فهرس الكتاب

الصفحة 2078 من 2431

فعمم البيان التام لجميع الخلق، وخصص بالهداية من يشاء، فهذا فضله وإحسانه، وما فضل الكريم بممنون وذاك عدله، وقطع الحجة للمحتج، والله أعلم حيث يجعل مواقع إحسانه 51.

قال سيد قطب: «فآيات الله مبينة كاشفة تجلو نور الله، وتكشف عن ينابيع هداه. وتحدد الخير والشر، والطيب والخبيث، وتبين منهج الإسلام في الحياة كاملا دقيقا لا لبس فيه ولا غموض وتحدد أحكام الله في الأرض بلا شبهة ولا إبهام. فإذا تحاكم الناس إليها فإنما يتحاكمون إلى شريعة واضحة مضبوطة، لا يخشى منها صاحب حق على حقه ولا يلتبس فيها حق بباطل، ولا حلال بحرام.

{وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} والمشيئة مطلقة لا يقيدها قيد. غير أن الله سبحانه قد جعل للهدى طريقا، من وجه نفسه إليه وجد فيه هدى الله ونوره، فاتصل به، وسار على الدرب، حتى يصل- بمشيئة الله- ومن حاد عنه وأعرض فقد النور الهادي ولج في طريق الضلال حسب مشيئة الله في الهدى والضلال» 52.

وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39) } [الأنعام: 39] أي: من تعلقت مشيئة الله تعالى بإضلاله يضلله، كما أضل هؤلاء الذين استحبوا العمى على الهدى، فلم يستعملوا أسماعهم، ولا أفواههم، ولا عقولهم في آيات الله تعالى على أحقية ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما إضلاله إياهم اقتضاء سننه في عقول البشر وغرائزهم وأخلاقهم أن يعرض المستكبر عن دعوة من يراه دونه واتباع من يراه مثله، وإن ظهر له الحق معه.

{وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي: ومن يشأ أن يجعله على طريق يرضاه، وهو الإسلام، يجعله عليه، ويهده إليه، ويمته عليه، فلا يضل من مشى إليه، ولا يزل من ثبت قدمه عليه 53.

وقال تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) } [البقرة: 142] .

فالمشرق لله والمغرب لله، فكل متجه فهو إليه في أي اتجاه، فالجهات والأماكن لا فضل لها في ذاتها. إنما يفضلها ويخصصها اختيار الله وتوجيهه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فإذا اختار لعباده وجهة، واختار لهم قبلة، فهي إذن المختارة، وعن طريقها يسيرون إلى صراط مستقيم 54.

قال ابن عاشور: قوله: {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} إيماء إلى قبلة الإسلام، والمراد بالصراط المستقيم هنا وسيلة الخير وما يوصل إليه فيشمل ذلك كل هدي إلى خير، ومنه الهدي إلى استقبال أفضل جهة 55.

وقال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) } [البقرة: 213]

فالله تعالى يسدد من يشاء من خلقه ويرشده إلى الطريق القويم على الحق الذي لا اعوجاج فيه، كما هدى الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، لما اختلف الذين أوتوا الكتاب فيه بغيًا بينهم، فسددهم لإصابة الحق والصواب فيه 56.

والخلاصة أن الله تعالى رسم حدود الصراط المستقيم وبين معالمه وتولى أمر الهداية إليه بواسطة الذين اصطفاهم واجتباهم من الأنبياء والمرسلين وورثتهم من العلماء العاملين.

المتأمل في آيات القرآن الكريم، يجد أن كلمة الصراط المستقيم قد وسعت كل شيء أحبه الله لعباده، فالداخل في الإسلام يقول: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) } [الفاتحة: 6] .

وراسخ القدم فيه يقول: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} ، والنبيون والشهداء والصالحون كلهم يقولون: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} .

فالواجب على كل عبد أن يقول ويقرأ في صلاته: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) } [الفاتحة: 6 - 7] .

وهذا دعاء ورغبة من المربوب إلى الرب، والمعنى: دلنا على الصراط المستقيم وأرشدنا إليه، وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أنسك وقربك 57.

وقد بين الله تعالى حقيقة الصراط المستقيم في آيات عديدة من كتابه، فقال في سورة الأنعام: {وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) } [الأنعام: 126] .

أي: هذا الذي بينا طريق ربك، والذي ارتضاه لنفسه دينا وجعله مستقيما لا عوج فيه، وهو الإسلام 58.

قال ابن الجوزي: {وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ} فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه القرآن، قاله ابن مسعود.

والثاني: التوحيد، قاله ابن عباس.

والثالث: ما هو عليه من الدين، قاله عطاء 59.

وقال ابن عاشور: والإشارة بهذا إلى حاضر في الذهن وهو دين الإسلام، ويجوز أن تكون الإشارة إلى حاضر في الحس وهو القرآن 60.

وقال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) } [الأنعام: 153] .

فيه قولان:

أحدهما: القرآن.

والثاني: الشرع وسمي ذلك صراطًا 61.

وقال ابن عاشور: «والإشارة إلى الإسلام: أي: وأن الإسلام صراطي، فالإشارة إلى حاضر في أذهان المخاطبين من أثر تكرر نزول القرآن وسماع أقوال الرسول عليه الصلاة والسلام، بحيث عرفه الناس وتبينوه، فنزل منزلة المشاهد، فاستعمل فيه اسم الإشارة الموضوع لتعيين ذات بطريق المشاهدة مع الإشارة، ويجوز أن تكون الإشارة إلى جميع التشريعات والمواعظ التي تقدمت في هذه السورة، لأنها صارت كالشيء الحاضر المشاهد» 62.

وبين النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة الصراط المستقيم في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (خط رسول الله صلى الله عليه وسلم، خطا بيده، ثم قال:(هذا سبيل الله مستقيما) ، قال: ثم خط عن يمينه، وشماله، ثم قال: (هذه السبل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه) ثم قرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] 63.

فوحد لفظ الصراط، وجمع السبل المخالفة له، وهذا لأن الطريق الموصل إلى الله واحد، وهو ما بعث به رسله وأنزل به كتبه، لا يصل إليه أحد إلا من هذه الطريق، ولو أتى الناس من كل طريق، واستفتحوا من كل باب، فالطرق عليهم مسدودة، والأبواب عليهم مغلقة إلا من هذا الطريق الواحد، فإنه متصل بالله، موصل إلى الله 64.

وقال تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) } [الأنعام: 161] .

قال ابن عاشور: قوله: {إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي} متصل بقوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام: 153] .

الذي بينه بقوله: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} [الأنعام: 92] .

فزاده بيانًا بقوله هذا: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ، ليبين أن هذا الدين إنما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بهدي من الله، وأنه جعله دينا قيما على قواعد ملة إبراهيم عليه السلام، إلا أنه زائد عليه بما تضمنه من نعمة الله عليه؛ إذ هداه إلى ذلك الصراط الذي هو سبيل النجاة. وافتتح الخبر بحرف التأكيد؛ لأن الخطاب للمشركين المكذبين 65.

وقال تعالى: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) } [إبراهيم: 1] .

فكشفت هذه الآية عن حقيقة الكتاب الذي دلت الآيات السابقة على أنه صراط الله المستقيم وخاصيته في إخراج الناس من الظلمات إلى النور، بتوفيق الله وهدايته حيث الانطلاق إلى رحاب المعية الإلهية بكل ما فيها من عزة وكرامة وحمد وثناء وشكر وولاء.

وقد أخرج صلى الله عليه وسلم أمته من ظلمات عديدة إلى أنوار متعددة: أولها: ظلمة الكفر والشرك إلى نور الإيمان والإسلام، ثم من ظلمة الجهل والتقليد إلى نور العلم والتحقيق، ثم من ظلمة الذنوب والمعاصي إلى نور التوبة والاستقامة، ثم من ظلمة الغفلة والبطالة إلى نور اليقظة والمجاهدة، ثم من ظلمة الحظوظ والشهوات إلى نور الزهد والعفة، ثم من ظلمة رؤية الأسباب، والوقوف مع العوائد، إلى نور شهود المسبب، وخرق العوائد، ثم من ظلمة الوقوف مع الكرامات وحلاوة الطاعات إلى نور شهود المعبود، ثم من ظلمة الوقوف مع حس الأكوان الظاهرة إلى شهود أسرار المعاني الباطنة، فيغيب عن الأكوان بشهود المكون 66.

وقال تعالى: {قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) } [الحجر: 41 - 42] .

أي: هذا الطريق الذي سلكه أهل الإخلاص في عبوديتهم هو طريق وارد علي، وموصل إلى جواري، لا سبيل لك على أهله؛ لأنه مستقيم لا عوج فيه 67.

وقال تعالى: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) } [الزخرف: 43]

والمعنى: فتمسك يا محمد بما يأمرك به هذا القرآن الذي أوحاه إليك ربك، {إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ومنهاج سديد، وذلك هو دين الله الذي أمر به، وهو الإسلام 68.

وقد لخص الماوردي رحمه الله أقوال المفسرين في المراد بالصراط المستقيم في أربعة أقاويل:

أحدها: أنه كتاب الله تعالى، وهو قول علي وعبد الله، ويروى نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

والثاني: أنه الإسلام، وهو قول جابر بن عبد الله، ومحمد بن الحنفية.

والثالث: أنه الطريق الهادي إلى دين الله تعالى، الذي لا عوج فيه، وهو قول ابن عباس.

والرابع: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخيار أهل بيته وأصحابه، وهو قول الحسن البصري وأبي العالية الرياحي 69.

والمتأمل في الأقوال المتعددة التي أوردها المفسرون للصراط المستقيم يجد: أن اختلافهم في تعريف الصراط اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، فتفسير بعض أهل العلم للصراط المستقيم بالقرآن والبعض الآخر بالإسلام قولان متفقان؛ لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، حيث نبه أحدهما على وصف غير الوصف الآخر.

وبعد أن نقل الإمام ابن كثير رحمه الله قول الإمام الطبري: «أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا على أن الصراط المستقيم، هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه» 70.

قال: ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو المتابعة لله وللرسول 71.

وقال رحمه الله: وقيل: هو الإسلام ونسبه إلى ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم، ثم أورد عن مجاهد تفسيره للصراط بأنه الحق، ثم قال: وهذا أشمل ولا منافاة بينه وبين ما تقدم، ونسب إلى أبي العالية تفسيره للصراط المستقيم بأنه النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه من بعده، وأنه ذكر ذلك للحسن فقال: صدق أبو العالية ونصح.

ثم عقب على هذا الذي أورده من الأقوال بقوله: وكل هذه الأقوال صحيحة، وهي متلازمة، فإن من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم، واقتدى باللذين من بعده أبي بكر وعمر، فقد اتبع الحق، ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام، ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن، وهو كتاب الله وحبله المتين، وصراطه المستقيم، فكلها صحيحة يصدق بعضها بعضا، ولله الحمد.

ثم يتبع ابن كثير ذلك برأي الإمام الطبري رحمه الله الذي رجح فيه من الأقوال بأنه التوفيق للثبات على ما ارتضاه الله ووفق له من أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين مع بيانه لوجه كونه جامعا لغيره حيث قال: فقد وفق للإسلام 72.

وتابع الإمام القرطبي ابن جرير في الترجيح بالمراد بالصراط المستقيم، بأنه صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ونسبه إلى جمهور المفسرين وعقب عليه بقوله: «وجميع ما قيل إلى هذا يرجع، فلا معنى لتعديد الأقوال والله المستعان» 73.

وقال ابن عاشور: «المراد بالصراط المستقيم المعارف الصالحات كلها من اعتقاد وعمل بأن يوفقهم إلى الحق والتمييز بينه وبين الضلال على مقادير استعداد النفوس وسعة مجال العقول النيرة والأفعال الصالحة، بحيث لا يعتريهم زيغ وشبهات في دينهم وهذا أولى ليكون الدعاء طلب تحصيل ما ليس بحاصل وقت الطلب، وإن المرء بحاجة إلى هذه الهداية في جميع شؤونه كلها حتى في الدوام على ما هو متلبس به من الخير للوقاية من التقصير فيه أو الزيغ عنه. والهداية إلى الإسلام لا تقصر على ابتداء اتباعه وتقلده بل هي مستمرة باستمرار تشريعاته وأحكامه بالنص أو الاستنباط» 74.

وقال ابن القيم: فإن الناس قد تنوعت عباراتهم فيه وترجمتهم عنه بحسب صفاته ومتعلقاته وحقيقته شيء واحد، وهو طريق الله الذي نصه لعباده على ألسن رسله وجعله موصلا لعباده إليه، ولا طريق لهم إليه سواه، بل الطرق كلها مسدودة إلا هذا، وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسوله بالطاعة، فلا يشرك به أحدا في عبوديته، ولا يشرك برسوله أحدًا في طاعته، فيجرد التوحيد، ويجرد متابعة الرسول.

وهذا معنى قول بعض العارفين: «إن السعادة والفلاح كله مجموع في شيئين: صدق محبته، وحسن معاملته» .

وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فأي شيء فسر به الصراط فهو داخل في هذين الأصلين.

ونكتة ذلك وعقده: أن تحبه بقلبك كله، وترضيه بجهدك كله، فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه، ولا تكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته. الأول يحصل بالتحقيق بشهادة أن لا إله إلا الله، والثاني يحصل بالتحقيق بشهادة أن محمدًا رسول الله، وهذا هو الهادي، ودين الحق وهو معرفة الحق والعمل له، وهو معرفة ما بعث الله به رسله والقيام به، فقل ما شئت من العبارات التي هذا أحسنها وقطب رحاها 75.

فتبين مما سبق: أن الصراط المستقيم هو عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وعبادته تتضمن كمال الحب مع كمال الذل له سبحانه، فكل ما تتقرب به، وكل فعل يفعله العبد يرجو به ثوابا، وكل ترك يتركه يخاف من تركه عقابا، فإن هذا داخل في معنى الصراط المستقيم.

جعل الله تعالى فهم أمثال القرآن الكريم واستيعابها والإحاطة بأسرارها منوطا بأهل العلم، فقال: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) } [العنكبوت: 43] .

وخير الدروس ما ضرب له الأمثال وبينت بها الحكم وقرب إلى الناس بما يقع تحت حسهم، وما يكون في متناول عقولهم.

والتمثيل ألطف ذريعةٍ إلى تسخير الوهم للعقل واستنزاله من مقام الاستعصاء عليه، وأقوى وسيلةٍ إلى تفهيم الجاهل الغبي وقمع سورة الجامع الآبي، كيف لا وهو رفع الحجاب عن وجوه المعقولات الخفية، وإبرازٌ لها في معرض المحسوسات الجلية، وإبداءٌ للمنكر في صورة المعروف وإظهارٌ للوحشي في هيئة المألوف 76.

ومن هذه الأمثال التي ضربها الله تعالى في كتابه قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (76) } [النحل: 76] .

فهذا مثل ضربه الله سبحانه لنفسه ولما يعبدون من دونه، فالصنم الذي يعبدون من دونه بمنزلة رجل أبكم لا يعقل ولا ينطق، بل هو أبكم القلب واللسان قد عدم النطق القلبي واللساني، ومع هذا فهو عاجز لا يقدر على شيء البتة، ومع هذا فأينما أرسلته لا يأتيك بخير ولا يقضي لك حاجة، والله سبحانه حي قادر متكلم يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم وهذا وصف له بغاية الكمال والحمد، فإن أمره بالعدل وهو الحق يتضمن أنه سبحانه عالم به، معلم له راض به آمر لعباده به، محب لأهله لا يأمر بسواه، بل ينزه عن ضده الذي هو الجور والظلم والسفه والباطل، بل أمره وشرعه عدل كله وأهل العدل هم أولياؤه وأحباؤه 77.

قال الطبري: وهذا مثل ضربه الله تعالى لنفسه والآلهة التي تعبد من دونه، فقال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} يعني: بذلك الصنم أنه لا يسمع شيئا، ولا ينطق، لأنه إما خشب منحوت، وإما نحاس مصنوع لا يقدر على نفع لمن خدمه، ولا دفع ضر عنه وهو كلٌ على مولاه، يقول: وهو عيال على ابن عمه وحلفائه وأهل ولايته، فكذلك الصنم كل على من يعبده، يحتاج أن يحمله، ويضعه ويخدمه، كالأبكم من الناس الذي لا يقدر على شيء، فهو كَلٌّ على أوليائه من بني أعمامه وغيرهم {أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ} يقول: حيثما يوجهه لا يأت بخير؛ لأنه لا يفهم ما يقال له، ولا يقدر أن يعبر عن نفسه ما يريد، فهو لا يفهم، ولا يفهم عنه، فكذلك الصنم، لا يعقل ما يقال له، فيأتمر لأمر من أمره، ولا ينطق فيأمر وينهي.

يقول الله تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} ، يعني: هل يستوي هذا الأبكم الكَلّ على مولاه الذي لا يأتي بخير حيث توجه ومن هو ناطق متكلم يأمر بالحق، ويدعو إليه وهو الله الواحد القهار، الذي يدعو عباده إلى توحيده وطاعته، يقول: لا يستوي هو تعالى ذكره، والصنم الذي صفته ما وصف.

وقوله: {وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي: وهو مع أمره بالعدل، على طريق من الحق في دعائه إلى العدل، وأمره به مستقيم، لا يعوج عن الحق ولا يزول عنه 78.

ففي هذه الآية يصور الرجل الأبكم الضعيف البليد الذي لا يدري شيئا ولا يعود بخير. والرجل القوي المتكلم الآمر بالعدل، العامل المستقيم على طريق الخير ولا يسوي عاقل بين هذا وذاك. فكيف تمكن التسوية بين صنم أو حجر، وبين الله سبحانه وهو القادر العليم الآمر بالمعروف، الهادي إلى الصراط المستقيم؟ 79.

وهناك قول آخر: وهو أن هذا مثل للمؤمن والكافر، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما 80.

فالمراد بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء هو الكافر، فهو باعتبار حرمانه من عبودية الله وطاعته كالعبد الذليل الفقير العاجز. والمراد بقوله: {وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا} هو المؤمن، فإنه مشتغل بالتعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله، فأبان تعالى أنهما لا يستويان في المرتبة والشرف والقرب من رضوان الله تعالى 81.

وعن ابن عباس في قوله عز وجل: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا} قال: نزلت في رجل من قريش وعبده، وفي قوله: {مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} إلى قوله: {وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} . قال: هو عثمان بن عفان، قال: والأبكم الذي أينما يوجهه لا يأتي بخير، ذاك مولى عثمان بن عفان كان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤونة، وكان الآخر يكره الإسلام ويأباه، وينهاه عن الصدقة والمعروف فنزلت فيهما 82.

والراجح -والله أعلم- أن هذا المثل ضربه الله تعالى لنفسه والآلهة التي تعبد من دونه؛ لأن ما قبل هذه الآية وما بعدها إنما ورد في إثبات التوحيد، وفي الرد على القائلين بالشرك فحمل هذه الآية على هذا المعنى أولى 83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت