ويقول: ابن الجوزي: «والنور: الضياء الكاشف للشبهات، والموضح للمشكلات» 77.
بينما فسر الواحدي النور بأنه بيان صدق محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: « (وَنُورٌ) بيانٌ إنّ أمرك حقٌّ» 78.
وقال تعالى أيضًا: (قُل مَن أَنزَلَ الكِتابَ الَّذي جاءَ بِهِ موسى نورًا وَهُدًى لِلنّاسِ) [الأنعام:91] .
قال ابن كثير: «إن الله قد أنزلها على موسى بن عمران نورًا وهدى للناس، أي: ليستضاء بها في كشف المشكلات، ويهتدى بها من ظلم الشبهات» 79.
وقد فرّق ابن عادل بين النور والهدى فقال: وصف الكتاب بقوله: (ٹ) ، وهو منصوبٌ على الحال، وسمّاه نورًا تشبيهًا له بالنّور الذي يبين به الطريق، فإن قيل: فعلى هذا لا يبقى بين كونه نورًا، وبين كونه هدًى للناس فرقٌ، فعطف أحدهما على الآخر يوجب التّغاير؛ فالجواب: أن للنور صفتين: أحدهما: كونه في نفسه ظاهرًا جليًّا، والثانية: كونه بحيث يكون سببًا لظهور غيره، فالمراد من كونه (نورا وهدى) هو هذان الأمران 80.
3.فرقان.
قال تعالى: (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [البقرة:53] .
قال الطبري: «ولقد آتينا موسى بن عمران وأخاه هارون الفرقان، يعني به: الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل، وذلك هو التوراة في قول بعضهم» 81.
ولقد اعتبر الثعلبي التوراة والفرقان شيئًا واحدًا، فقال: «قال مجاهد والفراء: هما شيء واحد، والعرب تكرر الشيء إذا اختلفت ألفاظه على التوهم» 82.
ويؤيد هذا الرأي قول الله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى? وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ) [الأنبياء:48] .
ويقول الزمخشري: «الكتاب والفرقان يعنى الجامع بين كونه كتابًا منزلًا، وفرقانًا يفرق بين الحق والباطل: يعنى التوراة، كقولك: رأيت الغيث والليث، تريد الرجل الجامع بين الجود والجرأة» 83.
ولقد فصل ابن عطية القول في ذلك وذكر أقوالًا، فقال: «والكتاب: هو التوراة بإجماع من المتأولين، واختلف في الفرقان هنا؛ فقال الزجاج وغيره: هو التوراة أيضًا، كرر المعنى لاختلاف اللفظ، ولأنه زاد معنى التفرقة بين الحق والباطل، ولفظة الكتاب لا تعطي ذلك.
وقال آخرون: الكتاب: التوراة، والفرقان سائر الآيات التي أوتي موسى عليه السلام، لأنها فرقت بين الحق والباطل.
وقال آخرون: الفرقان: النصر الذي فرق بين حالهم وحال آل فرعون بالنجاة والغرق» 84.
4.ضياء.
قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى? وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ) [الأنبياء:48] .
قال الزمخشري: أنه في نفسه ضياء، أو وآتيناهما بما فيه من الشرائع والمواعظ ضياء 85.
وفي زاد المسير: «والمعنى: أنهم استضاءوا بالتوراة حتى اهتدوا بها في دينهم» 86.
قال النسفي: «قيل: هذه الثلاثة هي التوراة، فهي فرقان بين الحق والباطل، وضياء يستضاء به، ويتوصل به إلى السبيل النجاة، وذكر: أي شرف أو وعظ وتنبيه، أو ذكر ما يحتاج الناس إليه في مصالح دينهم» 87.
ويؤكد البيضاوي هذا المعنى فيقول: «وضياءً يستضاء به في ظلمات الحيرة والجهالة» 88.
ويقول البقاعي: «وضياء لا ظلام معه، فلا ظلم للمستبصر به، لأن من شأن من كان في الضياء أن لا يضع شيئًا إلا في موضعه» 89.
ويقول سيد قطب: «وجعل التوراة كذلك، ضياء يكشف ظلمات القلب والعقيدة، وظلمات الضلال والباطل، وهي ظلمات يتوه فيها العقل ويضل فيها الضمير، وإن القلب البشري ليظل مظلمًا حتى تشرق فيه شعلة الإيمان، فتنير جوانبه، ويتكشف له منهجه، ويستقيم له اتجاهه، ولا تختلط عليه القيم والمعاني والتقديرات» 90.
5.ذكر.
قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى? وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ) [الأنبياء:48] .
قال الثعالبي: «والذّكر: بمعنى التذكرة» 91.
أما البقاعي فقال: «وذكرًا: أي وعظًا وشرفًا» 92.
قال النسفي: «وذكر: أي شرف، أو وعظ، وتنبيه، أو ذكر ما يحتاج الناس إليه في مصالح دينهم» 93.
وقال أبو السعود: «وذكرًا: يتعظ به الناس، وتخصيص المتقين بالذكر لأنهم المستضيئون بأنواره، المغتنمون لمغانم آثاره، أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع والأحكام» 94.
ويقول سيد قطب: «وجعل التوراة كالقرآن (?) ، تذكرهم بالله، وتبقي لهم ذكرًا في الناس، وماذا كان بنو إسرائيل قبل التوراة؟ كانوا أذلاء تحت سياط فرعون، يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، ويستذلهم بالسخرة والإيذاء» 95.
6.رحمة.
وجاء ذلك في عدة آيات.
قال تعالى: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) } [الأنعام:154] .
قال الطبري: «ورحمة لمن كان منهم ضالًّا لينجيه الله به من الضلالة» 96.
وقال تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً} [هود:17] .
وجاءت أيضًا في الأحقاف: {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً} [الأحقاف:12] .
يقول ابن عاشور: «والرحمة: اسم مصدر لصفة الراحم، وهي من صفات الإنسان، فهي: رقة في النفس، تبعث على سوق الخير لمن تتعدى إليه، ووصف الكتاب بها استعارة لكونه سببًا في نفع المتبعين؛ لما تضمنه من أسباب الخير في الدنيا والآخرة، وصف الكتاب بالمصدر مبالغة في الاستعارة» 97.
قال تعالى في سورة القصص أيضًا: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43) } [القصص:43] .
قال الزمخشري: «ورحمةً: لأنهم لو عملوا بها وصلوا إلى نيل الرحمة» 98.
قال البقاعي: «ورحمة: أي نعمة هنية شريفة، لأنها قائدة إليها» 99.
1.لقد جاءت التوراة بالدرجة الأولى لتكون منهج حياة لبني إسرائيل، وإلى جانب ذلك جاءت لتهيئ الناس لمجيئ النبي الأمي، وتهيئ عقولهم لتقبل شريعته، ولأن هذا النبي سيكون نبيًّا لجميع الأمم، جعلها شريعة عامة؛ ليسهل على الأمم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وكان بنو إسرائيل شهداء بين أهل دينهم، يثقون بهم، يشهدون بمجيئ محمد صلى الله عليه وسلم (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ ? وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [آل عمران:99] 100.
قال الرازي: أنتم شهداء أن في التوراة موجود: أن دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام، وأنتم شهداء على ظهور المعجزات على نبوته صلى الله عليه وسلم 101.
لذا فقد جاء الأمر لبني إسرائيل بأن يأخذوا الكتاب بقوة؛ ذلك الكتاب الذي تضمن أحكامًا تشريعية، منها ما نسخ، ومنها ما استمر بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن بني إسرائيل لم يعملوا بتلك الشرائع، ولو عملوا بها لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، وفيما يلي تفصيل ذلك:
أولًا: حكمة الأمر بأخذ التوراة بقوة:
لقد أمر الله بني إسرائيل بأخذ التوراة وما فيها بقوة، وذلك في آيات عدة.
قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:63] .
قال الطبري: «خذوا ما افترضناه عليكم في كتابنا من الفرائض، فاقبلوه، واعملوا باجتهاد منكم في أدائه، من غير تقصير ولا توان» 102.
وبعد أخذ الميثاق عليهم بقوة ورفع الجبل فوق رؤوسهم نكثوا العهود والمواثيق كعادتهم، بل وتبجحوا في ذلك الأمر، وأقروا بالعصيان، وعبدوا العجل كفرًا وجورًا؛ فكيف يتصور الإيمان من أخلافهم.
قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [البقرة:93] .
جاء في روح البيان: «قالوا سمعنا قولك، ولكن لا سماع طاعة، وعصينا أمرك ولولا مخافة الجبل ما قبلنا في الظاهر، فإذا كان حال أسلافهم هكذا، فكيف يتصور من أخلافهم الإيمان» 103.
ولا شك أن ديننا الحنيف يختلف في هذا الأمر حيث لا يعتمد على الإكراه والتخويف، رغم كونه مرغبًا ومرهبًا.
قال تعالى: (لا إكراه في الدين) [البقرة:256] .
قال الرازي: «أن إظلال الجبل لا شك أنه من أعظم المخوفات، ومع ذلك فقد أصروا على كفرهم، وصرحوا بقولهم: سمعنا وعصينا وهذا يدل على أن التخويف وإن عظم لا يوجب الانقياد» 104.
وقال تعالى أيضًا: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ? سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) [الأعراف:145] .
يفصل المراغي الأخذ بقوة فيقول: « (? ?) أي: وكتبنا له في الألواح وقلنا له: هذه وصايانا وأصول شريعتنا وكلياتها، فخذها بقوة وجدّ وعزم، ذاك أنك ستكون بها شعبًا جديدًا، بعادات جديدة، وأخلاق جديدة، مخالفة في جوهرها وصفاتها لما كان عليه من الذل والعبودية لدى فرعون وقومه، وما كان عليه من الشرك والوثنية التي ألفها وراضت نفسه لقبولها، فأنّى للقائد والمرشد أن يصلح ذلك الفساد، ويرأب ذلك الصدع إذا لم يكن ذا عزيمة وقوة وبأس شديد وحزم في أوامره ونواهيه» 105.
وقال تعالى: (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأعراف:171] .
وكثرة الآيات تدلل بصورة واضحة جلية، طبيعة بني إسرائيل الملتوية، ونفسيتهم المريضة؛ فقد عرضت عليهم التوراة فرفضوا أخذها؛ فرفع الله الجبل فوق رؤوسهم كأنه ظلة، وأمرهم بأخذ الكتاب بقوة، ويقول محمد رشيد رضا: «لعل حكمة ختم قصة بني إسرائيل بهذه الآية هنا للتذكير ببدء حالهم في إنزال الكتاب عليهم في أثر بيان عاقبة أمرهم في مخالفته والخروج عنه ; فإن في تلك الفاتحة إشارة إلى هذه الخاتمة، وذلك عندما أخذ عليهم الميثاق ليأخذن بالشريعة بقوة وعزم، فإنه رفع فوقهم الطور، وأوقع في قلوبهم الرعب من خوف وقوعه بهم، فلا غرو إذا آل أمرهم إلى ترك العمل به بعد طول الأمد وقساوة القلوب والأنس بالذنوب» 106.
ثانيًا: الأحكام التشريعية في التوراة:
إن التوراة كتاب الله أنزله على نبيه موسى ليحكم بين الناس، فهو كتاب إلهي يحتوي على تشريعات ربانية، وقد ذكر لنا القرآن الكريم بعضًا منها في الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل.
قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ ?83? وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ) [البقرة:83 - 84] .
فهذا الميثاق تضمن عدة تشريعات:
التوحيد بأنواعه؛ (لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) .
بر الوالدين والإحسان إليهما؛ (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) .
صلة الأرحام والإحسان إليهم؛ (وَذِي الْقُرْبَى) .
كفالة اليتيم والإحسان إليه؛ (وَالْيَتَامَى) .
التكافل بين الناس والإحسان إلى الضعفاء؛ (وَالْمَسَاكِينِ) .
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حسنا) .
إقامة الصلاة؛ (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) .
إيتاء الزكاة؛ (وَآتُوا الزَّكَاةَ) .
حفظ النفس، وتحريم سفك الدماء، (لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ) .
عدم إخراج الناس من ديارهم والاعتداء على ممتلكاتهم؛ (وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ?) .
وفي آية ثانية، تشريعات أخرى؛ قال تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ? وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ? لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [المائدة:12] .
قال سيد قطب: ندرك أن ميثاق الله مع بني إسرائيل، ذلك الميثاق الذي أخذه عليهم في ظل الجبل، والذي أمروا أن يأخذوه بقوة وأن يذكروا ما فيه، أن ذلك الميثاق قد تضمن القواعد الثابتة لدين الله، هذه القواعد التي جاء بها الإسلام أيضًا، فتنكروا لها وأنكروها.
لقد تضمن ميثاق الله معهم: ألا يعبدوا إلا الله، القاعدة الأولى للتوحيد المطلق، وتضمن الإحسان إلى الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين، وتضمن خطاب الناس بالحسنى، وفي أولها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كذلك تضمن فريضة الصلاة، وفريضة الزكاة، وهذه في مجموعها هي قواعد الإسلام وتكاليفه 107.
وهذه التكاليف قد أقرتها بنو إسرائيل: قال الرازي: «ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه، وأنتم تشهدون عليها» 108.
ثالثًا: أثر عمل اليهود بالتوراة في زمانهم:
اشتملت الكتب السماوية على كل ما يصلح أحوال الناس في دنياهم وأخراهم، وما التزم قوم بما أنزل الله عليهم وأقاموا شرع الله فيهم إلا كانوا أسعد الناس في دنياهم وأخراهم، وينطبق هذا الأمر على جميع الشرائع السماوية.
ونلمس هذا الأمر في القرآن الكريم فقد جاء في حق بني إسرائيل قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ?65? وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) [المائدة:65 - 66] .
يقول سيد قطب: إن هاتين الآيتين تقرران أصلًا كبيًرا من أصول التصور الإسلامي، ومن ثم فهما تمثلان حقيقة ضخمة في الحياة الإنسانية .... إن الله سبحانه يقول لأهل الكتاب- ويصدق القول وينطبق على كل أهل كتاب- إنهم لو كانوا آمنوا واتقوا لكفر عنهم سيئاتهم، ولأدخلهم جنات النعيم- وهذا جزاء الآخرة، وإنهم لو كانوا حققوا في حياتهم الدنيا منهج الله الممثل في التوراة والإنجيل، وما أنزله الله إليهم من التعاليم- كما أنزلها الله بدون تحريف ولا تبديل- لصلحت حياتهم الدنيا، ونمت وفاضت عليهم الأرزاق، ولأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم من فيض الرزق، ووفرة الإنتاج وحسن التوزيع، وصلاح أمر الحياة، ولكنهم لا يؤمنون ولا يتّقون، ولا يقيمون منهج الله- إلا قلة منهم في تاريخهم الطويل مقتصدة غير مسرفة على نفسها (وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) .
وهكذا يبدو من خلال الآيتين: أن الإيمان والتقوى وتحقيق منهج الله في واقع الحياة البشرية في هذه الحياة الدنيا، لا يكفل لأصحابه جزاء الآخرة وحده- وإن كان هو المقدم وهو الأدوم - ولكنه كذلك يكفل صلاح أمر الدنيا، ويحقق لأصحابه جزاء العاجلة .. وفرة ونماء وحسن توزيع وكفاية .. يرسمها في صورة حسية تجسم معنى الوفرة والفيض في قوله: (إِنّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظونَ) 109.
قال ابن عاشور: «وقد أومأت الآية إلى أن سبب ضيق معاش اليهود هو من غضب الله تعالى عليهم؛ لإضاعتهم التوراة، وكفرهم بالإنجيل وبالقرآن» 110.
وفي موضع آخر يبين سيد قطب أن هناك قاعدة مطردة، فيقول: «وهذه القاعدة التي يقررها القرآن في مواضع متفرقة، قاعدة صحيحة تقوم على أسبابها من وعد الله، ومن سنة الحياة، كما أن الواقع العملي يشهد بتحققها على مدار القرون، والحديث في هذه القاعدة عن الأمم لا عن الأفراد. وما من أمة قام فيها شرع الله، واتجهت اتجاهًا حقيقيًا لله بالعمل الصالح، والاستغفار المنبئ عن خشية الله .. ما من أمة اتقت الله وعبدته وأقامت شريعته، فحققت العدل والأمن للناس جميعًا، إلا فاضت فيها الخيرات، ومكّن الله لها في الأرض، واستخلفها فيها بالعمران وبالصلاح سواء» 111.
قال تعال: (إِنّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظونَ) [الحجر:9] ؛ فالقرآن وحده هو الذي تعهد الله بحفظه، أما التوراة والإنجيل وسائر الكتب المنزلة، فقد أوكل الله حفظها إلى أهلها من الأحبار والرهبان والربانيين، ولم يتكفل بحفظها، ولما ترك حفظها لهم صار حالها إلى ما صارت إليه، من التغيير والتبديل والتحريف، وفيما يلي تفصيل ذلك:
أولًا: تكليف الله للربانيين والأحبار بحفظ التوراة والعمل بها:
لقد كلّف الله الربانيين والأحبار حفظ التوراة، فقال: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ? يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) [المائدة:44] .
قال الرازي: «دلت الآية على أنه يحكم بالتوراة: النبيون والربانيون والأحبار، وهذا يقتضي كون الربانيين أعلى حالًا من الأحبار، فثبت أن يكون الربانيون كالمجتهدين، والأحبار كآحاد العلماء، ثم قال: (بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) أي: حفظ كتاب الله على وجهين: الأول: أن يحفظ فلا ينسى، الثاني: أن يحفظ فلا يضيع، وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتابه من هذين الوجهين: أحدهما: أن يحفظوه في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم، والثاني: أن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه» 112.
وقال ابن عاشور: «والاستحفاظ: الاستئمان، واستحفاظ الكتاب: أمانة فهمه حق الفهم بما دلت عليه آياته، استعير الاستحفاظ الذي هو طلب الحفظ لمعنى الأمر بإجادة الفهم، والتبليغ للأمة على ما هو عليه» 113.
ولقد كلف الله اليهود أحبارًا وشعبًا بحفظ التوراة والعمل بها فضيعوها.
قال الثعالبي: «وقوله سبحانه: (بِمَا اسْتُحْفِظُوا) ، أي: بسبب استحفاظ اللّه تعالى إياهم أمر التّوراة، وأخذه العهد عليهم في العمل والقول بها، وعرّفهم ما فيها، فصاروا شهداء عليه، وهؤلاء ضيّعوا لمّا استحفظوا حتى تبدّلت التوراة» 114.
ولقد استخلف الله الأحبار والرهبان لحفظ وتبليغ التوراة وإجراء أحكامها عليهم.
قال أبو السعود: «بِمَا اسْتُحْفِظُوا)، أي: بالذي استحفظوه من جهة النبيين وهو التوراة، حيث سألوهم أن يحفظوها من التغيير والتبديل على الإطلاق. ولا ريب في أن ذلك منهم عليهم السلام استخلافٌ لهم في إجراء أحكامها من غير إخلالٍ بشيء منها» 115.
ثانيًا: ذم القرآن للربانيين والأحبار لعدم حفظهم التوراة:
ولقد ذمّ الله الربانيين والأحبار الذين استحفظهم التوراة فضيّعوها ولم يطبقوا أحكامها، ووصفهم وصفًا شنيعًا.
قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ? بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [الجمعة:5] .
قال الطبري: «مثل الذين أوتوا التوراة من اليهود والنصارى، فحملوا العمل بها ثم لم يعملوا بما فيها، وكذّبوا بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، وقد أمروا بالإيمان به فيها واتباعه والتصديق به؛ كمثل الحمار يحمل على ظهره كتبًا من كتب العلم، لا ينتفع بها، ولا يعقل ما فيها، فكذلك الذين أوتوا التوراة التي فيها بيان أمر محمد صلّى الله عليه وسلّم مثلهم إذا لم ينتفعوا بما فيها، كمثل الحمار الذي يحمل أسفارًا فيها علم، فهو لا يعقلها ولا ينتفع بها» 116.
قال الزمخشري: «شبه اليهود- في أنهم حملة التوراة وقرّاؤها وحفاظ ما فيها، ثم إنهم غير عاملين بها ولا منتفعين بآياتها، وذلك أنّ فيها نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم والبشارة به ولم يؤمنوا به- بالحمار حمل أسفارًا، أي: كتبًا كبارًا من كتب العلم، فهو يمشى بها ولا يدرى منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله، وبئس المثل الّذين كذّبوا بآيات اللّه، وهم: اليهود الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، ومعنى حمّلوا التّوراة: كلفوا علمها والعمل بها، ثمّ لم يحملوها، ثم لم يعملوا بها، فكأنهم لم يحملوها» 117.
ويقول سيد قطب في تفسيرها: «فبنو إسرائيل حملوا التوراة، وكلفوا أمانة العقيدة والشريعة ثم لم يحملوها؛ فحملها يبدأ بالإدراك والفهم والفقه، وينتهي بالعمل لتحقيق مدلولها في عالم الضمير وعالم الواقع. ولكن سيرة بني إسرائيل كما عرضها القرآن الكريم- وكما هي في حقيقتها- لا تدل على أنهم قدروا هذه الأمانة، ولا أنهم فقهوا حقيقتها، ولا أنهم عملوا بها، ومن ثم كانوا كالحمار يحمل الكتب الضخام، وليس له منها إلا ثقلها، فهو ليس صاحبها، وليس شريكًا في الغاية منها، وهي صورة زرية بائسة، ولكنها صورة معبرة عن حقيقة صادقة» 118.
لم يكتف الأحبار والرهبان بتضييع التوراة، وعدم حفظها والعمل بها، وهذه في حد ذاتها جريمة، لكنهم اقترفوا جريمة أعظم؛ ذلك أن بدلوها وحرفوها واعتدوا على كلام الله، فبدلوه بما يناسب مآربهم، ويخدم مصالحهم، وكتبوها بأيدهم، ومزجوها بكلامهم، ثم قالوا هي من عند الله، وأصبح هناك توراتان: توراة أنزلها الله وأمرهم بحفظها وعدم تضييعها، وهي ما يسمى بالعهد القديم الذي نزل على موسى، وتوراة محرفة كتبها الأحبار والرهبان بأيدهم، وأسموها ظلمًا وزورًا (العهد القديم) .
أولًا: تحريف اليهود للتوراة المنزلة على موسى:
أخبرنا الله في ست آيات صريحة عن تحريف التوراة بأيدي هؤلاء الأحبار والرهبان، وقد توعدهم الله بالويل والطرد من رحمة الله.
قال تعالى: (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [البقرة:75] .
قال الطبري: «التوراة التي أنزلها عليهم، يحرفونها، يجعلون الحلال فيها حرامًا، والحرام فيها حلالًا والحق فيها باطلًا والباطل فيها حقًّا، إذا جاءهم المحق برشوة أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب، فهو فيه محق. وإن جاء أحد يسألهم شيئًا ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء، أمروه بالحق» 119.
(مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَـ?كِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء:46] .
قال الزمخشري: «يحرّفون الكلم عن مواضعه: يميلونه عنها ويزيلونه؛ لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كلمًا غيره، فقد أمالوه عن مواضعه التي وضعها اللّه فيها، وأزالوه عنها» 120.