قال تعالى: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ(224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ? وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) [الشعراء:224 - 227] .
فأغلب الشعراء والمداحين إن أعطوا رفعوا الممدوح إلى السماء فيقع في العجب بنفسه، ولذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يثني على رجلٍ ويطريه في مدحه فقال: (أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل) 111.
فهذا الحديث يفهم منه تحريم المدح في الوجه؛ لأنه مظنة الاغترار والوقوع في العجب، وهذه صفات مهلكة لدين العبد. خاصة إذا كان يخشى عليه الفتنة، فيعتقد فضله؛ فربما تطرق لقلبه الكبر والرياء، وربما رأى أن له حقًّا على الناس وقدرًا، وربما ظن أنه فاق غيره من السابقين واللاحقين في الفضل، فاتكل على ذلك وترك العمل أو قصر فيه.
قال ابن بطال: «حاصل النهي هنا أنه إذا أفرط في مدح آخر بما ليس فيه لم يأمن على الممدوح العجب لظنه أنه بتلك المنزلة، فربما ضيع العمل والازدياد من الخير اتكالًا على ما وصف به» 112.
من صدق الإيمان والتقوى والخشية، ونحو ذلك مما يتعلق بالقلوب؛ لأنه مما لا يطلع عليها إلا علام الغيوب، وإن كان لا بد مادحًا فلا يجزم بذلك، بل يقول: أحسبه أو أظنه، ونحو ذلك من الألفاظ التي ليس فيها جزم.
وقد ضرب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في عدم اكتراثهم بالمدح، بل وعدم الاهتمام بمادحيهم، فعن همام بن الحارث أن رجلًا جعل يمدح عثمان رضي الله عنه فعمد المقداد رضي الله عنه فجثا على ركبتيه، وكان رجلًا ضخمًا فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان رضي الله عنه: ما شأنك؟
فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم المداحين، فاحثوا في وجوههم التراب) 113.
فالمقداد بن الأسود رضي الله عنه استعمل «الحديث على ظاهره في تناول عين التراب، وحثيه في وجه المادح، وقد يتأول أيضًا على وجه آخر، وهو أن يكون معناه: الخيبة والحرمان، أي: من تعرض لكم بالثناء والمدح، فلا تعطوه واحرموه» 114.
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها، فقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبدٌ، فقولوا عبد الله ورسوله) 115.
فـ «قوله: (لا تطروني) ، بضم التاء، من الإطراء، وهو المديح بالباطل، تقول: أطريت فلانا: مدحته فأفرطت في مدحه. وقيل: الإطراء مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه. قوله: (كما أطرت النصارى) ، أي: في دعواهم في عيسى بالإلهية وغير ذلك» 116.
قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ? إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى? مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ? فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ? وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ? انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ? إِنَّمَا اللَّهُ إِلَ?هٌ وَاحِدٌ ? سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ? لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ? وَكَفَى? بِاللَّهِ وَكِيلًا ?171?) [النساء:171] .
وعن خالد بن ذكوان عن الربيع بنت معوذ، قالت: دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم غداة بُنِيَ عَلَيَّ، فجلس على فراشي كمجلسك مني، وجويريات يضربن بالدف، يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر، حتى قالت جارية: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقولي هكذا وقولي ما كنت تقولين) 117.
ففي هذا الحديث أنكر النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكر من الإطراء بادعاء أنه صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب، أو أنه يقدر على دفع الضر أو جلب النفع، فهو صفة تختص بالله تعالى.
فمن مدح ظالمًا وهو يعلم فقد شاركه في ظلمه؛ لأن الله حرم الركون إلى الظالمين وتوعد من يفعله بعذاب النار، وأنه لن يجد له ناصرًا في تلك الحالة.
يقول تعالى: (لَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) [هود:113] .
وعن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقولوا للمنافق: سيدنا؛ فإنه إن يك سيدكم فقد أسخطتم ربكم عز وجل) 118.
فنهوا عن تعظيم المنافق، ولو كان هذا التعظيم لقدره الدنيوي، فبمدحهم له يعظمون من أهانه الله، ومن يهن الله فما له من مكرم، وإن كان ليس كما قالوا فقد أضافوا إلى ذلك الكذب المحرم، ففرعون لما أعانه قومه على ظلمه بكثرة مدحهم له بالباطل وقالوا له غرورًا وباطلًا: (أَتَذَرُ مُوسَى? وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَك [الأعراف:127] .
دفعه ذلك لأن قال: (سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) [الأعراف:127] .
وما زالوا يمدحونه حتى قال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى? ?) [النازعات:24] .
فما كان له إلا الهلاك (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى) [النازعات:25] .
فلا ينبغي أن يمدح الظالمون مهما كانت مكانتهم.
وهو مدخل من مداخل الشيطان إلى القلوب والعياذ بالله، فمن علم أن المتفرد بالعطاء أو المنع هو الله وحده وأنه الذي يرزق العبد بسببٍ وبلا سببٍ ومن حيث لا يحتسب لم يمدح مخلوقًا على رزق، ولم يذمه على منع، بل يفوض أمره إلى الله ويعتمد عليه في أمر دينه ودنياه.
قال تعالى: (مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ? وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ? وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [فاطر:2] .
وقد وردت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يفهم منها إباحة المدح، وأخرى يفهم منها النهي عن ذلك، ولا تتعارض بين هذه الأحاديث؛ فلكل منهما أسبابه التي ترجع إلى شخص الممدوح وفعله، وإلى شخص المادح.
وقد جمع بينهما النووي، فقال: «قال العلماء: وطريق الجمع بينها: أن النهي محمول على المجازفة في المدح، والزيادة في الأوصاف، أو على من يخاف عليه فتنة من إعجاب ونحوه إذا سمع المدح.
وأما من لا يخاف عليه ذلك لكمال تقواه، ورسوخ عقله ومعرفته، فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه مجازفة، بل إن كان يحصل بذلك مصلحة كنشطه للخير، والازدياد منه، أو الدوام عليه، أو الاقتداء به، كان مستحبًّا، والله أعلم» 119.
نخلص من هذا المبحث: أن هناك ضوابط متعلقة بالمدح، وأيضًا ضوابط متعلقة بالمادح، وأخرى متعلقة بالممدوح.
أولًا: الضوابط المتعلقة بالمدح:
ثانيًا: الضوابط المتعلقة بالمادح:
ثالثًا: الضوابط المتعلقة بالممدوح:
مدح النماذج الطيبة له أثر طيب في نفوس المخاطبين حيث يجعل منهم قدوة صالحة يحتذى بها في الصلاح والخير لما يمتازون به من صفات، وأبرز الخصال والصفات الحميدة تكون فيمن لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهم الملائكة المقربون، وكذلك تكون فيمن اصطفاهم الله واختارهم لتبليغ وحيه إلى خلقه، وهم الأنبياء والمرسلون، ثم تكون فيمن تحمل الرسالة عنهم، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان.
أولًا: مدح الملائكة عليهم السلام:
الملائكة جمع ملك، وهو «جسم لطيف نوراني يتشكل باشكال مختلفة» 120.
ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن بوجودهم، وبما ورد في حقهم من صفات وأعمال.
وقد مدح الله تعالى الملائكة فوصفهم بأنهم كرام.
قال تعالى: (ڑ كِرَامٍ بَرَرَةٍ) [عبس:16] .
فهم كرام على الله، كما قال تعالى: (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ) [الأنبياء:26] .
وهم أبرار أطهار لا يقارفون ذنبًا، ولا يجترحون إثمًا، كما قال سبحانه: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم:6] .
فخلقهم كريم حسن شريف، وأخلاقهم وأفعالهم بارة طاهرة كاملة. وقد أوجب الله تعالى الإيمان بهم، فقال تعالى: (وَلَ?كِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ?) [البقرة:177] .
وشنع على من جحد بهم وكفر فقال تعالى: (ڑ ڑوَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) [النساء:136] .
ولولا ما فيهم من التفضيل والتكريم والصفات الحميدة ما كانوا أهلًا للإيمان والتصديق وهذا غاية المدح والثناء لهم.
ومدحهم بوصفهم بالمقربين، كما في قوله تعالى: (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ? وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا) [النساء:172] .
وقوله تعالى: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ?18?وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ?19?كِتَابٌ مَرْقُومٌ ?20?يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ?21?) [المطففين: 18 - 21] .
«يعني: الملائكة الذين هم في عليين، يشهدون ويحضرون ذلك المكتوب أو ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين» 121.
وهذا في غاية المدح لهم.
وقد ورد لفظ الملائكة في (ثمانية وستين) موضعًا في القرآن الكريم 122.
وأخص الملائكة بالتشريف والتكريم: جبريل وميكائيل عليهما السلام، فقد خصهما الله تعالى بالذكر بعد ذكر الملائكة إجمالًا في قوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى? قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى? لِلْمُؤْمِنِينَ) [البقرة:97] .
وخصا بالذكر؛ لأن الله تعالى خصهما بالحياة فجبريل بالوحي الذي هو حياة القلوب، وميكائيل بالرزق الذي هو حياة الأبدان ولأنهما كانا سبب النزول في تصريح اليهود بعداوتهما، وقُدِّمَ جبريل عليه؛ لأن حياة القلوب أعظم من حياة الأبدان 123.
وجبريل عليه السلام هو أكثر الملائكة ذكرًا في القرآن الكريم باسمه ولقبه، حيث لقبه الله تعالى بالروح الأمين في قوله تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) [الشعراء:193] .
وبالروح في قوله تعالى: (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى? مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ) [النحل:2] .
وبروح القدس في قوله تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى? لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل:102] .
وبشديد القوى في قوله تعالى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) [النجم:5] .
فعبر الله تعالى عنه بالروح؛ «لأنه يحيي به الخلق في باب الدين، أو لأنه روح كله لا كالناس الذين في أبدانهم روح، ووصف عليه السلام بالأمين؛ لأنه أمين وحيه تعالى وموصوله إلى من شاء من عباده جل شأنه من غير تغيير وتحريف أصلا» 124.
ففي مدحه بقوله: (الأمين) دلالة على منزلته ومكانته، قال ابن كثير: «أي نزل به ملك كريم أمين ذو مكانة عند الله مطاع في الملأ الأعلى» 125.
وسمي بروح القدس «لأنه سبب حياة الدين كما أن الروح سبب حياة البدن، ولأنه الغالب عليه الروحانية، ولأنه لم تضمه أصلاب الفحول ولا أرحام الأمهات» 126.
قال الألوسي: «وأطلق عليه ذلك من حيث إنه ينزل بالقدس من الله تعالى، أي: مما يطهر النفوس من القرآن والحكمة والفيض الإلهي» 127.
ومدحه بشدة القوة في قوله تعالى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٹ) [النجم:5] .
أي: «هو كثير القوى عظيم القدرة» 128.
وقد مدح الله تعالى الملائكة وأثنى عليهم في مواضع متعددة وأفعال شتى، منها:
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) [الأعراف:206] .
ففي الآية تنبيه للمخاطبين «لئلا يكونوا من الغافلين؛ ولهذا مدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لايفترون» 129.
فـ «الملائكة في الملكوت الأعلى (لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ) أي: طاعته بما كلفهم به ووظفهم فيه (وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) فتأس بهم ولا تكن من الغافلين» 130.
قال تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ?49?يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ? ?50?) [النحل:49 - 50] .
ففي الآية تفصيل لصفاتهم بعدم التكبر والخوف فهم خاضعون طائعون مستمرون على ذلك، فكلما تجددت دواعي الخوف والأمر فهم يخافون ويفعلون، وفي هذا مدح لكمال طاعتهم وتمام انقيادهم لأمر الله تعالى.
قال تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَ?نُ وَلَدًا ? سُبْحَانَهُ ? بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ(26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) [الأنبياء:26 - 27] .
فقد زعم المشركون أن الملائكة بنات الله عز وجل زورًا وبهتانًا، «فنزه تعالى نفسه عن هذا النقص فقال: (ٹسُبْحَانَهُ) وأبطل دعواهم وأضرب عنها فقال: (? بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ) أي: فمن نسبوهم لله بنات له هم عباد له مكرمون عنده، ووصفهم تعالى بقوله: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ) فهم لكمال عبوديتهم لا يقولون حتى يقول هو سبحانه وتعالى، وهم يعملون بأمره فلا يقولون ولا يعملون إلا بعد إذنه لهم» 131.
وذلك باقترانهم بالشهادة الإلهية في التوحيد في أشرف مقامات الثناء.
قال تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ?) [آل عمران:18] .
أي: والملائكة يشهدون، وهذا غاية المدح. وكذلك مدحهم بشهادتهم على إنزال القرآن.
قال تعالى: (لَ?كِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ ? أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ? وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ) [النساء:166] .
وقال تعالى في بيان مكانتهم عنده: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَ?نُ وَلَدًا ? سُبْحَانَهُ ? بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ) [الأنبياء:26] .
وقال: (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ?) [النساء:172] .
فدلت الآيتان على أنهم مكرمون مفضلون على سائر العباد، فهم مكرمون عنده، في منازل عالية ومقامات سامية، وهم له في غاية الطاعة قولًا وفعلًا.
ثانيًا: مدح الرسل عليهم السلام:
اصطفى الله عز وجل الرسل وزكَّاهم، فكانوا أمناء لتبليغ الوحي، وقد صرَّح القرآن الكريم باسم خمسة وعشرين نبيًّا، وذكر غيرهم تضمينًا، وقد سمى الله تعالى ست سور من القرآن بأسمائهم، وهي: سورة يونس، وسورة هود، وسورة يوسف، وسورة إبراهيم، وسورة محمد، وسورة نوح.
وقد اصطفى الله تعالى منهم خمسة هم أولو العزم، وقد صرح القرآن بأسمائهم جميعًا في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى? وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ? وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ?7?) [الأحزاب:7] .
«فقد دخل هؤلاء المذكورون في جملة النبيين ولكنه خصهم بالذكر تنويهًا بشأنهم وتشريفًا لهم» 132.
وهذا يناسب دعوتهم وجهادهم مع أقوامهم وما تحملوه من الشدة والقسوة والإيذاء في سبيل دعوة الحق، إذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهم في خلق الصبر.
وقد مدح الله تعالى الأنبياء والمرسلين في كثير من الصفات التي تحلوا بها، ومنها:
المتتبع لآيات القرآن الكريم يجد أن الله عز وجل مدح رسله وأنبيائه على عبوديتهم وشكرهم له سبحانه وتعالى، فمدح نوحًا عليه السلام بصفتي العبودية والشكر فقال تعالى: (? إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) [الإسراء:3] .
فجاءت هذه الآية بأجل صفات الخضوع، وهي: العبودية وشكر المنعم عز جل على كل حال، التي كانت سببًا لنجاة نوح ومن معه من الهلاك، وفي هذا تحريض على التأسي بهم، وفي تخصيصه بالشكر تنبيه على أن توفية شكر الله صعب، ولذلك لم يثن الله بالشكر من أوليائه إلا على القليل. وقال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: (شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ ?) [النحل:121] .
وقال تعالى في حق آل لوط: (كَذَ?لِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ [القمر:35] .
«أي: مثل هذا الجزاء بالنجاة من الهلاك نجزي من شكرنا بالإيمان والطاعة» 133.
ويصف الله تعالى نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم بصفة العبودية في قوله تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى? بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ? إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الإسراء:1] .
قال ابن كثير: «هذه صفة مدح وثناء؛ لأنه أضافه إلى عبوديته، كما وصفه بها في أشرف أحواله، وهي ليلة الإسراء، فقال: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى? بِعَبْدِهِ لَيْلًا) [الإسراء:1] .
وكما وصفه بذلك في مقام الدعوة إليه: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) [الجن:19] .
وكذلك وصفه عند إنزال الكتاب عليه ونزول الملك إليه، فقال: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى? عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا(1 ) ) » 134، وهاتان الصفتان هما كذلك في كل الأنبياء.
من يتتبع آيات القرآن يجد أن الله عز وجل مدح رسله وأنبياءه على تبليغهم الرسالات وما لاقوا في سبيل نشرها.
قال تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ? وَكَفَى? بِاللَّهِ حَسِيبًا) [الأحزاب:39] .
ففي هذه الآية «يمدح تعالى (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ) أي: إلى خلقه ويؤدونها بأمانتها (وَيَخْشَوْنَهُ ) ) أي: يخافونه ولا يخافون أحدًا سواه فلا تمنعهم سطوة أحد عن إبلاغ رسالات الله (كَفَى? بِاللَّهِ حَسِيبًا ) ) أي: وكفى بالله ناصرًا ومعينًا، وسيد الناس في هذا المقام محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب، إلى جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع، فإنه قد كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وأما هو، صلوات الله عليه، فإنه بعث إلى جميع الخلق عربهم وعجمهم (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) [الأعراف:158] .
ثم ورث مقام البلاغ عنه أمته من بعده، فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه رضي الله عنهم، بلغوا عنه كما أمرهم به في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، في ليله ونهاره، وحضره وسفره، وسرِّه وعلانيته، فرضي الله عنهم وأرضاهم.
ثم ورثه كل خلف عن سلفهم إلى زماننا هذا، فبنورهم يقتدي المهتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفقون. فنسأل الله الكريم المنان أن يجعلنا من خلفهم» 135.
وهذا نوح عليه السلام مدحه الله تعالى في صبره على تبليغ رسالته، وأنزل تكذيب قومه له بمنزلة تكذيب جميع الرسل.
قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) [الشعراء:105] .
قال ابن كثير: «هذا إخبار من الله عز وجل عن عبده ورسوله نوح عليه السلام، وهو أول رسول بعث إلى الأرض بعدما عبدت الأصنام والأنداد، بعثه الله ناهيًا عن ذلك، ومحذرًا من وبيل عقابه، فكذبه قومه واستمروا على ما هم عليه من الفعال الخبيثة في عبادتهم أصنامهم، ويتنزل تكذيبهم له بمنزلة تكذيب جميع الرسل» 136.
وهذا ثناء ومدح عظيم من الله عز وجل، كما أن فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم في دعوته، وهذه الصفة هي كذلك في كل الأنبياء.
مدح الله تعالى خليله إبراهيم عليه السلام بقوله: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى?) [النجم:37] .
مبالغة في الوفاء، قال ابن عباس رضي الله عنه: ما ابتلي أحد بهذا الدين فقام به كله غير إبراهيم، ابتلي بالإسلام فأتمه، فكتب الله له البراءة فقال: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى?) [النجم:37] 137.
فجاء المدح في الوفاء من الله عز وجل بيانًا لأمر جليل نال به هذا الثناء والتكريم في دعوته وتبليغ قومه، وهو إعلاء كلمة التوحيد ونبذ الأوثان والأصنام التي يعبدها قومه، والبراءة من الشرك والكفر مع أقرب الناس إليه؛ ليكون في موطن الاقتداء ونموذجًا في الوفاء الإيماني الذي ينبع منه كل خُلُقٍ نبيلٍ، وهذه الصفة هي كذلك في كل الأنبياء.
مدح الله تعالى الخليل إبراهيم عليه السلام بقوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) [التوبة:114] .
وبقوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) [هود:75] .
فالآية الأولى جاءت بعد بيان الله عز وجل لعلة استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه، فلما ثبت في علم الله عز وجل أنه كافر عدوٌّ لله في المعتقد أعلن إبراهيم عليه السلام البراءة منه، فجاء المدح الإلهي لهذا الموقف الحاسم في الجانب العاطفي والتوجه إلى الحق جل وعلا بصفتي أواه حليم «وهو الذي يكثر التأوه، ومعناه: أنه لفرط ترحمه ورقته وحلمه كان يتعطف على أبيه الكافر ويستغفر له مع شكاسته عليه وقوله: لأرجمنك» 138.
«والحليم: الصفوح عمن سبه أو ناله بالمكروه، كما قال لأبيه عند وعيده وقوله: (ھ ے ے قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ? لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ? وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ?46?) [مريم:46 - 47] 139، فهي صفة ثابتة فيه.
أما الآية الثانية فقد وردت في قصته عليه السلام مع الملائكة ومحاورته معهم في قصة هلاك قوم لوط عليه السلام بعد البشرى بإسحاق ويعقوب عليهما السلام، فجاءت الآية لتبين أن إبراهيم عليه السلام حليم «غير عجول على كل من أساء إليه أواه كثير التأوه من الذنوب، منيب تائب راجع إلى الله بما يحب ويرضى.
وهذه الصفات دالة على رقة القلب والرأفة والرحمة، فبين أن ذلك مما حمله على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع عنهم العذاب، ويمهلوا لعلهم يحدثون التوبة والإنابة كما حمله على الاستغفار لأبيه» 140، فقدم المدح بالحلم لأنها «صفة تقتضي الصفح واحتمال الأذى» 141.
ثم أعقبها في المدح بـ (أَوَّاهٌ) «وهو كناية عن شدة اهتمامه بهموم الناس» 142.
ثم ختم بذكر الإنابة مدحًا للخليل عليه السلام التي تعني الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة وإخلاص العمل، «وهذا مدح عظيم من الله تعالى لإبراهيم عليه السلام» 143.
وهذه الصفات هي كذلك في كل الأنبياء.
مدح الله تعالى يوسف عليه السلام على لسان عزيز مصر: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ? فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ?54?) [يوسف:54] .