وقال تعالى في النهي عن الإسراف في أموال اليتامى: (وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا) [النساء:6] .
أي: ينهى تعالى أولياء اليتيم عن أكل ماله من غير حاجة ضرورية.
(إِسْرَافًا) أي: مجاوزة للحد الحلال الذي أباحه الله لكم من أموالكم، إلى الحرام الذي حرمه الله عليكم من أموالهم.
(وَبِدَارًا) أي: أي مبادرين إلى إنفاقها مخافة (أَنْ يَكْبَرُوا ) ) رشداء فيلزمكم تسليمها إليهم، أي: لا تأكلوها في حال صغرهم التي لا يمكنهم فيها أخذها منكم، ولا منعكم من أكلها، تبادرون بذلك أن يكبروا، فيأخذوها منكم ويمنعوكم منها 142.
وقال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ? إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف:31] .
«فإن السرف يبغضه الله، ويضر بدن الإنسان ومعيشته، حتى إنه ربما أدت به الحال إلى أن يعجز عما يجب عليه من النفقات، ففي هذه الآية الكريمة الأمر بتناول الأكل والشرب، والنهي عن تركهما، وعن الإسراف فيهما» 143.
قال ابن عاشور: «فوجه عدم محبة الله إياهم أن الإفراط في تناول اللذات والطيبات، والإكثار من بذل المال في تحصيلها، يفضي غالبًا إلى استنزاف الأموال، والشره إلى الاستكثار منها، فإذا ضاقت على المسرف أمواله، تطلب تحصيل المال من وجوه فاسدة، ليخمد بذلك نهمته إلى اللذات، فيكون ذلك دأبه، فربما ضاق عليه ماله، فشق عليه الإقلاع عن معتاده، فعاش في كرب وضيق، وربما تطلب المال من وجوه غير مشروعه، فوقع فيما يؤاخذ عليه في الدنيا أو في الآخرة، ثم إن ذلك قد يعقب عياله خصاصة وضنك معيشة. وينشأ عن ذلك ملام وتوبيخ وخصومات تفضي إلى ما لا يحمد في اختلال نظام العائلة» 144.
والإسراف سبب من أسباب الفقر وإضاعة المال، فالمسرف يتبع شهوته ويجاريها، حتى إنه ربما افتقر وتعرض لسؤال الناس والتذلل لهم، أو ربما لجأ إلى الطرق المحرمة في سد شهواته، ثم إن الإسراف فيه استنزاف للموارد الموجودة دون مراعاة لقدرة الدخل الشرائية، مما يؤدي للعجز في تحقيق الموازنة في العملية الاقتصادية.
ومن حماية القرآن الكريم للاقتصاد من عوامل الفساد، حمايته من التعامل في المحرمات، كالخمر والميسر والقمار والمخدرات وغيرها، لما فيها من مفاسد عظيمة عليه وعلى المجتمع، فالتعامل في القمار مثلًا وصرف الأموال فيه يجعل الإنسان يعتمد في كسبه على الحظ والأماني الفارغة، لا العمل والجد، كما أنه أداة لهدم البيوت العامرة، وتفريغ الجيوب من المال، وافتقار العوائل الغنية، وهو يورث العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع مما يهدد السلم المجتمعي، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
وهكذا الحال في الخمر والمخدرات وغيرها من الأمور المحرمة التي تعود على الخمول والكسل، وتعطل الأمة عن العمل والإنتاج 145، وتدفع بالمجتمع إلى الجريمة.
وقد نهى القرآن الكريم عن الخمر والميسر في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ? فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) [المائدة:90 - 91] .