فهرس الكتاب

الصفحة 364 من 2431

«وهذا يدل على أنه لا ينبغي لأحدٍ أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له؛ فإن مجانبة ذلك أحسن لحاله، وأحصن لنفسه، وأتم لعصمته» 78.

والآية «تقرر أن هذا الحجاب أطهر لقلوب الجميع: (ذَ?لِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) فلا يقل أحدٌ غير ما قال الله، لا يقل أحدٌ إن الاختلاط وإزالة الحجب، والترخص في الحديث واللقاء والجلوس والمشاركة بين الجنسين أطهر للقلوب، وأعف للضمائر، وأعون على تصريف الغريزة المكبوتة، وعلى إشعار الجنسين بالأدب وترقيق المشاعر والسلوك .. إلى آخر ما يقوله نفر من خلق الله الضعاف المهازيل الجهال المحجوبين. لا يقل أحدٌ شيئًا من هذا والله يقول: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ? ذَ?لِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) .

يقول هذا عن نساء النبي الطاهرات. أمهات المؤمنين. وعن رجال الصدر الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن لا تتطاول إليهن وإليهم الأعناق! وحين يقول الله قولًا ويقول خلق من خلقه قولًا. فالقول لله سبحانه و تعالى وكل قولٍ آخر هراءٌ، لا يردده إلا من يجرؤ على القول بأن العبيد الفانين أعلم بالنفس البشرية من الخالق الباقي الذي خلق هؤلاء العبيد!

والواقع العملي الملموس يهتف بصدق الله، وكذب المدعين غير ما يقوله الله. والتجارب المعروضة اليوم في العالم مصدقة لما نقول. وهي في البلاد التي بلغ الاختلاط الحر فيها أقصاه أظهر في هذا وأقطع من كل دليل. وأمريكا أول هذه البلاد التي آتى الاختلاط فيها أبشع الثمار» 79.

بينما فهم فريق آخر من العلماء أن المراد هو الحجاب الشرعي للمرأة المسلمة، وعليه يكون لفظ الآية خاصًا بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن حكمها عام لجميع المسلمات، فإن تعليله تعالى لهذا الحكم الذي هو إيجاب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة في قوله تعالى: (ذَ?لِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم، إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين إن غير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا حاجة إلى أطهرية قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة منهن.

وقد تقرر في الأصول: أن العلة قد تعمم معلولها، ففيها إذًا الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام في جميع النساء، وليس خاصًا بأزواجه صلى الله عليه وسلم وإن كان أصل اللفظ خاصًا بهن؛ لأن عموم علته دليل على عموم الحكم فيه 80. ويكون وجه الخطاب لهن لمكان القدوة بالنسبة لهن، فهن قدوة لبقية نساء الأمة.

رابعًا: النهي عن نكاح نساء رسول الله بعد وفاته:

النبي صلى الله عليه وسلم له مكانته الخاصة، فهو (أَوْلَى? بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ? وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) [الأحزاب:6] .

أمهاتهم في المكانة والمنزلة، والتوقير والاحترام، وحرمة الزواج بهن، وحرمة الزواج بهن مراعاةً لحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، فإن الرجل الغيور يأنف أن تتزوج امرأته برجل آخر، ولذلك لما نزلت آية القذف (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور:4] .

قال سعد بن عبادة -وهو سيد الأنصار-: أهكذا نزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم؟! قالوا: يا رسول الله؛ لا تلمه، فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرًا، وما طلق امرأة له قط فاجترأ رجلٌ منا على أن يتزوجها من شدة غيرته ... » 81 فمن غيرة سعد لم يجرؤ رجل على أن يتزوج بامرأة طلقها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أشد غيرةً منه، كما قال في القصة ذاتها (أتعجبون من غيرة سعد؟! لأنا أغير منه، والله أغير مني) 82.

فلكي يطمئن الله رسوله من هذه الجهة حرم على جميع الأمة الزواج بأمهات المؤمنين فقال تعالى (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا ? إِنَّ ذَ?لِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) [الأحزاب:53] .

وكأن هذا تقريرٌ لحكم أمومتهن للمؤمنين المتقدم ذكره في أول السورة، وبيانٌ لهذه الأمومة، فهو في أشياء خاصةٍ، في المكانة والاحترام وحرمة التزوج بهن، أما بالنسبة للخلوة بهن وحجابهن أمام الرجال فيعاملن كبقية النساء، بل أشد من بقية النساء-كما تقدم-.

وقد «شرعت الآية أن حكم أمومة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين حكم دائم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده، ولذلك اقتصر هنا على التصريح بأنه حكم ثابت من بعد، لأن ثبوت ذلك في حياته قد علم من قوله (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) [الأحزاب:6] » 83.

وقوله (إِنَّ ذَ?لِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) «العظم هنا في الإثم والجريمة، وتقييد العظيم بكونه عند الله «للتهويل والتخويف، لأنه عظيم في الشناعة. وعلة كون تزوج أحد المسلمين إحدى نساء النبي صلى الله عليه وسلم إثمًا عظيمًا عند الله: أن الله جعل نساء النبي صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين، فاقتضى ذلك أن تزوج أحد المسلمين إحداهن له حكم تزوج المرء أمه، وذلك إثمٌ عظيمٌ» 84.

وهنا مسألة ذكرها العلماء وأطالوا فيها الكلام، لا أرى في إطالة الكلام فيها كبير فائدةٍ، حيث إنهن كلهن قد توفين، وهي أنه هل يدخل في أزواجه اللاتي يحرمن على الأمة من طلقها النبي صلى الله عليه وسلم؟

لذا فإني أكتفي بنقل كلام الإمام ابن كثير في المسألة، قال رحمه الله: «أجمع العلماء قاطبةً على أن من توفي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه أنه يحرم على غيره تزويجها من بعده؛ لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة وأمهات المؤمنين. واختلفوا فيمن دخل بها ثم طلقها في حياته هل يحل لغيره أن يتزوجها؟ على قولين، مأخذهما: هل دخلت هذه في عموم قوله (مِنْ بَعْدِهِ) أم لا؟ فأما من تزوجها ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فما نعلم في حلها لغيره -والحالة هذه -نزاعًا» 85.

فأزواجه اللاتي مات عنهن وهن في عصمته يحرم على الأمة الزاج بواحدة منهن، بلا خلاف بين العلماء. ومن تزوجها وطلقها قبل أن يدخل بها فلا تحرم على غيره من الأمة بلا خلاف، وإنما الخلاف فيمن طلقها بعد أن دخل بها، والبحث في المسألة قليل الجدوى لأمرين:

الأول: ما تقدم من أنهن كلهن قد توفين.

والثاني: أنه لم يوجد واحدة من نسائه بهذه الصفة، فهي مسألة افتراضية.

قلت: ذكر بعض المفسرين هنا قصة كسببٍ لنزول هذه الآية، ولم أرها تروى من طريق صحيح، لذا أعرضت عن ذكرها، إذ لا حاجة بها، ولا يلزم أن تكون الآية نزلت على سبب، فإن كثيرًا من آي القرآن نزل ابتداءً بدون سبب.

خامسًا: مضاعفة الأجر أو العقوبة لآل البيت:

ولأهل البيت خصيصة أخرى، وهي مضاعفة العذاب لمن يفعل فاحشة، وبما أن الغنم بالغرم، فإنه في المقابل من يفعل حسنة يضاعف له ثوابها.

قال تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ? وَكَانَ ذَ?لِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ?30?وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا ?31?) [الأحزاب:30 - 31] .

الضعف: «من الألفاظ المتضايفة التي يقتضى وجود أحدهما وجود الآخر، كالنصف والزوج، وهو تركب قدرين متساويين، ويختص بالعدد، فإذا قيل أضعفت الشيء وضعفته وضاعفته ضممت إليه مثله فصاعدًا» 86.

والمراد بمضاعفة العذاب: «مثليه» 87.

وقيل: « (يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ) أي: يجعل لها العذاب ثلاثة أعذبة، لأن ضعف الشيء مثله، وضعفي الشيء مثلا الشيء، ومجاز (يُضَاعَفْ) أي: يجعل الشيء شيئين حتى يكون ثلاثة» 88

والأول أظهر لمقابلته بإعطاء الأجر مرتين.

قال الزجاج عن هذا القول: «وليس هذا بشيء؛ لأن معنى (يُضَاعَفْ) يجعل عذاب جرمها كعذاب جرمين. الدليل عليه قوله (نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) ، فلا يكون أن تعطى على الطاعة أجرين وعلى المعصية ثلاث أعذبة» 89.

وجه تضعيف العذاب لهن على الفاحشة:

وفي قوله تعالى: (وَكَانَ ذَ?لِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا «إيذان بأن كونهن نساءً للنبي صلى الله عليه وسلم ليس بمغنٍ عنهن شيئًا، وكيف يغني عنهن وهو سبب مضاعفة العذاب، فكان داعيًا إلى تشديد الأمر عليهن غير صارف عنه» 94.

ثم وعد من تفعل طاعة لله تعالى بمضاعفة الثواب، فتؤتى مثلي ثواب غيرها، «وإنما ضوعف أجرهن لطلبهن رضا رسول الله، بحسن الخلق وطيب المعاشرة والقناعة والتوقر على عبادة الله» 95.

والقنوت: «لزوم الطاعة مع الخضوع» 96.

والرزق الكريم، وهو «رزق الجنة قال تعالى (لَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا) [البقرة:25] . ووصفه بالكريم لأنه أفضل جنسه» 97.

أو أنه منازلهن في الجنة «فإنهن في منازل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعلى عليين، فوق منازل جميع الخلائق، في الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إلى العرش» 98.

أولًا: قصة الغيرة بين نساء بيت النبوة:

الغيرة المعتدلة خلق محمود، فقد روي (الغيرة من الإيمان) 99.

خلق محمود إذا دفعت صاحبها للذود عن الحرمات والابتعاد عن المحرمات، ولم تؤد إلى الشك في سلوك الآخرين، أو إلى فعل مذمومٍ، فإذا أدت إلى ذلك تكون خلقًا مشينًا، وسلوكًا بغيضًا، وغالبًا ما يحدث هذا النوع بين النساء، ولا سيما إن كن ضرائر، ونساء النبي صلى الله عليه وسلم باعتبار أنهن ضرائر كن-أحيانًا- يغلب عليهن الطبع النسوي، فيقعن في شيءٍ من هذا النوع، رغم مكانتهن، والتزامهن بالآداب الإسلامية الرفيعة.

ورغم أن الوحي كان ينزل في بيوتهن، وقد عاتبهن الله تعالى على شيءٍ فعلنه من هذا النوع، فقد صحبن النبي صلى الله عليه وسلم الكريم وعاونه على أداء رسالته وارتفعن إلى ما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة.

وقد آخذهن الله بأمرين معروفين في السيرة:

الأول: اتفاقهن على مطالبة النبي بالمزيد من النفقة، وضيقهن بالمعيشة الناشفة التي التزمها. وقد رضين جميعًا بالبقاء معه عندما أكد لهن أنه ما بدٌ من هذه الحياة لمن يريد الله ورسوله والدار الآخرة!

أما الأمر الثاني: فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان لطيف العشرة لين الجانب دمث الأخلاق، فأطمع ذلك بعض نسائه في الجراءة عليه. وكانت الغيرة هي السبب.

فزعمت إحداهن أنها شمت منه رائحةً غير طبيعية، فقال: شربت عسلًا عند زينب! فقالت: لعل نحله وقع على نباتٍ سيِء. فقال: (لا أعود إليه ولا تخبري أحدًا) . ثم ظهر أن القصة مفتعلة، وأنها مؤامرة لتزهيده في فلانة! وغضب الرسول لما وقع، وهجر نساءه جميعًا حتى شاع أنه طلقهن! ونزلت سورة التحريم تطفئ هذه الفتنة وتؤدب من أحرج الرسول وأساء المسلك 100.

والقصة كما رواها أصحاب الصحاح عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلًا، فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل: إني أجد فيك ريح مغافير 101 أكلت مغافير، فدخل على إحداهما فقالت له ذلك، فقال (بل شربت عسلًا عند زينب بنت جحش ولن أعود له) فنزلت (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) إلى (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ) [التحريم:1 - 4] .لعائشة وحفصة) 102.

القصة أشارت إليها الآيات الأولى من سورة التحريم، فالسورة تبدأ بالإنكار على النبي صلى الله عليه وسلم لتحريمه شرب العسل على نفسه يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ? تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ? (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) «استفهام فيه إنكار، والإنكار من الله عز و جل نهيٌ، وتحريم الحلال مكروه، ولا يحرم الحلال إلا بتحريم الله عز و جل» 103.

وهذا التحريم من النبي صلى الله عليه وسلم «تحريم امتناع عن الانتفاع بها أو بالعسل لا تحريم اعتقاد بكونه حرامًا بعد ما أحله الله فالنبي صلى الله عليه وسلم امتنع عن الانتفاع بذلك مع اعتقاده أن ذلك حلال» 104.

ثم يذكر سبحانه و تعالى أنه شرع لنا تحلة القسم، (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ? وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ ? وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [التحريم:2] .

فمن حلف على يمين ورأى غيره خيرًا منها فليفعل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، فعن عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير) 105.

ثم يخبر سبحانه وتعالى ما تسارت به حفصة وعائشة (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى? بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ? فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَ?ذَا ? قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) .

«وإنما نبأها النبي صلى الله عليه وسلم بأنه علم إفشاءها الحديث بأمر من الله ليبني عليه الموعظة والتأديب فإن الله ما أطلعه على إفشائها إلا لغرض جليل.

ولم يختلف أهل العلم في أن التي أسر إليها النبي صلى الله عليه وسلم الحديث هي حفصة ويأتي أن التي نبأتها حفصة هي عائشة» 106.

ثم يرغبهما في التوبة ويرهبهما من الاستمرار على حالهما (إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ) من التعاون على النبي صلى الله عليه وسلم بالإيذاء: (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) عدلت ومالت عن الحق 107.

قوله (وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ) تعاونا على إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم (وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ) أي: وليه وناصره (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ) وليه وناصره أيضًا (وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ?) المخلصون من المؤمنين الذين ليسوا بمنافقين (وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَ?لِكَ ظَهِيرٌ) بعد نصر الله وجبريل وصالح المؤمنين أعوان للنبي صلى الله عليه وسلم ينصرونه 108.

ثم خوف نساءه بقوله: (عَسَى? رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) [التحريم:5] .

المعنى: واجب من الله إن طلقكن رسوله أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن، والله تعالى كان عالمًا أنه لن يطلقهن، ولكن أخبر عن قدرته أنه إن طلقهن أبدل خيرًا منهن؛ تخويفًا لهن 109.

وقد اختلف المفسرون هل المذكور في الآيات الخمس قصة واحدة، أم أنهما قصتان انتهت أولاهما مع الآية الثانية، وبقية الآيات تذكر قصة أخرى؟

فذهب بعضهم إلى الأول، وقالوا: إن الحديث الذي أسره النبي صلى الله عليه وسلم إلى حفصة تحريم ما حرمه على نفسه، فلما ذكرته لعائشة وأطلع الله نبيه على ذلك عرفها بعض ما ذكرت، وأعرض عن بعضه. بينما ذهب فريق آخر إلى الثاني، وقالوا إن الحديث الذي أسره النبي صلى الله عليه وسلم إلى حفصة تحريم مارية، وقال لها: اكتميه عن عائشة وكان يومها منه، وأسرك أن أبا بكر الخليفة من بعدي، وعمر الخليفة من بعده، فذكرتها لعائشة، فلما أطلع الله نبيه (عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ) فكان الذي عرف ما ذكره من التحريم، وكان الذي أعرض عنه ما ذكره من الخلافة لئلا ينتشر 110.

والظاهر أن الآيات كلها تتحدث عن قصة واحدة، وكأن قوله (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى? بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا) بيان لبعض تفاصيل القصة التي حرم النبي صلى الله عليه وسلم بسببها بعض ما أحله الله له. لما في الصحيح عن عبيد الله بن عمير يقول سمعت عائشة: تزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلًا، فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير! فدخل على إحداهما، فقالت ذلك له، فقال: (لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له) فنزلت (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) إلى قوله (ان تتوبا الى الله) لعائشة وحفصة (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى? بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا) لقوله: (بل شربت عسلًا) 111.

تنبيه: ما تقدم من أن الآيات نزلت بسبب القصة المذكورة هو أصح ما قيل فيها، وهناك أقوالٌ أخرى مبنية على روايات دون المذكورة في الصحة، منها، ما روي عن ابن عباس: في قوله عز و جل (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى? بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا) قال: اطلعت حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم مع أم إبراهيم عليه السلام، فقال: لا تخبري عائشة وقال لها: إن أباك وأباها سيملكان، أو سيليان بعدي، فلا تخبري عائشة، فانطلقت حفصة فأخبرت عائشة فأظهره الله عليه، فعرف بعضه وأعرض عن بعضٍ، قال أعرض عن قوله إن أباك وأباها يكونان بعدي، كره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينشر ذلك في الناس فأعرض عنه) 112.

ولكن ما في الصحيح أصح.

ثانيًا: قصة الإفك:

الإفك: «الكذب» 113 ولكنه ليس أي كذبٍ، بل هو «أسوأ الكذب وأقبحه» 114.

فيفرق بينه وبين الكذب: «أن الكذب اسم موضوع للخبر الذي لا مخبر له على ما هو به، والإفك هو الكذب الفاحش القبح، مثل الكذب على الله ورسوله أو على القرآن ومثل قذف المحصنة وغير ذلك مما يفحش قبحه» 115.

وأصبح الإفك علمًا بالغلبة على اتهام أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها العفيفة البريئة ورميها بالزنا. وتعد حادثة الإفك من أشهر الأحداث التي مر بها البيت النبوي الشريف، وهي حادثة كان لها أكبر الأثر على هذا البيت، بل وعلى المجتمع المسلم كله، كادت تودي ببعض المسلمين الذين خاضوا فيها، والقصة كما ترويها السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي، فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجٍ وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقدٌ لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه -وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يثقلن ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام- فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج فاحتملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أحد فأممت منزلي الذي كنت به، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسانٍ نائم، فأتاني وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين أناخ راحلته، فوطئ يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرًا يفيضون من قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض، وإنما يدخل فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت