فهرس الكتاب

الصفحة 470 من 2431

والثالث: أن من جاءه الملك ظاهرًا وأمره بدعوة الخلق فهو الرسول، ومن لم يكن كذلك، بل رأى في النوم كونه رسولًا، أو أخبره أحد من الرسل بأنه رسول الله، فهو النبي الذي لا يكون رسولًا» 87. وهذا المعنى الثالث رجحه الرازي وقال: «وهو الأولى» 88.

ولابن تيمية في المسألة رأي يبدو أقرب إلى الصواب، وهو أن الرسول يزيد عن النبي بكونه مرسلًا إلى من خالف أمر الله يبلغه رسالة الله، قال: «والمقصود هنا: الكلام على النبوة فالنبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله ولم يُرسَل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي، وليس برسول قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} وقوله: {مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ} ؛ فذكر إرسالًا يعم النوعين، وقد خص أحدهما بأنه رسول، فإن هذا هو الرسول المطلق الذي أمره بتبليغ رسالته إلى من خالف الله كنوح» 89.

وبناء على ذلك فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، ومحمد صلى الله عليه وسلم نبي ورسول، بل هو خاتم الأنبياء والمرسلين، كما قال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40) } [الأحزاب:40] .

««وخاتم» بفتح التاء بمعنى أنهم به ختموا فهو كالخاتم والطابع لهم، وقرأ الباقون والجمهور «خاتم» بكسر التاء بمعنى أنه ختمهم، أي: جاء آخرهم، وروت عائشة أنه عليه السلام قال: (أنا خاتم الأنبياء) -بفتح التاء- وروي عنه عليه السلام أنه قال: (أنا خاتم ألف نبي) وهذه الألفاظ عند جماعة علماء الأمة خلفًا وسلفًا متلقاة على العموم التام مقتضية نصًّا أنه لا نبي بعده صلى الله عليه وسلم» 90.

ومع كونه صلى الله عليه وسلم النبي الرسول وخاتم الأنبياء، فقد كان أول من أمر بالتزام الإسلام والعمل بأحكامه وأن يكون أول المسلمين.

ثالثًا: أول المسلمين:

نص القرآن الكريم على أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أمر أن يكون أول من أسلم، كما قال تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام:14] .

كما أمر أن يخبر عن نفسه بذلك: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) } [الأنعام:162 - 163] .

و «المعنى أول من أسلم من هذه الأمة وبهذه الشريعة» 91.

وقد دلت الآية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، فهو المبادر إلى فعل ما يأمر به من أحكام هذا الدين، وهو أول مخاطب به، وهو سابق المسلمين، و «خيرهم وأولهم، كما قال: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:163] .

وتقدم في ذلك بشرف انقياده بكل وجه، وبكل حال إلى الله وبسلامة عن الجهل والمعاصي» 92.

وفي قوله تعالى: « {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي} الآية، أمر من الله عز وجل أن يعلن بأن مقصده في صلاته، وطاعته من ذبيحة وغيرها، وتصرفه مدة حياته، وحاله من الإخلاص والإيمان عند مماته إنما هو لله عز وجل، وإرادة وجهه وطلب رضاه، وفي إعلان النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المقالة ما يلزم المؤمنين التأسي به؛ حتى يلتزموا في جميع أعمالهم قصد وجه الله عز وجل» 93.

والآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم أول من أسلم من هذه الأمة، ولكن هل تدل على أنه أول المسلمين من جميع الأمم؟

قال ابن عطية: «والمعنى أول من أسلم من هذه الأمة وبهذه الشريعة، ولا يتضمن الكلام إلا ذلك» 94. فجزم بأن المراد: أول من أسلم من هذه الأمة لا غيره.

ولكن بعض المفسرين لم يستبعد هذه الدلالة وإن لم يجزم بها، قال ابن عاشور: «ومعنى أول من أسلم أنه أول من يتصف بالإسلام الذي بعثه الله به، فهو الإسلام الخاص الذي جاء به القرآن، وهو زائد على ما آمن به الرسل من قبل، بما فيه من وضوح البيان والسماحة، فلا ينافي أن بعض الرسل وصفوا بأنهم مسلمون، كما في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ويعقوب: {يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة:132] .

ويجوز أن يكون المراد أول من أسلم ممن دعوا إلى الإسلام. ويجوز أن يكون الأول كناية عن الأقوى والأمكن في الإسلام؛ لأن الأول في كل عمل هو الأحرص عليه والأعلق به، فالأولية تستلزم الحرص والقوة في العمل، كما حكى الله تعالى عن موسى قوله: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف:143] .

فإن كونه أولهم معلوم وإنما أراد: أني الآن بعد الصعقة أقوى الناس إيمانًا. وفي الحديث: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة) » 95.

أما صاحب «ملاك التأويل» فنظر إلى الآية في سياق ما نصت عليه آيات أخرى من كون الأنبياء جميعًا كانوا مسلمين، فأثبت لهم جميعًا أولية في السبق إلى الإيمان والإسلام، قال في بيان الفرق بين قول النبي صلى الله عليه وسلم: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} وقول موسى عليه السلام: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} «والجواب والله أعلم: أن هذه الآية لما تقدمها قوله تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [الأنعام:161] .

وقد قال في سورة آل عمران: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) } [آل عمران:67] .

وفي وصيته عليه السلام لبنيه: {يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة:132] .

وبهذا أوصى يعقوب عليه السلام.

قال تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} [البقرة:132] .

وهي جواب بني يعقوب حين قال لهم: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي} فأجابوا بقولهم: {نَعْبُدُ إِلَهَكَ} إلى قوله: {إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة:133] .

وقال سبحانه لنبينا صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام:90] .

وقال تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} إلى قوله: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:163] .

فإنما قال عليه السلام وعمل واقتدى ظاهرًا وباطنًا بما أمر به وما درج عليه هؤلاء الصفوة المذكورون ومن سلك مسلكهم. وعبارة الإسلام تعم الاستسلام بالظاهر والباطن، والإيمان الذي هو التصديق داخل تحت ذلك، وفي جملة ما يطلق عليه اسم الإسلام، فقد تحصلت عبارته عليه السلام منبئة عن الكمال في مسمى الإيمان والإسلام على الحال التى درج عليها المصطفون الأخيار، وحالهم في ذلك لا يدركها غيرهم من حيث الكمال التام صلى الله عليهم أجمعين ولا قطعنا عن التمسك بهديهم» 96.

رابعًا: رحمة للعالمين:

كان النبي صلى الله عليه وسلم رحمة، وكان رحيمًا بالمؤمنين، بل بمن ينافقه ويعاديه، ومن مظاهر رحمته صلى الله عليه وسلم أنه كان حريصًا على هداية الناس جميعًا.

ولقد نص القرآن الكريم -نصًا صريحًا- على أنه صلى الله عليه وسلم رحمة لا للمؤمنين وحدهم بل للعالمين جميعا، كما في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) } [الأنبياء:107] .

وهذه الآية لم تنص على أنه رحيم، ولكن على أنه هو صلى الله عليه وسلم الرحمة، فـ «انتصاب {رَحْمَةً} على أنه حال من ضمير المخاطب يجعله وصفا من أوصافه، فإذا انضم إلى ذلك انحصار الموصوف في هذه الصفة صار من قصر الموصوف على الصفة. ففيه إيماء لطيف إلى أن الرسول اتحد بالرحمة وانحصر فيها، ومن المعلوم أن عنوان الرسولية ملازم له في سائر أحواله، فصار وجوده رحمة وسائر أكوانه رحمة.

ووقوع الوصف مصدرًا يفيد المبالغة في هذا الاتحاد، بحيث تكون الرحمة صفة متمكنة من إرساله، ويدل لهذا المعنى ما أشار إلى شرحه النبيء صلى الله عليه وسلم بقوله: (إنما أنا رحمة مهداة) » 97.

وهذه الآية على وجازة ألفاظها تضمنت مدحًا بليغًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد «صيغت بأبلغ نظم إذ اشتملت على مدح الرسول عليه الصلاة والسلام ومدح مرسله تعالى، ومدح رسالته بأن كانت مظهر رحمة الله تعالى للناس كافة، وبأنها رحمة الله تعالى بخلقه.

فهي تشتمل على أربعة وعشرين حرفًا بدون حرف العطف الذي عطفت به، ذكر فيه الرسول، ومرسله، والمرسل إليهم، والرسالة، وأوصاف هؤلاء الأربعة، مع إفادة عموم الأحوال، واستغراق المرسل إليهم، وخصوصية الحصر، وتنكير رحمة للتعظيم، إذ لا مقتضى لإيثار التنكير في هذا المقام غير إرادة التعظيم وإلا لقيل: إلا لنرحم العالمين، أو إلا أنك الرحمة للعالمين. وليس التنكير للإفراد قطعًا لظهور أن المراد جنس الرحمة وتنكير الجنس هو الذي يعرض له قصد إرادة التعظيم. فهذه اثنا عشر معنى خصوصيًا، فقد فاقت أجمع كلمة البلغاء العرب» 98.

وأما معنى كونه «رحمة للعالمين» من مؤمنين وكافرين فقد ذكر في معناه أن الله سبحانه وتعالى: «رحمهم به في الدنيا من العذاب، وفي الآخرة بتعجيل الحساب، وتضعيف الثواب، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) } [الأنفال:33] » 99.

والنص على كون وجوده صلى الله عليه وسلم بين الكافرين مانعًا من نزول العذاب بهم؛ رحمة لهم لا يعني اقتصارها على ذلك؛ لأن هذا الوجود محدود بالزمان والمكان. وإن أعظم الرحمة استنقاذهم به من الضلال والشرك والجهل، وفي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: (وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائمًا ويقظان) 100.

فنص الحديث على أنه قد بعث صلى الله عليه وسلم حين عم الضلال الأرض، ونظر الله إلى أهل الأرض فمقتهم جميعًا؛ بسبب شركهم وضلالهم، فكان هو المبدل لوجه هذه الأرض بإذن ربه، وكان رحمة الله للناس جميعًا.

وكما كانت بعثته رحمة، كان خلقه الرحمة، وكانت رسالته التي بعث بها الرحمة، بل كان موقعها من رسالات الأنبياء وديمومتها واستمرارها، وما اختصت به من عفو وتيسير الرحمة التي رحم الله بها خلقه إنسهم وجنهم وحتى الحيوان.

وقد نظر ابن عاشور إلى دلالة موقع الآية في سياقها من سورة الأنبياء فقال: «أقيمت هذه السورة على عماد إثبات الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديق دعوته. فافتتحت بإنذار المعاندين باقتراب حسابهم، ووشك حلول وعد الله فيهم، وإثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه لم يكن بدعًا من الرسل، وذكروا إجمالًا، ثم ذكرت طائفة منهم على التفصيل، وتخلل ذلك بمواعظ ودلائل. وعطفت هذه الجملة على جميع ما تقدم من ذكر الأنبياء الذين أوتوا حكمًا وعلمًا وذكر ما أوتوه من الكرامات، فجاءت هذه الآية مشتملة على وصف جامع لبعثة محمد صلى الله عليه وسلم، ومزيتها على سائر الشرائع مزية تناسب عمومها ودوامها، وذلك كونها رحمة للعالمين» 101.

وبقدر ما كانت هذه الرحمة خلقًا تخلقت به نفسه الزكية عليه الصلاة والسلام، فقد كانت أيضا الصبغة العامة التي اصطبغت بها الشريعة التي جاء بها.

قال ابن عاشور: «وتفصيل ذلك يظهر في مظهرين:

الأول: تخلق نفسه الزكية بخلق الرحمة،

والثاني: إحاطة الرحمة بتصاريف شريعته.

فأما المظهر الأول فقد قال فيه أبو بكر محمد بن طاهر القيسي الإشبيلي: «زين الله محمدًا صلى الله عليه وسلم بزينة الرحمة، فكان كونه رحمة، وجميع شمائله رحمة، وصفاته رحمة على الخلق» قلت: يعني أن محمدًا صلى الله عليه وسلم فطر على خُلُقِ الرحمة في جميع أحوال معاملته الأمة لِتَتَكوَّنَ مُنَاسَبةٌ بين روحه الزكية وبين ما يلقى إليه من الوحي بشريعته التي هي رحمة؛ حتى يكون تلقيه الشريعة عن انشراح نفس أن يجد ما يوحى به إليه ملائمًا رغبته وخلقه. قالت عائشة: «كان خلقه القرآن» . ولهذا خص الله محمدًا صلى الله عليه وسلم في هذه السورة بوصف الرحمة ولم يصف به غيره من الأنبياء، وكذلك في القرآن كله.

وأما المظهر الثاني من مظاهر كونه رحمة للعالمين فهو مظهر تصاريف شريعته، أي: ما فيها من مقومات الرحمة العامة للخلق كلهم؛ لأن قوله تعالى: «للعالمين» متعلق بقوله: «رحمة» » 102.

خامسًا: الشاهد:

أوصاف «الشاهد، والمبشر، والنذير، والداعي، والسراج المنير» جاءت كلها مجموعة في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) } [الأحزاب:45 - 46] .

«والشهادة: قولٌ صادر عن علم حصل بمشاهدة بصر أو بصيرة» 103. «وشهدت يقال على ضربين: أحدهما: جارٍ مجرى العلم، وبلفظه تقام الشهادة، يقال: أشهد بكذا. ولا يُرْضَى من الشاهد أن يقول: أعلم، بل يحتاج أن يقول: أشهد. والثاني: يجري مجرى القسم، فيقول: أشهد بالله إن زيدًا منطلق. ومنهم من يقول: إن قال: أشهد. ولم يقل: بالله. يكون قسمًا. ويجرى علمت مجراه في القسم فيجاب بجواب القسم كقوله: ولقد علمت لتأتين منيتى

ويقال: شاهد، وشهيد، وشهداء. ويقال: شهدت كذا، أي: حضرته، وشهدت على كذا.

قال الله تعالى: {شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ} [فصلت:20] » 104.

«والشاهد: المخبر عن حجة المدعي المحق ودفع دعوى المبطل» 105.

وشهادة النبي صلى الله عليه وسلم تتضمن شهادته لله بالوحدانية، وشهادته للرسل بالتبليغ، كما تتضمن شهادته على من بلغ إليهم رسالة الله من مؤمنين وكافرين.

فأما شهادته للرسل بالبلاغ فقد وقع النص عليها في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143] .

وفي قوله تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج:78] .

روى البخاري عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فتشهدون أنه قد بلغ: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} فذلك قوله جل ذكره: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} ) 106.

و «الوسط» في الآية: «الخيار والأجود، كما يقال: قريشٌ أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطًا في قومه، أي: أشرفهم نسبًا» 107. وقال ابن جرير: «وأنا أرى أن «الوسط» في هذا الموضع، هو «الوسط» الذي بمعنى: الجزء الذي هو بين الطرفين، مثل «وسط الدار» محرك الوسط مثقله، غير جائز في «سينه» التخفيف. وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم «وسط» لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلوٍ فيه، غلو النصارى الذين غلوا بالترهب، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه، تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه. فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها» 108.

وهناك تلازم بين الخيرية ووسطية المنهج -بمعنى الوسط بين طرفين- وكمال الشريعة، ولأجل ذلك كانت هذه الأمة ونبيها صلى الله عليه وسلم شاهدين للرسل على من كذبهم من قومهم.

قال ابن كثير: «ولما جعل الله هذه الأمة وسطًا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب، كما قال تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} » 109، أي: «شهداء لأنبيائي ورسلي على أممها بالبلاغ، أنها قد بلغت ما أمرت ببلاغه من رسالاتي إلى أممها، ويكون رسولي محمدٌ صلى الله عليه وسلم شهيدًا عليكم، بإيمانكم به وبما جاءكم به من عندي» 110.

وعليه فالرسول صلى الله عليه وسلم «شاهد بصحة ما هو صحيح من الشرائع وبقاء ما هو صالح للبقاء منها ويشهد ببطلان ما ألصق بها وبنسخ ما لا ينبغي بقاؤه من أحكامها بما أخبر عنهم في القرآن والسنة.

قال تعالى: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة:48] .

وفي حديث الحشر: (يسأل كل رسول هل بلغ؟ فيقول: نعم. فيقول الله: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته) الحديث» 111.

وأما شهادته صلى الله عليه وسلم على من بلغته دعوته فقد نص عليها قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) } [المزمل:15] .

ومعنى الآية: « {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا} [الأحزاب:45] .

على من بعثت إليهم تراقب أحوالهم، وتشاهد أعمالهم، وتتحمل منهم الشهادة بما صدر عنهم من التصديق والتكذيب، وسائر ما هم عليه من الهدى والضلال، وتؤديها يوم القيامة أداءً مقبولًا» 112.

وكما أن النبي صلى الله عليه وسلم شاهد على من كذب، فهو شاهد أيضا على من يزعم الإيمان، وذلك أنه «صلى الله عليه وسلم شاهد أيضا على أمته بمراقبة جريهم على الشريعة في حياته وشاهد عليهم في عرصات القيامة.

قال تعالى: {وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء:41] .

فهو شاهد على المستجيبين لدعوته وعلى المعرضين عنها، وعلى من استجاب للدعوة ثم بدل. وفي حديث الحوض: (ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى إذا رأيتهم وعرفتهم اختلجوا دوني فأقول: يا رب أصيحابي أصيحابي. فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: تبا وسحقا لمن أحدث بعدي) يعني: أحدثوا الكفر وهم أهل الردة كما في بعض روايات الحديث: (إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) . فلا جرم كان وصف الشاهد أشمل هذه الأوصاف للرسول صلى الله عليه وسلم بوصف كونه رسولا لهذه الأمة، وبوصف كونه خاتما للشرائع ومتمما لمراد الله من بعثة الرسل» 113.

سادسًا: المبشر:

المبشر: المخبر بالخبر الذي يسر، يقال: «أبشرت الرجل وبشرته وبشرته: أخبرته بسار بسط بشرة وجهه، وذلك أن النفس إذا سرت انتشر الدم فيها انتشار الماء في الشجر» 114.

«ويقال للخبر السار: البشارة والبشرى.

قال تعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [يونس:64] » 115.

وقد بعث عليه الصلاة والسلام يبشر من استجاب له بالخير والسعادة والنجاة من أسباب الخزي والهلاك في الدنيا والآخرة فهو «صلى الله عليه وسلم مبشر لأهل الإيمان والمطيعين بمراتب فوزهم. وقد تضمن هذا الوصف ما اشتملت عليه الشريعة من الدعاء إلى الخير من الأوامر وهو قسم الامتثال من قسمي التقوى، فإن التقوى امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، والمأمورات متضمنة المصالح فهي مقتضية بشارة فاعليها بحسن الحال في العاجل والآجل» 116.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت