فهرس الكتاب

الصفحة 2289 من 2431

يستفاد من الآية: أن اجتناب ما حرم الله من المكاسب الربوية، تكميل للإيمان وحقوقه من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وعمل الصالحات.

ثالثًا: الجزاء على الكسب المتعمد:

من عدل الله ورحمته بالعباد أنه لا يؤاخذهم إلا بما تعمدوه من الأعمال، دون تلك التي تحدث من غير قصد، أو إرادة كما بينه النبي عليه السلام بقوله: (رفع القلم عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) 67.

قال تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225] .

بين المولى عز وجل أن هذه الألفاظ التي تسبق إلى اللسان عادة ولا يقصد بها عقد اليمين لغو من القول، لا تعد أيمانًا حقيقية، فلا يؤاخذكم الله تعالى بها بفرض الكفارة عليها، ولا بالعقاب، {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} بأن تقصدوا جعل اسمه الكريم عرضة للابتذال، أو مانعًا لصالح الأعمال، فالقول الحشو الذي لا أثر له في القلب، ولا شأن له في العمل، مما يعفو عنه، ولا يعاقب عليه، ولا يتعجل بالعقوبة على هذا اللمم الذي يضعف العبد عن التوقي منه؛ ولذلك لم يكلف عباده ما يشق عليهم فيما لم تقصده قلوبهم ولم تتعمده نفوسهم؛ لأنه مما لا يدخل تحت سلطة الاختيار 68.

يستفاد من الآية مدى حلم الله وعفوه مما يوجب على العبد شكره عليها.

رابعًا: عدم المعاجلة بالعقوبة:

إن الله سبحانه وتعالى بحلمه ومغفرته وسعة رحمته يمهل الكفرة والظلمة والعصاة والمجرمين ولا يعاجلهم بالعذاب، ولو عاجلهم به لأهلكهم جميعًا، حتى لا يبقى على وجه الأرض أحد، ومن الحكمة في عدم المعاجلة بالعقوبة أن الكفرة قد يؤمنون، وأن عصاة المؤمنين قد يتوبون ويستغفرون، ولكنه جعل لهم أجلًا لا مهرب لهم منه ولا محيد لهم عنه، فهو سبحانه وتعالى يملي للظلمة ويمهلهم ولكنه لا يهملهم، ويغفر للمؤمنين ما شاء أن يغفر.

قال تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا} [الكهف: 58] .

فمن رحمة الله بالكفار أنه لم يعاجلهم بعذاب يستأصلهم، بل أمهلهم وتركهم؛ لأن لهم موعدًا لن يهربوا منه، ولن يفلتوا، ولن يكون لهم ملجأ يحميهم منه، ولا شك أن في إمهالهم في الدنيا حكمة لله بالغة، ولعل الله يخرج من ظهور هؤلاء من يؤمن به، ومن يحمل راية الدين ويدافع عنه، وقد حدث هذا كثيرًا في تاريخ الإسلام، فمن ظهر أبي جهل جاء عكرمة، وأمهل الله خالد بن الوليد، فكان أعظم قائد في الإسلام 69.

قال تعالى في آية أخرى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} [فاطر: 45] .

أي: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} ولو أنه عجل العقاب وأخذ الناس بجميع ذنوبهم، لأهلك جميع أهل السموات والأرض، وما يملكونه من دواب وأرزاق، لشؤم معاصيهم؛ ولكن يؤجل عقابهم ومؤاخذتهم بذنوبهم إلى وقت محدد وهو يوم القيامة، فيحاسبهم يومئذ، ويوفي كل عامل بعمله، فيجازي بالثواب أهل الطاعة، وبالعقاب أهل المعصية، والله بصير بمن يستحق منهم الثواب، ومن يستحق منهم العقاب، لا يخفى عليه شيء من أمرهم 70.

خامسًا: عفو الله عن كثير من الكسب:

من رحمة الله بعباده أنه لا يحاسب العباد بكل ما عملوا، بل يعفو عن كثير، قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى:30] .

حيث بين المولى عز وجل في هذه الآية أنه ما تقع من مصيبة في الناس في هذه الدنيا سواء كان في الأنفس أو الأهل أو الأموال فإنما يكون ذلك عقوبة من الله بما اجترحوه من الآثام مع عفو الله عن كثير منها 71.

قال الزحيلي: «أي: وما أصابكم أيها الناس من المصائب -وهي الأحوال المكروهة كالآلام والأسقام والقحط والغرق والصواعق والزلازل ونحوها- فإنما هي بسبب سيئات اقترفتموها، ومعاصٍ اقتحمتموها، فهي عقوبات الذنوب وكفاراتها، ويعفو الله عن كثير من معاصي العباد، فلا يعاقب عليها، وقد يكون المصاب لغير ذنب، وإنما لزيادة الأجر ورفع الدرجة» 72.

عن أبي هريرة أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المسلم، من نصبٍ ولا وصبٍ، ولا همٍّ ولا حزنٍ ولا أذًى ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها، إلا كَفَّرَ الله بها من خطاياه) 73.

وأكد المولى سبحانه وتعالى على هذه الحقيقة في آية أخرى، حيث يقول تعالى: {إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 33 - 34] .

أي: وإن يشأ يجعل الرياح عواصف فيهلك تلك السفن ويغرقها بمن فيها، بسبب ذنوب أصحابها، وهو على ذلك قدير، ويعفو عن كثير من الذنوب والخطايا، فلا يؤاخذ بها؛ إذ لو آخذ بكل ذنب ما بقي أحد على وجه الأرض لقلة من لا يذنب فيها 74.

سادسًا: الجزاء العاجل والآجل:

من حكمة الله في خلقه أنه يمهل ولا يهمل، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129] .

بين المولى عز وجل في هذه الآية أنه سلط الجن المردة على أوليائهم من الإنس، وعقد بينهم عقد الموالاة والموافقة، بسبب كسبهم وسعيهم بذلك، وبَيَّنَ كيف أنه ولَّى على كل ظالمٍ ظالمًا مثله، يَؤُزُّهُ إلى الشر ويحثه عليه، ويزهده في الخير وينفره عنه، وذلك من عقوبات الله العظيمة، الشنيع أثرها، البليغ خطرها، والذنب ذنب الظالم، فهو الذي أدخل الضرر على نفسه، وعلى غيره، فالعباد إذا كثر ظلمهم وفسادهم، ومنعهم الحقوق الواجبة، ولى عليهم ظلمة، يسومونهم سوء العذاب، ويأخذون منهم بالظلم والجور أضعاف ما منعوا من حقوق الله، وحقوق عباده، على وجه غير مأجورين فيه ولا محتسبين.

كما أن العباد إذا صلحوا واستقاموا، أصلح الله رعاتهم، وجعلهم أئمة عدل وإنصاف، لا ولاة ظلم واعتساف 75.

قال تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الرعد: 33] .

أي: أيكون الله الذي هو قائم رقيب على كل نفس صالحة أو طالحة بما كسبت، يعلم خيره وشره، ويعد لكل جزاءه، كمن ليس كذلك. أجعلتم له شركاء فسموهم له من هم ونبئوه بأسمائهم، أتنبئونه بشركاء لا يعلمهم في الأرض، وهو العالم بما في السموات والأرض، فإذا لم يعلمهم علم أنهم ليسوا بشيء يتعلق به العلم، والمراد نفى أن يكون له شركاء، وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها تدلل على أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأنصف من نفسه، فتبارك الله أحسن الخالقين 76.

لا شك أن للأعمال الصالحة عند الله ثوابًا عظيمًا في الدنيا والآخرة، أما الأعمال غير الصالحة فلها عقاب من عند الله، إما عقاب مستعجل في الدنيا، أو عقاب مؤجل إلى يوم القيامة.

أولًا: عاقبة كسب الصالحات في الدنيا والآخرة:

قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة: 201 - 202] .

جمعت هذه الدعوة كلَّ خير في الدنيا، وصرفت كلَّ شرٍّ فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي، من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا. وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب، وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا، من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام 77.

قال الطبري: «والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله -جل ثناؤه- أخبر عن قوم من أهل الإيمان به وبرسوله، ممن حج بيته، يسألون ربهم الحسنة في الدنيا، والحسنة في الآخرة، وأن يقيهم عذاب النار. وقد تَجْمَعُ الحسنة من الله عز وجل العافية في الجسم والمعاش والرزق وغير ذلك، والعلم والعبادة. وأما في الآخرة، فلا شك أنها الجنة؛ لأن من لم ينلها يومئذ فقد حرم جميع الحسنات، وفارق جميع معاني العافية.

وإنما قلنا: إن ذلك أولى التأويلات بالآية؛ لأن الله عز وجل لم يخصص من معاني الحسنة شيئًا، ولا نصب على خصوصه دلالة دالةً على أن المراد من ذلك بعض دون بعض، فالواجب من القول فيه ما قلنا: من أنه لا يجوز أن يُخَصَّ من معاني ذلك شيء، وأن يحكم له بعمومه على ما عمه الله» 78.

ثانيًا: عاقبة كسب السيئات في الدنيا والآخر:

لقد توعد الله الظالمين المفسدين في الأرض الذين يكسبون السيئات بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه: 124 - 127] .

قال تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81] .

يتوعد الله تبارك وتعالى بالعذاب الأليم أولئك المضللين من اليهود الذين يحرفون كلام الله، ويكتبون أمورًا من الباطل، وينسبونها إلى الله تعالى؛ ليتوصلوا بها إلى أغراض دنيوية سافلة، كما قال تعالى في آية أخرى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79] .

ينكر عليهم تبجحهم الفارغ بأنهم لا يعذبون بالنار مهما كانت ذنوبهم ما داموا على ملة اليهود إلا أربعين يومًا ثم يخرجون، وجائز أن يتم هذا لو كان هناك عهد من الله تعالى قطعه لهم به، ولكن أين العهد؟ إنما هو الادعاء الكاذب فقط، ثم يقرر العليم الحكيم سبحانه وتعالى حكمه في مصير الإنسان بدخول النار أو الجنة، ذلك الحكم القائم على العدل والرحمة، البعيد عن التأثير بالأنساب والأحساب، فيرد عليهم بأن الأمر ليس كما تدعون، وإنما هي الخطايا والحسنات فمن كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فخبثت نفسه ولوثتها، فهذا لا يلائم خبث نفسه إلا النار، أما الحسب والنسب والادعاءات الكاذبة فلا تأثير لها البتة 79.

وفي هذا رد على ادعاء اليهود بأنهم شعب الله المختار، وأنهم إنما خلقوا ليكونوا سادة، وكل من ليس على دينهم فهم عبيد لهم، بل ويتهمون كل من اعترض على أفعالهم الخبيثة بأنهم معادين للسامية.

ومن عاقبة كسب السيئات في الدنيا والآخرة ضياع الأعمال التي لا يبتغى بها وجه الله فيقول تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 264] .

والصفوان: هو الحجر الأملس، الذي لا مسام له يمكن أن تدركها العين المدركة، إنما يدرك الإنسان هذه المسام بوضع الحجر تحت المجهر. وعندما يكون الشيء ناعمًا قد يأتي عليه تراب، ثم يأتي المطر فينزل على التراب وينزلق التراب من على الشيء الأملس، فالذي ينفق ماله رئاء الناس، كالصفوان يتراكم عليه التراب، وينزل المطر على التراب فيزيله، كله فيفقدوا القدرة على امتلاك أي شيء؛ لأن الله جعل ما لهم من عمل هباءً منثورًا.

وهؤلاء كالحجر الصفوان الذي عليه تراب فنزل عليه وابل، أي: مطر شديد فتركه صلدًا. تلك هي صفات من قصدوا بالإنفاق رئاء الناس، فيبطل الله جزاءهم؛ لأن الله لا يوفقهم إلى الخير والثواب 80.

وقال تعالى في آية أخرى: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ} [إبراهيم: 18] .

هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار الذين عبدوا مع الله غيره، وكذبوا رسله، وبنوا أعمالهم على على غير أساس صحيح؛ فانهارت وعدموها أحوج ما كانوا إليها 81.

ومن صور عقوبة كسب السيئات في الدنيا والآخرة ما توعد الله به المنافقين بالتحقير في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة كما قال تعالى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [التوبة: 95] .

أي: سيؤكدون لكم اعتذارهم بما يحلفون به من كاذب الأيمان إذا انقلبتم من سفركم ورجعتم إليهم؛ لتعرضوا عن العتب عليهم، والتوبيخ لهم على قعودهم مع الخالفين من العجزة والنساء والأطفال، وعلى البخل بالنفقة والمال، فأعرضوا عنهم إعراض الإهانة والتحقير، لا إعراض الصفح وقبول العذر؛ لأن في نفوسهم قذرًا معنويًّا يجب الاحتراس منه خوف سريان عدواه، وميل النفوس إليه، كما يحترز صاحب الثوب النظيف من الأقذار الحسية التي ربما تصيبه إذا لم يحتط لها. وملجؤهم الأخير نار جهنم جزاء لهم بما كسبوا في الدنيا من أعمال النفاق وغيرها، مما دنس نفوسهم، وزادهم رجسًا على رجسهم 82.

ومن صور عقوبة كسب السيئات في الدنيا والآخرة عقوبة السارق والسارقة في الدنيا بقطع الأيدي، مع ما أعده الله لهم في الآخرة من العذاب المهين فقال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38] .

أي: اقطعوا أيديهما جزاء لهما بعملهما وكسبهما السيِّئ نكالا وعبرة لغيرهما، ولا عبرة أعظم من قطع اليد، فهو الذي يفضح صاحبه طول حياته ويَسِمُهُ بميسم العار والخزي، ولا شك أن هذه العقوبة أجدر بمنع السرقة وتأمين الناس على أموالهم وأرواحهم، فالأرواح كثيرًا ما تتبع الأموال إذا قاوم أهلها السراق، وحاولوا منعهم من أخذها، والله عزيز في انتقامه من هذا السارق والسارقة وغيرهما من أهل المعاصي، حكيم في صنعه فهو يضع الحدود والعقوبات بحسب الحكمة التي توافق المصلحة، فما أمر بأمر إلا وهو صلاح، ولا نهى عن أمر إلا وهو فساد 83.

ومن صور عقوبة كسب السيئات في الدنيا والآخرة عدم نزول البركات وقلة الخصب وكثرة الجدب، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96] .

لما ذكر تعالى أن المكذبين للرسل يبتلون بالضراء موعظة وإنذارًا، وبالسراء استدراجًا ومكرًا، ذكر أن أهل القرى، لو آمنوا بقلوبهم إيمانًا صادقًا صدقته الأعمال، واستعملوا تقوى الله تعالى ظاهرًا وباطنًا بترك جميع ما حرم الله، لفتح عليهم بركات السماء والأرض، فأرسل السماء عليهم مدرارًا، وأنبت لهم من الأرض ما به يعيشون وتعيش بهائمهم، في أخصب عيش وأغزر رزق، من غير عناء ولا تعب، ولا كد ولا نصب، ولكنهم لم يؤمنوا ويتقوا، فأخذوا بالعقوبات والبلايا ونزع البركات، وكثرة الآفات، وهي بعض جزاء أعمالهم، وإلا فلو آخذهم بجميع ما كسبوا، ما ترك عليها من دابة 84.

والناظر إلى واقع المسلمين اليوم يجدهم يعيشون في أزمات وبلايا وفتن وفقر، على الرغم مما تملكه الدول العربية والإسلامية من خيرات، وكل ذلك بسبب بعدها عن الدين، وعدم تطبيقها لشرعه الحنيف، وصدق الله العظيم إذ يقول: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] .

أي: ظهرت المصائب والابتلاءات مثل القحط، وقلة الأمطار، وكثرة الحرق والغرق، ومحق البركات من كل شيء بسبب معاصيهم وشركهم؛ ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن يعاقبهم بجمعها في الآخرة 85.

ومن صور عقوبة كسب السيئات في الدنيا والآخرة وقوع التلاعن والتبري والعداوة بين أهل النار مع بعضهم البعض بين السادة والعبيد، بين الأتباع والمتبوعين فقال تعالى: {وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} [الأعراف: 39] .

أي: يقول الرؤساء لأتباعهم: قد اشتركنا جميعًا في الغي والضلال، وفي فعل أسباب العذاب، فليس لكم علينا من فضل، ولكنه من المعلوم أن عذاب الرؤساء وأئمة الضلال أبلغ وأشنع من عذاب الأتباع، كما أن نعيم أئمة الهدى ورؤسائه أعظم من نعيم الأتباع، كما قال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} [النحل: 88] .

فهذه الآيات ونحوها، دلت على أنهم متفاوتون في مقدار العذاب، بحسب أعمالهم وعنادهم وظلمهم وافترائهم، وأن مودتهم التي كانت بينهم في الدنيا تنقلب يوم القيامة عداوة وملاعنة 86.

ومن صور عقوبة كسب السيئات في الدنيا والآخرة، إلباس الكافرين لباس الذلة والهوان، فهي مسودة كسواد الليل، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 27] .

أي: الذين عملوا السيئات في الدنيا فكفروا وعصوا الله، لهم جزاء أعمالهم السيئة التي عملوها بمثلها من عقاب الله في الآخرة، هؤلاء تغشاهم ذلة وهوان، لا أحد يعصمهم من الله ويمنعهم من عقوبته، كأنما ألبست وجوههم أجزاء من سواد الليل المظلم. هؤلاء هم أهل النار ماكثون فيها أبدًا 87.

ومن صور عقوبة كسب السيئات في الدنيا والآخرة أن الله توعد المنافقين المتخلفين عن رسول الله، الذين يضحكون كثيرًا في الدنيا بالبكاء الدائم والمستمر في نار جهنم، كما قال تعالى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [التوبة: 82] .

أي: فرح هؤلاء المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله، فليضحكوا فرحين قليلًا في هذه الدنيا الفانية بمقعدهم خلاف رسول الله ولهوهم عن طاعة ربهم، فإنهم سيبكون طويلًا في جهنم مكان ضحكهم القليل في الدنيا؛ ثوابًا منا لهم على معصيتهم، بتركهم النفر إذ استنفروا إلى عدوهم، وقعودهم في منازلهم خلاف رسول الله 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت