فهرس الكتاب

الصفحة 597 من 2431

يقول محمد التويجري: «والإعراض والكفر الأول لم يكن مع ختم وطبع، بل كان منهم اختيارًا، فلما تكرر منهم صار طبيعة وسجية» 211.

قال تعالى: {تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} [الأعراف: 101] .

فأوضح الله تعالى في هذا النص القرآني أن من سنن كونه الطبع على قلوب الكافرين، فهو نتيجة تحصل بسبب ما يكسب الكافرون بكفرهم وجحودهم من ذنوب، وبسبب طول الأمل عليهم وهم مكذبون 212.

قال الطبري: هذه القرى التي ذكرت لك يا محمد أمرها وأمر أهلها يعني: قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وشعيب نقص عليك من أنبائها، فنخبرك عنها وعن أخبار أهلها، وما كان من أمرهم وأمر رسل الله التي أرسلت اليهم، لتعلم أنّا ننصر رسلنا والذين أمنوا في الحياة الدنيا على أعدائنا وأهل الكفر بنا، ويعلم مكذبوك من قومك ما عاقبة أمر من كذّب رسل الله، فيرتدعوا عن تكذيبك، كما طبع الله على قلوب هؤلاء الذين كفروا بربهم وعصوا رسله من هذه الامم التي قصصنا عليك نبأهم يا محمد، في هذه السورة، حتى جاءهم بأس الله فهلكوا به، كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين، الذين كتب عليهم أنهم لا يؤمنون أبدًا من قومك 213.

قال ابن عباس والسدي: يعني: فما كان هؤلاء الكفار الذين أهلكناهم ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذّبوا من قبل، يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم، فأقرّوا باللسان وأضمروا التكذيب، فقد كان في علم الله تعالى أنهم لا يؤمنون بالرسل، بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم؛ لأن شؤم المبادرة إلى تكذيب الرسل سبب للطبع على القلوب والإبعاد عن الهدى 214.

وصيغة {فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا} تفيد مبالغة النفي بلام الجحود الدالة على أن حصول الإيمان كان منافيًا لحالهم من التصلّب في التصميم على الكفر والطبع على قلوبهم فلا تلين شكيمتهم بالآيات والنذر 215.

فهؤلاء الكفار كان ينقصهم القلب المفتوح، والحس المرهف والتوجه إلى الهدى، كان ينقصهم الفطرة الحية التي تستقبل وتنفعل، فلما لم يوجهوا قلوبهم إلى موجبات الهدى ودلائل الإيمان طبع الله على قلوبهم وأغلقها، فما عادت تتلقى ولا تنفعل ولا تستجيب 216.

إن اللجاج في الكفر والإصرار عليه هو الذي حجب عنهم النور الإلهي، ولم يوفقهم الله إلى الإيمان بسبب أنهم كذبوا من قبل فكان تكذيبهم سببًا لأن يمنعوا الإيمان.

وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} [الأعراف: 101] .

أي: كما طبع الله على قلوب الأمم الخالية التي أهلكها، كذلك يطبع على قلوب الكفار الذين كتب عليهم أن لا يؤمنوا من قومك يا محمد صلى الله عليه وسلم 217.

قال الرازي: «أي: إن لم نهلكهم بالعقاب نطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ولا يتعظون ولا ينزجرون» 218. وهذا الطبع على القلوب ليس قهرًا منه تعالى، ولكن لاستبطان الكفر وإخفائه في قلوبهم 219.

وبيّن صاحب المنار أن مثل هذا الذي وصف من عناد هؤلاء وإصرارهم على ضلالهم، وعدم تأثير الدلائل والبينات في عقولهم، يكون الطبع على قلوب الذين صار الكفر صفة لازمة لهم، بحسب سنة الله تعالى في أخلاق البشر وشؤونهم، وذلك بأن يأنسوا بالكفر وأعماله، حتى تستحوذ أوهامه على أفكارهم، ويملأ حب شهواته جوانب قلوبهم، ويصير وجدانًا تقليديًّا لهم، لا يقبلون فيه بحثًا ولا يسمعون فيه نقدًا، فيكون كالسّكّة التي طبعت في أثناء لين معدنها بصهره وإذابته ثم جمدت، فلا تقبل نقشًا ولا شكلًا آخر 220.

وفي نص آخر بين الله تبارك وتعالى أن سبب الطبع على قلوب اليهود إنما هو بكفرهم، فقال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 155] .

وهذه الآية القرآنية الكريمة تسجل على اليهود أولًا: نقضهم للمواثيق، ثم تسجّل عليهم ثانيًا: كفرهم بآيات الله، وتسجل عليهم ثالثًا: قتلهم الأنبياء بغير حق (فقد قتلوا زكريا ويحيى) وغيرهما من رسل الله، ولا شك أن قتل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يدل على شناعة جريمة قتلهم وعلى توغلهم في الجحود والعناد والفجور، وسجّل عليهم، رابعًا: قولهم قلوبنا غلف، يعني: عليها غشاوة وأغطية، عما تدعونا إليه، فلا نفقه ما تقول ولا نعقله، فكان العقاب على هذه الجرائم العظيمة أن طبع الله على قلوب هؤلاء اليهود 221.

وقد ردّ الله تعالى عليهم بقوله: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} . والطبع معناه: إحكام الغلق على الشيء وختمه بحيث لا ينفذ إليه شيء آخر، والمعنى: أن هؤلاء القائلين إن قلوبهم غلف كاذبون فيما يقولون، وتخليهم عن مسؤولية الكفر ليس صحيحًا؛ لأن كفرهم ليس سببه أن قلوبهم قد خلقت مغطّاه بأغطية تحجب عنها الحق - كما يزعمون - بل الحق أن الله تعالى ختم عليها، وطمس معالم الحق فيها، بسبب كفرهم وأعمالهم القبيحة 222.

فكلما تكاثرت الذنوب طبع على القلوب، وليس الطبع على القلوب مرضًا عاديًا، بل هو من مضاعفات الأمراض الخطيرة كالكفر والنفاق والشرك وغيرها، يقول ابن تيمية رحمه الله: «والله سبحانه جعل مما يعاقب به الناس على الذنوب سلب الهدى والعمل النافع» 223. ويقول ابن القيم: «إن الله عاقب الكفار بأمور تمنعهم من الإيمان وذكر منها: الختم والطبع والأكنة» 224.

وقد خان اليهود الأمانة، ونقضوا العهود، وأفسدوا في الأرض، فطبع الله على قلوبهم.

يقول ابن القيم: «إن الطبع والإبعاد عن توفيقه وفضله إنما كان بكفرهم الذي اختاروه لأنفسهم وآثروه على الإيمان، فعاقبهم عليه بالطبع، والمعنى لم نخلق قلوبًا لا تعي، ولا تفقه ثم نأمرهم بالإيمان وهم لا يفقهونه، بل اكتسبوا أعمالًا عاقبناهم عليها بالطبع على القلوب والختم عليها» 225.

إن كفرهم بالحق بعد أن علموه كان سببًا لطبع الله على قلوبهم {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} حتى صارت غلفًا، والغلف جمع أغلف، وهو القلب الذي قد غشيه غلاف كالسيف الذي في غلافه، ولا ريب أن القلب إذا طبع عليه أظلمت صورة العلم فيه وانطمست 226.

فهو سبحانه قد خلق القلوب على الفطرة، بحيث تتمكن من اختيار الخير والشر، إلا أن هؤلاء اليهود قد أعرشوا عن الخير إلى الشر، واختاروا الكفر على الإيمان نتيجة انقيادهم لأهوائهم وشهواتهم، فالله تعالى طبع على قلبوهم بسبب إيثارهم سبيل الغي على سبيل الهدى والرشد، فصاروا لا يؤمنون إلا قليلًا.

وقوله تعالى: {إِلَّا قَلِيلًا} أي: أن هذا إيمانهم لا قيمة له عند الله تعالى؛ لأن الإيمان ببعض الأنبياء والكفر ببعضهم، يعدّه الإسلام كفرًا بالكل، فلا يؤمنون إلا قليلًا هم عدد قليل كعبد الله بن سلام وأشباهه 227.

يمكن أن نستنج مما سبق أن هذه العقوبة إنما وقعت في حق أقوام مخصوصين معاندين من الكفار، فعل الله بهم ذلك عقوبةً منه لهم في الدنيا وبهذا النوع من العقوبة العاجلة، كما عاقب بعضهم بالمسخ قردة وخنازير، وبعضهم بالطمس على أعينهم، وبعضهم بخسف ديارهم، فهو سبحانه يعاقب بالطمس على القلوب كما يعاقب بالطمس على الأعين، كما أن هذه القلوب التي عاقبها بالطبع عليها هي ليست قلوب مغلقه بطبعها، وإنما هم بكفرهم جرّ عليهم أن يطبع الله على قلوبهم، فإذا هي صلدة، لا تستشعر نداوة الإيمان ولا تتذوق حلاوته.

ثالثًا: عدم العلم والفقه:

لا شك أن الجهل وعدم العلم شر محض على الإنسان، وآثاره وخيمة، ونتائجه خطيرة، فما عبد غير الله تعالى إلا بسبب الجهل وعدم العلم، ذلك أن الجهل يعني: خلو النفس من العلم، فعندما ينتشر الجهل ويغيب الإيمان عن القلوب يصبح الجهل هو المتحكم بالنفس والمتسيّد عليها.

قال تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (58) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 58 - 59] .

هذه الآية أكدت على أن الله تعالى ضرب للناس في هذا القرآن من كل مثل حكيم، من شأنه أن يهدي القلوب إلى الحق، ويرشد النفوس إلى ما يسعدها، فتارة يضرب المثل بآيات الأفاق والأنفس، وتارة بالوعد والوعيد، وتارة بالأمر والنهي، وتارة بالبشرى والإنذار، وتارة بالاستدلال، ورغم هذا البيان، فإن فريقًا من الجاهلين والغافلين يجحدون بآيات الله تعالى، ويقولون على سيبل التطاول والتبجح: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ} ، يقول الكفار: ما أنتم معشر المؤمنين إلا متّبعون للباطل بما يدعوكم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم 228.

والحقيقة إن هذا القول الذي صدر منهم إنما هو بسبب جهلهم وبعدهم عن الحق، وقد بين الإمام ابن القيم رحمه الله أن الجهل نوعان: الأول: عدم معرفة الحق، والثاني: عدم العمل بموجبه ومقتضاه، وكلاهما له ظلمة ووحشة في القلب، فكما أن العلم يوجب نورًا، وأنسًا، فالجهل يوجب ظلمة ويوقع وحشة 229. وهذه الآية تشمل الأمرين كلاهما.

ثم يعقّب الخالق سبحانه على هذا التطاول والغرور في القول من قبل هؤلاء الجهلة بقوله تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} .

وهذا دليل على أن أسوأ أحوال الإنسان عندما يطبع على قلبه لكثرة جهله، فيصبح لا يفهم ولا يعقل شيئًا، فيختم الله على قلوب الذين لا يعلمون حقيقة ما تأتيهم به يا محمد من عند الله من هذه العبر والعظات والآيات البينات فلا يفقهون عن الله حجة، ولا يفهمون عنه ما يتلو عليهم من آي كتابه؛ فهم لذلك في طغيانهم يترددون 230.

ونبه الخالق سبحانه على كثرة المطبوع عليهم بجمع الكثرة فقال: {عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} . أي: لا يجددون -أي: لعدم القابلية- العلم بأن لا يطلبوا علم ما يجهلونه مما حققه هذا الكتاب من علوم الدنيا والآخرة رضًى منهم بما عندهم من جهالات سموها دلالات، وضلالات ظنوها هدايات وكمالات 231.

يقول ابن عاشور: «والطبع على القلب: تصيّيره غير قابل لفهم الأمور الدينية وهو الختم» 232.

فهم لجهلهم وكفرهم طبع الله على قلوبهم فلا يدخلها خير؛ لأنها قلوب جاهلة، قلوب مشمئزة من ذكر الله، قلوب مقفلة لا يخترقها التدبر ولا التفهم، وهي قلوب زائفة منحرفة، بل هي قلوب عمياء، أصبحت لا تدرك الأشياء على حقيقتها، بل ترى الحق باطلًا والباطل حقًّا 233.

والآية في الحقيقة تشير إلى أسوأ أنواع الجهل وهو الجهل (المركب) الجهل الذي يحسبه صاحبه علمًا، ولا يصغي لمن أراد إيقاظه من غفلة الجهل هذه 234. فالخالق سبحانه طبع على قلوب هؤلاء الجهلة الذين لا يطلبون العلم، ويصرّون على خرافات اعتقدوها. يقول الدكتور وهبة الزحيلي: «فإن الجهل المركب يمنع إدراك الحق، ويوجب تكذيب المحق» 235. فهذا الصنف من الناس لا يعلمون ولا يعملون على إزالة جهلهم، لتوهمهم أنهم ليسوا بجهلاء، وهذا أسوأ أنواع الجهل؛ لأنه جهل مركب، إذ إن صاحبه يجهل أنه جاهل.

ولا بد من الإشارة إلا أن الطبع على قلوب هؤلاء لا يكون إلا بعد استنفاذ كل وسائل الدعوة، فإن لم يستجيبوا فلا أمل في هدايتهم ولا جدوى من سماعهم يقول الشعراوي: فإذا قلت: إذا كان الحق سبحانه قد وصفهم بأنهم لا يعلمون، فلماذا يطبع على قلوبهم؟ ولماذا يحاسبهم؟ فأجاب بقوله: «لأن عدم العمل نتيجة تقصيرهم، فالحق سبحانه أقام لهم الأدلة والآيات الكونية الدالة على وجوده تعالى، فلم ينظروا في هذه الآيات، ولم يستدلّوا بالأدلة على وجود الخالق القادر سبحانه، وضرورة البلاغ عن الله، إذن: فعدم علمهم نتيجة غفلتهم وتقصيرهم» 236.

هكذا هم أهل الكفر يكذّبون بكل آية، ولا يكتفون بالتكذيب، بل يتطاولون على أهل العلم الصحيح، فيقولون عنهم: إنهم مبطلون، فهؤلاء الذين لا يعلمون، مطموسو القلوب، لا تتفتح بصيرتهم لإدراك آيات الله، متطاولون على أهل العلم والهدى، ومن ثم يستحقّون أن يطمس الله على بصيرتهم، وأن يطبع على قلوبهم، لما يعلمه سبحانه وتعالى عن تلك البصائر وهذه القلوب 237.

ويمكن أن نستنتج مما سبق أن هذه الآية القرآنية فيها دليل على وجوب طلب العلم الشرعي الذي هو معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته؛ لأن من عرف ربه حق المعرفة رقّ قلبه، ومن جهل حق ربه قسا قلبه، ولا يكون القلب قاسيًا إلا إذا كان صاحبه من أجهل العباد بالله عز وجل، وكلما عظم الجهل بالله وبحقوقه كان العبد أكثر جرأة على حدود الله ومحارمه، وكلّما وجد الشخص يديم التفكير في ملكوت الله، ويتذكر نعم الله عليه وجد في قلبه رقة، والخالق سبحانه طبع على قلوب هؤلاء الجهال بسبب معارضة الحق ومعاندته، فهم بسبب جهلهم فقدوا العلم النافع الذي يرشد إلى الحق ويجنب الباطل؛ لأن ذنوبهم غطّت القلوب وغشيتها حتى ذهب النور عنها فبقت في ظلمة، فالجهل هو العقبة التي تحول بين المسلمين وبين كمالهم وسعادتهم؛ لأن جميع الجرائم في المجتمع إنما تكون ناتجة عن ظلمة القلوب وعدم البصيرة لجهل أصحابها.

رابعًا: الاستمرار والإصرار على إتباع الهوى:

ومن نتائج الطبع على القلوب هو الاستمرار والإصرار على إتباع الهوى، و (الهوى) هو محبة الإنسان الشيء وغلبته على قلبه 238، فهو دافع داخل الإنسان يحركه الى ما يحب ويشتهي. قال تعالى: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [النازعات:40] .

أي: عن شهواتها وما تدعو إليه من معاصي الله عز وجل 239.

لذلك فإن اتباع الهوى يطمس نور العقل، ويعمي بصيرة القلب، ويصد عن اتباع الحق، ويضل عن الطريق المستقيم، فلا تحصل بصيرة العبرة معه ألبته، والعبد إذا اتبع هواه فسد رأيه ونظره، فأرته نفسه الحسن في صورة القبيح، والقبيح في صورة الحسن، فالتبس عليه الحق بالباطل، فأنى له الانتفاع بالتذكر، أو بالتفكر، أو بالعظة، فكلما ضعف نور الإيمان في القلب كلما كانت الغلبة للهوى 240.

وأخبر الله سبحانه وتعالى أن باتباع الهوى يطبع الله على قلوب العباد بقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [محمد: 16] .

فقد ذمّ الخالق سبحانه في هذه الآية الذين اتبعوا أهوائهم؛ لأنهم لا يستفيدون مما يسمعون، ولا يتأثرون بموعظة، ولا يعون أو يعقلون ما يرشدون به. يقول الطبري: ومن هؤلاء الكفار يا محمد {مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} وهو المنافق، يستمع ما تقول فلا يعيه ولا يفهمه، تهاونًا منه بما تتلو عليه من كتاب ربك، تغافلًا عما تقوله، وتدعو إليه من الإيمان 241.

فالخالق سبحانه ذكر بأن هؤلاء يستمعون القرآن الذي هو غاية الإعجاز والبلاغة والبيان، ولكن يحال بينهم وبين سماعه، فإذا خرجوا بعد سماعه، يقولون لمن أوتي العلم {مَاذَا قَالَ آنِفًا} كأنهم ما سمعوا أصلًا، والذي حال بينهم وبين الفهم ما ذكره الله عنهم أنهم اتبعوا أهواءهم، فطبع الله على قلوبهم، وطمس على معرفتهم حيث اتبعوا أهواءهم، فلم يستفيدوا، فالهوى هو الذي أعماهم وأصمهم، وفي ذلك دلالة واضحة على أن الهوى مانع من موانع الانتفاع بالقرآن.

وقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [محمد: 16] .

أي: أولئك المنافقون الذين هذه صفتهم هم القوم الذين ختم الله على قلوبهم، فلم يؤمنوا، ولم يهتدوا إلى الحق، واتبعوا شهواتهم، وأهواءهم في الكفر والعناد، بسبب استحبابهم الضلالة على الهداية، فهم لما تركوا اتباع الحق أمات الله قلوبهم فلم تفهم ولم تعقل، فعند ذلك اتبعوا أهواءهم في الباطل، فصاروا لا يعقلون حقًّا، ولا يفهمون حديثًا 242.

قال السعدي: «أي: ختم على قلوبهم، وسدّ أبواب الخير التي تصل إليه بسبب إتباعهم أهواءهم التي لا يهوون فيها إلا الباطل» 243.

وجيء باسم الإشارة (أولئك) بعد ذكر صفاتهم تشهيرًا بهم، وجيء بالموصول وصلتيه خبرًا عن اسم الإشارة، لإفادة أن هؤلاء المتميزين بهذه الصفات، هم أشخاص الفريق المتقرر بين الناس، أنهم فريق مطبوع على قلوبهم؛ لأنه قد تقرر عند المسلمين أن الذين صمموا على الكفر هم قد طبع الله على قلوبهم، وأنهم متبعون لأهوائهم 244. وهذا الصنف من الناس لا يهتدون ولا يؤمنون مهما أنذروا بالآيات القرآنية، وشاهدوا من الآيات الكونية، ومهما سمعوا وعاينوا من المعجزات النبوية الواضحة 245.

وعن علي رضي الله عنه أنه قال: «وأما اتباع الهوى فيصدّ عن الحق» 246.

يقول ابن تيمية: «واتباع الهوى يصّد عن التصديق بالحق واتباع ما أوجبه العلم به، وهذه حال عامة المكذبين مثل مكذبي محمد صلى الله عليه وسلم وموسى صلى الله عليه وسلم وغيرهما، فإنهم علموا صدقهما علمًا يقينيًّا لما ظهر من آيات الصدق ودلائله الكثيرة، لكن اتباع الهوى صد عن الحق» 247.

والهوى حينما يغلب على القلب ويقهره فلا ينتفع القلب بفائدة قط، بل يصبح كريشة في مهب الرياح أينما ذهبت انكفأت معها، وتدور المعركة بين القلب والهوى، فكلما قوي القلب انقهر الهوى، وحينما يضعف القلب يستأسر الهوى ولا يرجى منه نفع أو فائدة 248.

قال ابن الجوزي: «اعلم أن مطلق الهوى يدعو إلى اللذّة الحاضرة من غير فكر في عاقبة، ويحثّ على نيل الشهوات عاجلًا، وإن كانت سببًا للألم والأذى في العاجل، ومنع لذات في الأجل، فأما العاقل فانه ينهى نفسه عن لذة تعقب ألمًا، وشهوة تورث ندمًا، وكفى بهذا القدر مدحًا للعقل وذمًّا للهوى» 249.

فكلما قوي القلب ودفع الهوى عند أول محنة صقل وثبت وعظم فيه الإيمان وبدأ شعاعه فيه يدب، وفي حال ضعف القلب وهجوم الهوى وانتصاره على القلب تكون الظلمة ويقع السواد حتى يسقط القلب بالكلية، يقول ابن القيم: «فإن العلم نور الله يقذفه في قلب عبده، والهوى والمعصية رياح عاصفة تطفيء ذلك النور ولا بد أن تضعفه» 250.

وإن من أعظم أضرار الهوى حينما يتمكن من القلب أن يهوي بصاحبه في لجج الفتن، فلا يرى حقًا إلا ما وافق هواه، ولا يرى باطلًا إلا ما ينكر هواه.

يقول ابن القيم: «فإن اتباع الهوى يعمي عين القلب، فلا يميز بين السنة والبدعة أو ينكسه فيرى البدعة سنة والسنة بدعة» 251.

ويقول في موضع آخر: «أن اتّباع الهوى يغلق عن العبد أبواب التوفيق، ويفتح عليه أبواب الخذلان» 252.

ومن كل ما تقدم يمكن أن نستنتج أن الاستمرار على اتباع الهوى يفسد القلب، ويطمس نوره، ويعمي بصره، ويحول بينه وبين السلامة، وأن الأمة التي يتبع فيها الهوى، يشيع فيها الحمق والقصور العقلي، كما تبين لنا أن الطبع على القلوب هو نتيجة حاصلة من إتباع الهوى، فالذي يهوي ويتبع الهوى، يضع على عينيه غشاوة، وفي أذنه وقر، فإذا سدّت الآذان، وغشيت العين، أصبح القلب مغلقًا مطبوعًا عليه، فلا فهم صحيح ولا قصد حسن.

موضوعات ذات صلة:

التفكر، الغفلة، القلب، الكفر، المرض

1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 483، لسان العرب، ابن منظور 8/ 232.

2 انظر: مجاز القرآن، أبو عبيدة 2/ 125، النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 3/ 122.

3 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 515.

4 انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 9/ 143، مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 17.

5 انظر: مفردات القرآن، الفراهي ص 349.

6 انظر: الصحاح، الجوهري 3/ 1253، مقاييس اللغة 3/ 438، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 3/ 495.

7 التحرير والتنوير 6/ 17 - 18.

8 الفروق اللغوية، العسكري ص 73.

9 انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص 482.

10 انظر: التعريفات ص 178.

11 صراع مع الملاحدة، الميداني ص 388.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت