فهرس الكتاب

الصفحة 1177 من 2431

ظاهر النصوص والواضح من منطوق الآيات السابقة أن لحد القذف عقوبتين: عقوبة في الدنيا هي إقامة الحد، وعقوبة في الآخرة هي اللعنة والعذاب العظيم والفضيحة بشهادة أعضائهم عليهم، علاوة على الحسرة والندامة بجديد العلم من أحوال الآخرة الظاهرة وما ينكشف من أمرها عيانًا بيانًا وسنفصل الحديث في هذا من خلال المطلبين التاليين:

أولًا: عاقبته في الدنيا:

قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ?4?) [النور: 4] .

أفاد بلفظه ثلاث عقوبات: عقوبة بدنية من إقامة الحد بجلده ثمانين جلدة، وعقوبتان معنويتان بعدم قبول شهادته، والحكم بفسقه.

1.الجلد.

أثبت الله عز وجل عقوبة القاذف ثمانين جلدة، ويتبين لنا من هذه الآية الكريمة أن المراد بالرمي في قوله: (يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) ، هو الرمي بالزنى، أو ما يستلزمه كنفي النسب، وأن عموم هذه الآية ظاهر في شموله لزوج المرأة إذا رماها بالزنى، فقوله (وَالَّذِينَ) من ألفاظ العموم، وقوله: (الْمُحْصَنَاتِ) من ألفاظ العموم، فدخل فيهما كل قاذف بالزنى 126، وكل مقذوفة سواء أكانت زوجةً أم لا، ولذلك لما قذف هلال بن أمية امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك ابن سحماء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (البينة أو حد في ظهرك) 127، فأجرى عليه النبي صلى الله عليه وسلم لفظ العموم، وطالبه بالبينة، فقال هلال: والذي بعثك بالحق، إني لصادق، فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ? إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ?6?وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ?7?) [النور:6 - 7] . فوقعت الملاعنة بينه وبين امرأته، ونص الحديث أن الآية الأخرى وهي المخصصة نزلت متراخيةً عن اللفظ العام في الآية الأولى، وبين الله جل وعلا فيها أن زوج المرأة إذا قذفها بالزنى خارج من عموم هذه الآية، وأنه إن لم يأت الشهداء، تلاعنا، كما في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ) [النور: 6] 128.

قال القرطبي: «قال أبو جعفر النحاس: من أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية إنه عامٌ لجميع الناس؛ القذفة من ذكر وأنثى، ويكون التقدير: إن الذين يرمون الأنفس المحصنات؛ فدخل في هذا المذكر والمؤنث ... إلا أنه غلب المذكر على المؤنث 129.

ثم إن الله بين كونهن مؤمنات غافلات لإيضاح صفاتهن الكريمة، وذلك في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ?23?يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ?24?يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ?25?) [النور:23 - 25] .

ووصفه تعالى للمحصنات في هذه الآية بكونهن غافلان ثناء عليهن بأنهن سليمات الصدور نقيات القلوب لا تخطر الريبة في قلوبهن لحسن سرائرهن، ليس فيهن دهاء ولا مكر؛ لأنهن لم يجربن الأمور فلا يفطن لما تفطن له المجربات ذوات المكر والدهاء، وهذا النوع من سلامة الصدور وصفائها من الريبة من أحسن الثناء، وتطلق العرب على المتصفات به اسم البله مدحًا لها لا ذمًا 130.

اتفق العلماء على وجوب الحد بالتصريح بالقذف، واختلفوا في التعريض به، وحاصل حجة من قالوا بأن التعريض بالقذف لا يوجب الحد: أن التعريض محتمل لمعنى آخر غير القذف، وكل كلام يحتمل معنيين لم يكن قذفًا.

وذهب جماعة آخرون من أهل العلم إلى أن التعريض بالقذف يجب به الحد، وهو مذهب مالك وأصحابه. وروى الأثرم وغيره، عن الإمام أحمد أن عليه الحد، يعني المعرض بالقذف، قال: وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه، وبه قال إسحاق إلى أن قال: وقال معمر: إن عمر كان يجلد الحد في التعريض.

واحتج أهل هذا القول بأدلة منها ما ذكره القرطبي، قال: والدليل لما قاله مالك: هو أن موضوع الحد في القذف، إنما هو لإزالة المعرة التي أوقعها القاذف بالمقذوف، وإذا حصلت المعرة بالتعريض، وجب أن يكون قذفًا كالتصريح والمعول على الفهم 131.

2.عدم قبول شهادته.

ولما كان رمي المحصنات من أعظم الإثم في النيل من عرضهن، وحيث لم يأتوا بالبينة على رميهم لهن بالشهود، كان الجزاء من جنس العمل؛ ألا تقبل لهم شهادة أبدًا، لا في هذا الجانب ولا في غيره، فالشهادة كل لا يتجزأ.

ذهب الشعبي والضحاك وغيرهم إلى أن المحدود في القذف وإن تاب لا تقبل شهادته 132؛ لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ?4?) [النور:4] .

واختلف الفقهاء اختلافًا كبيرًا في قبول شهادة القاذف بعد التوبة، يراجع في كتب الفقه وخلاصته: أن المقرر في أصول المالكية، والشافعية والحنابلة أن الاستثناء إذا جاء بعد جمل متعاطفات، أو مفردات متعاطفات، أنه يرجع لجميعها إلا لدليل من نقل أو عقل يخصصه ببعضها 133، والله عز وجل أمر بضرب شاهد الزور ثمانين جلدة حدًا على شهادة الزور؛ وأمر أن لا تقبل شهادته؛ وسماه فاسقًا؛ ثم استثنى حال التوبة، والاستثناء في سياق الكلام يرجع إلى أول الكلام وآخره؛ إلا أن يفرق بين ذلك خبر، وقد روي قبول شهادة القاذف، بعد توبته عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعن ابن عباس رضي الله عنه، وعن عطاء وطاوس ومجاهد، وسئل الشعبي عن القاذف فقال: يقبل الله توبته ولا تقبلون شهادته؟! 134. أما الإمام أبو حنيفة فيقول برجوع الاستثناء للجملة الأخيرة فقط فينتفي عنه الفسق حال التوبة ولا تقبل شهادته على التأبيد 135.

3.الحكم عليه بالفسق.

وشأن الفاسق أن يعتزله الناس وينبذه المجتمع، والمحدود في القذف ليس من أهل الولاية ولا الشهادة عند الحنفية، ففسقه مؤبد عندهم لا ترفعه توبته، وهو بمثابة الفاسق قبل التوبة عند الجمهور، إلا في مسألة واحدة وهي صحة حلفه أيمان القسامة كالعد، وإذا ثبت فسق المرء لم يقبل خبره في أمور الديانة، ولا تقبل فتاواه إن كان عالمًا. ولا تصح في الولايات المالية، كالنظر على الوقف، والوصية، والعمل على الزكاة وخرص الثمار، وكذا الولاية على النفس، وهكذا ولاية القضاء، لا تصح ولايته، وإذا ولي وحكم لم ينفذ حكمه، وعلى الإمام تعيين قاض آخر مكانه؛ يتصفح قضاءه السابق، فما وافق الحق أمضاه، وما جانبه نقضه. أما الولاية الكبرى فلا تصح تولية الفاسق فيها، ولا العهد إليه بها، وشهادة الفاسق مردودة مطلقًا سواء كان فسقه بارتكاب كبيرة، أو ببدعة، وإذا قبل الحاكم شهادته وحكم به لم يصح الحكم، وكل هذا وغيره الكثير مظانه في كتب الفقه.

ثانيًا: عاقبته في الآخرة:

ذكر الله عز وجل عاقبة رمي المحصنات في الآخرة بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ?23?يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ?24?يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ?25?) [النور:23 - 25] .

ولم يغلظ الله تعالى في القرآن في شيء من المعاصي تغليظه في إفك ما رميت به عائشة رضي الله عنها فأوجز في ذلك وأشبع وفصل وأجمل وأكد وكرر، وما ذلك إلا لأمر عظيم 136، لم يذكر فيه توبة 137، ثم رتب عليه اللعنة في الآخرة وهي الطرد من رحمة الله، حيث يلعنهم اللاعنون من المؤمنين والملائكة أبدًا 138.

وفي هذه الآية دليل على كفر من سب، أو اتهم زوجة من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بسوء، ولهم مع ذلك عذابٌ عظيم هائل لا يقادر قدره؛ لعظم ما اقترفوه من الجناية، إن لم يتوبوا، فيعذبون 139.

واستحقاق هذا العذاب يدل على أن جريمتهم من كبائر الذنوب، بل ومن السبع الموبقات كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث: (اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) 140.

ومن العقوبة في الآخرة تقرير الحساب وما يتم فيه من استنطاق واستجواب 141 ومن نوقش الحساب عُذب العذاب العظيم، الذي لا تحيط العبارة بوصفه 142. بالإضافة إلى الفضيحة بين يدي الخلائق يوم القيامة والندم والحسرة.

ففي إحصان الرجم: جعل الإسلام الزواج هو أقصر طريق لتحصن المسلم وتحقيق العفة وأسلم طريقة لإرواء الغريزة وإشباعها ليهدأ البدن من الاضطراب، وتسكن النفس عن الصراع، ويكف النظر عن التطلع إلى الحرام، وتطمئن العاطفة إلى ما أحل الله لها، وتحصل بأكمل الجهات وهو النكاح الصحيح فيعتبر حصولها من كامل آيات الله 144.

وهذا هو ما أشارت إليه الآية الكريمة: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم:21] .

وبذلك يصلح أفراد المجتمع وينبثق من هذا الصلاح مجتمع قوي متماسك نظيف عفيف.

شرع الله الزواج لحكم سامية، وغايات نبيلة، وفوائد جليلة، ومنافع كثيرة دنيا وأخرى، وهو من هدي القرآن للتي هي أقوم 145، وأمر بتيسير أسبابه؛ لأنه هو الطريق السليم للتناسل، وعمران الأرض بالذرية الصالحة. ولم يشأ الله تبارك وتعالى أن يترك الإنسان كغيره من المخلوقات. فيدع غرائز تنطلق دون وعي. ويترك الاتصال بين الذكر والأنثى فوضى لا ضابط له، كما هو الحال عند الحيوان. بل وضع النظام الملائم الذي يحفظ للإنسان كرامته، ويصون له شرفه. فجعل اتصال الرجل بالمرأة اتصالًا نظيفًا طاهرًا قائمًا على أساس التراضي والتفاهم. وبهذا وضع للغريزة طريقها المأمون، وحمى النسل من الضياع، وصان المرأة أن تكون دميةً بين أيدي العابثين أو كلًا مباحًا لكل راتع.

ومن جمال التشريع القرآني أن ضبط هذه الغريزة مرتبط بالإيمان؛ إذ الزنا عديل الشرك في القبح والإيمان قرين العفاف والتحصن 146.

مجتمع يقوم على هذا الأساس الأخلاقي والتشريع السامي تنتشر فيه العفة، ويزكو فيه الإحصان وتتماسك لبناته ويستعصي على الاختراق من أعدائه، لذلك جاء التشريع بتيسير أسباب الزواج، وتسهيل طرقه، لتجري الحياة على طبيعتها وبساطتها، وأمر بإزالة جميع العقبات من وجهه، ولا يجوز أن يكون الفقر عائقًا في طريق بناء البيوت، وتحصين النفوس بالتزويج، وقد تكفل الله عز وجل بإغنائهم إن هم اختاروا طريق العفة النظيف {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور:32] .

ويجب على الأمة أن تعينهم على الزواج، وأن تهيئ لهم أسبابه، وتبذل كل ما لديها من جهودٍ حتى لا يبقى في المجتمع عضو أشل، أو عضو غير نافع 147.

وإلى أن تتهيأ للشباب فرصة الزواج، جاء الأمر الإلهي لهم بالاستعفاف عن الحرام حتى يغنيهم الله من فضله {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:33] .

والاستعفاف طلب العفة، والمعنى ليجتهد في العفة وقمع الشهوة، وفي الآية إرشاد للعاجزين عن مبادي النكاح وأسبابه إلى ما هو أولى لهم وأحرى بهم بعد بيان جواز مناكحة الفقراء، والعفة حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة، والمتعفف المتعاطي لذلك بضرب من الممارسة والقهر 148.

ومن الكذب والزور ما يقوله بعض أدعياء العلم اليوم من أن الكبت والحرمان يولدان عن الإنسان عقدًا نفسية وأضرارًا جسمية، وأن عليه أن يخفف طغيان الغريزة بالاتصال الجنسي ولو عن طريق البغاء.

إنهم يجعلون الزنى ضرورة اجتماعية لاتقاء الأمراض الجسدية والتخلص من أضرار الكبت والحرمان ويزعمون أن هذا هو الطريق السليم، لمعالجة طغيان الغريزة، وحماية الإنسان من العقد النفسية، التي قد تؤدي به إلى الجنون.

وهذا النهي عن إكراه الفتيات على البغاء - وهن يردن العفة - ابتغاء المال الرخيص، كان جزءًا من خطة القرآن في تطهير البيئة الإسلامية، وإغلاق السبل القذرة للتصريف الجنسي، ذلك أن وجود البغاء يغري الكثيرين لسهولته ولو لم يجدوه لانصرفوا إلى طلب هذه المتعة في محلها الكريم النظيف 149.

أما ما يقال من أن البغاء صمام أمن يحمي البيوت الشريفة؛ لأنه لا سبيل لمواجهة الحاجة الفطرية إلا بهذا العلاج القذر عند تعذر الزواج، أو تهجم الذئاب المسعورة على الأعراض إن لم تجد هذا الكلأ المباح، أو ما يقال باسم الحرية الشخصية، فالتفكير على هذا النحو قلبٌ للأسباب، فالميل الجنسي يجب أن يظل نظيفًا، بريئًا موجهًا إلى إمداد الحياة بالأجيال الصالحة، وعلى الجماعات أن تصلح نظمها الاقتصادية بحيث يكون كل فرد فيها في مستوى يسمح له بالحياة المعقولة وبالزواج، فإن وجدت بعد ذلك حالات شاذة عولجت هذه الحالات علاجًا خاصًا، وبذلك لا يحتاج إلى البغاء وإلى إقامة مقاذر إنسانية يمر بها كل من يريد أن يتخفف من أعباء الجنس فيلقي فيها بالفضلات تحت سمع الجماعة وبصرها 150.

إن النظم الاقتصادية هي التي يجب أن تعالج بحيث لا تخرج مثل هذا النتن. ولا يكون فسادها حجةً على ضرورة وجود المقاذر العامة في صور آدمية ذليلة ... وهذا يصنعه الإسلام بنظامه المتكامل النظيف، العفيف، الذي يصل الأرض بالسماء ويرفع البشرية إلى الأفق المشرق الوضيء المستمد من نور الله 151.

أما المجتمعات التي تنظم بيوت الدعارة باسم الحرية وتحت حماية القانون بشكل فاضح مكشوف، فسرعان ما تنهار وتتفشى فيها الأمراض والأوجاع، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ما ظهرت الفاحشة في قوم فعملوا بها إلا أصيبوا بالأمراض والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم) 152.

وهذا من أعلام النبوة 153.

أما من حيث العقوبة والتي من خصائصها في الشريعة الإسلامية أنها جوابر وزواجر ففرقت الشريعة الإسلامية بين حد البكر فخفففت العقوبة في الأول فجعلتها مائة جلدة، وغلظت العقوبة في الثاني فجعلتها الرجم بالحجارة حتى الموت، وذلك لأن جريمة الزنى بعد الإحصان التزوج أشد وأغلظ من الزنى المحض في نظر الإسلام فالجريمة التي يرتكبها رجل محصن من امرأة محصنة عن طريق الفاحشة أشنع وأقبح من الجريمة التي يرتكبها مع البكر؛ لأنه قد أفسد نسب غيره ودنس فراشه وسلك لقضاء شهوته طريقًا غير مشروع مع أنه كان متمكنًا من قضائها بطريق مشروع فكانت العقوبة أشد وأغلظ 154.

أما إحصان القذف: فصورة الفرد في الإسلام محصن بالإسلام، حريته مقيدة بالشرع ليست حرية حيوانية مطلقة، عف اللسان لا يتطاول على أعراض الناس، محاط بتشريعات تحافظ عليه أولًا من أن ينفلت إلى الهاوية التي يخسر بها الدنيا والآخرة، كما تحافظ على المجتمع الذي يعيش فيه بحيث تصلح البيئة بما يصلح به الفرد، قال الله تعالى {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:4] .

ويهدف هذا الحد إلى صون أفراد المجتمع، ووقايتهم من الإساءة إليهم بالقول، وقذفهم بما ليس فيهم من سمات سيئة، أو أفعال فاضحة.

إن تعطيل هذا الحد يعطي الفرصة لضعاف النفوس، ومن تسول لهم أنفسهم قذف الآخرين بالتهم، الأمر الذي يترتب عليه عدم أمن الفرد على عرضه، مما يصيبه بالتوتر وتوقع المكاره. وقد يدفعه هذا إلى الرد بالمثل على من قذفه، فتكون حرب تقاذفية بين أفراد المجتمع، لا يأمن، من جرائها أحد على عرضه، فتتقطع الصلات، ويصل الأمر إلى طلاق الزوجات، وشك الابن في الانتساب إلى أبيه، وشك الأب في نسب الابن إليه. وهكذا، تفقد المودة والرحمة بين أفراد الأسرة الواحدة، وتتمزق الأسرة وينهدم المجتمع من جراء تهمة بلا بينة 155.

وحين يقام الحد ويجلد القاذف على الملأ، ويعرف الناس كذبه وافتراءه، ولا تقبل له شهادة، ويعرف عنه أنه فاسق، فإن خطره سوف ينحسر، فلن يستطيع النيل من الآخرين، وإذا كرر القذف، تكررت العقوبة. كما يكون في إقامة الحد عليه ردع لكل من تسول له نفسه الإساءة إلى سمعة المسلمين أو النيل من أعراضهم 156.

ولعل في قصة حديث الإفك، التي تحكي قذف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها الحصان الرزان بنت الصديق رضي الله عنه وزوج الرسول صلى الله عليه وسلم دليلًا عمليًا، ملموسًا ومحسوسًا، على أن لا أحد محصن ضد ألسنة السوء، ولو كان في طهر أم المؤمنين وعفتها. ولعظم هذه الجريمة، كانت براءة السيدة عائشة من فوق سبع سماوات، قرآنًا يتلى إلى يوم الدين، في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [النور:11 - 17] .وليكن في هذه القصة عبرة، لمن تسول له نفسه الخوض في الأعراض، وصبر واحتساب، لمن يبتلى بهذا البلاء العظيم، فالعرض مداد عزة الإنسان وكرامته 157.

موضوعات ذات صلة:

الزنا، العفة، الفواحش، النكاح

1 لسان العرب، ابن منظور 13/ 119.

2 المغرب في ترتيب المعرب، المطرزي 1/ 207

3 لسان العرب، ابن منظور 13/ 121

4 انظر: بدائع الصنائع، الكاساني 7/ 37، التعريفات، الجرجاني ص 40، دستور العلماء، القاضي نكري 1/ 38.

5 انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 206.

6 انظر: الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، 1/ 417.

7 انظر: النكت والعيون، الماوردي، 3/ 469.

8 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 2/ 232.

9 انظر: فتح القدير، الشوكاني، 1/ 516.

10 انظر: جامع البيان، الطبري، 8/ 195.

11 وهو أحد القولين، وروي ذلك عن عبد الله بن مسعود، وابن عمر، وأنس، وغيرهم.

انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 2/ 228.

12 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 3/ 35.

13 انظر: كنز الدقائق، النسفي 2/ 174 مع شرحه النهر الفائق.

14 انظر: الأحوال الشخصية، أبو زهرة، ص 17.

15 لسان العرب، ابن منظور 9/ 253.

16 المفردات، الراغب الأصفهاني 2/ 440.

17 انظر: لسان العرب، ابن منظور 1/ 91

18 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 3/ 26 30، لسان العرب، ابن منظور 3/ 1875.

19 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 12/ 159، التفسير المنير، الزحيلي، 18/ 132.

20 المطلع على ألفاظ المقنع البعلي ص 453.

21 أضواء البيان، الشنقيطي 5/ 372.

22 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود، باب الاعتراف بالزنى، 8/ 168، رقم 6829، 6830، ومسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب رجم الثيب في الزنى، 3/ 1317، رقم 1691 واللفظ له.

23 أضواء البيان، الشنقيطي 5/ 372.

24 تفسير آيات الأحكام، الصابوني 1/ 297.

25 البحر المديد، ابن عجيبة الحسني 5/ 73.

26 انظر: روح المعاني، الألوسي 18/ 80.

27 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد 1/ 446، رقم 1329، و 4556، عن ابن عمر رضي الله عنهما.

28 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب تأخير الحد عن النفساء، 3/ 1330 1705، وانظر: روح المعاني 18/ 82. وتفسير سورة النور 1/ 14.

29 تفسير آيات الأحكام، الصابوني 1/ 316.

30 انظر: تفسير سورة النور، ابن تيمية ص 37، 38، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 424.

31 أضواء البيان، الشنقيطي 6/ 89.

32 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 12/ 172.

33 انظر: المصدر السابق نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت