه به في الآخرة» 87.

قال شيخ الإسلام مبينًا حاجة العبد إلى الاستغفار: «الاستغفار يخرج العبد من الفعل المكروه إلى الفعل المحبوب، ومن العمل الناقص إلى العمل التام، ويرفع العبد من المقام الأدنى إلى الأعلى منه والأكمل، فهو يحتاج إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار، بل هو مضطرٌ إليه دائمًا في الأقوال والأحوال، في الغوائب والمشاهد؛ لما فيه من المصالح، وجلب الخيرات، ودفع المضرات، وطلب الزيادة في القوة في الأعمال القلبية والبدنية اليقينية الإيمانية» 88.

وقال: «التوبة من أعظم الحسنات، والحسنات كلها مشروط فيها الإخلاص لله، وموافقة أمره باتباع رسوله، والاستغفار من أكبر الحسنات، وبابه واسع، فمن أحس بتقصير في قوله أو عمله أو حاله أو رزقه، أو تقلب قلب؛ فعليه بالتوحيد والاستغفار؛ ففيهما الشفاء إذا كانا بصدقٍ وإخلاص، وكذلك إذا وجد العبد تقصيرًا في حقوق القرابة والأهل والأولاد والجيران والإخوان؛ فعليه بالدعاء لهم والاستغفار» 89.

أوقات الاستغفار:

الاستغفار مشروع ومستحب في كل وقت، إلا أن القرآن قد ذكر بعض الأوقات يتأكد فيها، ويكون له فيها مزية عن غيرها، ومن هذه الأوقات:

1.عند الوقوع في الذنب.

قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64] .

فأخبر الله تعالى عن كرمه العظيم وجوده، ودعوته لمن اقترفوا السيئات أن يعترفوا ويتوبوا ويستغفروا الله، فقال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ} أي: معترفين بذنوبهم، باخعين بها {فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} أي: لتاب عليهم بمغفرته ظلمهم، ورحمهم بقبول التوبة، والتوفيق لها، والثواب عليها، وهذا المجيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مختص بحياته؛ لأن السياق يدل على ذلك؛ لكون الاستغفار من الرسول لا يكون إلا في حياته، وأما بعد موته فإنه لا يطلب منه شيء بل ذلك شرك 90.

2.بعد الأعمال الصالحة.

قال تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 199] .

قال ابن رجب في تفسيره: «والاستغفار: هو خاتمة الأعمال الصالحة، فلهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعله خاتمة عمره، كما يشرع لمصلي المكتوبة أن يستغفر عقبها ثلاثًا، وكما يشرع للمتهجد من الليل أن يستغفر بالأسحار، قال تعالى: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 18] .

وقال: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17] .

وكما يشرع الاستغفار عقيب الحج، قال تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 199] .

وسبب هذا أن العباد مقصرون عن القيام بحقوق الله كما ينبغي، وأدائها على الوجه اللائق بجلاله وعظمته، وإنما يؤدونها على قدر ما يطيقونه، فالعارف يعرف أن قدر الحق أعلى وأجل من ذلك، فهو يستحي من عمله، ويستغفر من تقصير فيه، كما يستغفر غيره من ذنوبه وغفلاته، وكلما كان الشخص بالله أعرف، كان له أخوف، وبرؤية تقصيره أبصر» 91.

3.وقت السحر.

قال تعالى: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17] .

وقال: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 18] .

والمستغفرون هنا هم المصلون، وقيل: هم المستغفرون 92. فوقت السحر له فضيلة، وهو الوقت الذي أخر يعقوب إليه الاستغفار، قال: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يوسف: 98] .

قال أكثر المفسرين: أخره من الليل إلى السحر؛ وذلك أن الدعاء بالأسحار لا يحجب عن الله 93.

وخص تعالى السحر لما فسر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) 94.

قال الرازي: «واعلم أن الاستغفار بالسحر له مزيد أثر في قوة الإيمان، وفي كمال العبودية، من وجوه، الأول: أن وقت السحر يطلع فيه نور الصبح بعد أن كانت الظلمة شاملة للكل، وبسبب طلوع نور الصبح كأن الأموات يصيرون أحياء، فهناك وقت الجود العام، والفيض التام، فلا يبعد أن يكون عند طلوع صبح العالم الكبير يطلع صبح العالم الصغير، وهو ظهور نور جلال الصغير، وهو ظهور نور جلال الله تعالى في القلب، والثاني: أن وقت السحر أطيب أوقات النوم، فإذا أعرض العبد عن تلك اللذة، وأقبل على العبودية، كانت الطاعة أكمل» 95.

والحاصل: أن الله يسر أمر الاستغفار للعباد، فبمقدور كل عبدٍ الإتيان به في جميع أحواله وأوقاته: في ليله ونهاره، وفي خلوته وجلوته، وفي صحته ومرضه، وفي ظعنه وإقامته، وفي قيامه وقعوده، وهو طاهر ومحدث، لا عذر للمرء في التكاسل عنه بوجهٍ من الوجوه.

ثانيًا: التسبيح:

ومن صور الذكر العظيمة الواردة في القرآن: (التسبيح) ، وهو قول: سبحان الله، ومعناه: تنزيه الله تعالى عن كل نقص أو عيب، وتعظيمه وتمجيده، وإكبار قدرته المطلقة التي لا يحدها حد، ولا يحصيها عد، قال السمعاني: «سبحان: تنزيه الله من كل سوء، وحقيقته تعظيم الله بوصف المبالغة، ووصفه بالبراءة من كل نقص» 96. ومنه قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [الإسراء: 1] .

فسبحان: اسم مصدر، ولم يذكر هنا فاعل التسبيح من هو؟ ولا المكان الذي يسبح فيه؛ لأن من طبيعة المصدر في اللغة أنه حدث قائم بذاته مجرد من مسبباته، فلم يقدر هذا المصدر بفاعل ولا بزمن؛ وذلك بغرض الإطلاق والاستغراق في التنزه دون انقطاع، فهو تعالى وحده أهل التسبيح ومستحقه، سواء كان هنالك من يسبحه أو لم يكن، غير مقيد بفعل ولا فاعل ولا زمن.

وسبوحٌ: من صفات الله، قال ثعلب: «كل اسم على (فعول) فهو مفتوح الأول، إلا السبوح والقدوس فإن الضم فيهما أكثر، وكذلك الذروح» 97.

والمفسرون كذلك ذكروا أن التسبيح هو التنزيه 98، ولكنه ليس مجرد تنزيه أو نفي محض، بل فيه إثبات الكمال، فهو تنزيه يتضمن التعظيم، ودليل تضمنه التعظيم قول النبي عليه الصلاة والسلام: (فأما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل) 99. والوارد في الركوع تسبيح. قال شيخ الإسلام: «والأمر بتسبيحه يقتضي أيضًا تنزيهه عن كل عيب وسوء، وإثبات صفات الكمال له؛ فإن التسبيح يقتضي التنزيه والتعظيم، والتعظيم يستلزم إثبات المحامد التي يحمد عليها، فيقتضي ذلك تنزيهه وتحميده وتكبيره وتوحيده» 100.

وقال ابن القيم: «والتسبيح ثناء عليه سبحانه يتضمن التعظيم والتنزيه» 101.

وكلمة (سبحان) خاصة بالله، قال السمعاني: «وكلمة سبحان كلمة ممتنعة، لا يحوز أن يوصف بها غير الله؛ لأن المبالغة في التعظيم لا تليق لغير الله» 102.

وقال ابن عاشور: «وهو من الأسماء التي لا تضاف لغير اسم الله تعالى» 103.

وقد جاء عن علي وابن عباس رضي الله عنهم أن (سبحان الله) كلمة رضيها الله تعالى لنفسه 104.

وقال الحسن البصري رحمه الله: «سبحان الله: اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه» 105.

فلا يسبح غير الله تعالى؛ لأنه قد صار مستعملًا في أعلى مراتب التعظيم التي لا يستحقها سواه 106.

وقال الماوردي رحمه الله: «ولا يجوز أن يسبح غير الله وإن كان منزهًا؛ لأنه صار علمًا في الدين على أعلى مراتب التعظيم التي لا يستحقها إلا الله تعالى» 107.

وقد ورد لفظ (التسبيح) ومشتقاته في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، وبصيغ مختلفة، فورد بصيغة الفعل الماضي (سبح، سبحوا) ، وفي صيغة الفعل المضارع (يسبح، نسبح، تسبح) مفردة ومجموعة، وفي صيغة الفعل الأمر (سبح، سبحوا، سبحه، سبحوه) ، وفي صيغة اسم الفاعل (مسبحون، مسبحين) ، وفي صيغة مصدر (تسبيحه، تسبيحهم) ، وفي صيغة مصدر علم على التسبيح (سبحان، سبحانك، سبحانه) .

والفعل (سبح) قد يتعدى بنفسه بدون اللام؛ كقوله تعالى: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 42] .

وقد يتعدى باللام كقوله: {سَبَّحَ لِلَّهِ} [الحشر: 1] .

وعلى هذا فسبحه وسبح له لغتان، كنصحه ونصح له، وشكره وشكر له 108.

ومن تصاريف التسبيح: فعل الماضي (سبح) ، وفعل المضارع (يسبح) ، قال بعض أهل العلم: إنما عبر بالماضي تارة وبالمضارع أخرى؛ ليبين أن ذلك التسبيح لله هو شأن أهل السماوات وأهل الأرض، ودأبهم في الماضي والمستقبل 109.

وافتتحت بالتسبيح سبع سور، سميت (المسبحات) ، وهي: (الإسراء والحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن والأعلى) ، وقد ذكر ابن عاشور الحكمة من افتتاح بعض السور بالتسبيح، فقال: «الافتتاح بكلمة التسبيح من دون سبق كلام متضمن ما يجب تنزيه الله عنه يؤذن بأن خبرًا عجيبًا، يستقبله السامعون، دالًا على عظيم القدرة من المتكلم، ورفيع منزلة المتحدث عنه» 110.

وختمت به سور (الحجر والطور والواقعة والحاقة) .

ومن أكثر السور التي ذكر فيها ألفاظ التسبيح بمختلف الصيغ: سورة الإسراء، وهي تسمى سورة سبحان 111، حيث ذكر فيها التسبيح (7) مرات، ولم يذكر بهذا الكم في سورة غيرها، فلا سورة في القرآن تماثلها في التسبيح؛ لما اشتملت على واقعة الإسراء التي كذب بها المشركون جاء لفظ (سبحان) تنزيهًا لله تعالى، وتعظيمًا لقدرته، وتصديقًا للرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك اختتمت بالحمد والتكبير، ولعل في هذا إشارة إلى نقله صلى الله عليه وسلم حين عرج به إلى عالم التسبيح في السماء، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله تعالى) 112.

بل يخبر الله تعالى ذكره عن قول ملائكته الذين ملئوا السماء: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ} [الصافات: 164] ، أي: مكان معلوم في السماء خاص بكل ملك للعبادة والتسبيح {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ} [الصافات: 165] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت