أولًا: المعنى اللغوي:
تدل مادة (خير) على العطف والميل، فكل أحد يميل إلى الخير، ويعطف على صاحبه 1.
والخير ضد الشر، وجمعه خيور، ويقال: رجلٌ خَيْرٌ وخَيِّرٌ -مشدّد ومخفّف-، أي: فاضل، والجمع أخيارٌ، وخيارٌ، والخيرات جمع خيرةٍ، وهي الفاضلة من كل شيء 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يختلف عن معناه اللغوي، فهو يطلق على «ما يرغب فيه كل الناس، كالعقل، والعدل، والفضل، والشيء النافع» 3.
كما يصدق الخير أيضًا على كل ما يتقرّب به العبد إلى الله تعالى من فعل الطاعات، والبعد عن المعاصي والسيئات، لذا قيل في تعريفه: هو إتيان ما يوجب الثواب الجزيل، ويجنب العقاب الأليم 4.
وردت مادة (خير) في القرآن الكريم (196) مرة، يخص موضوع البحث منها (188) مرة 5.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
المصدر ... 176 ... {بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) } [آل عمران:26]
الأسماء ... 12 ... {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة:148]
وأطلق الخير في القرآن الكريم على أربعة أوجه 6:
الأول: كل ما هو طيب وممدوح ومرغوب فيه، ويشمل العافية والسعة والنفع والأجر وغير ذلك: ومنه قوله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} [الحج:36] ، أي: لكم في البدن منافع كثيرة في الدنيا، والأجر في الآخرة إذا تقربتم إلى الله بذبحها.
الثاني: الإسلام أو القرآن: ومنه قوله تعالى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 105] .
الثالث: المال: ومنه قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة:180] أي: إن ترك مالًا.
الرابع: الأفضل: ومنه قوله تعالى: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} [الأعراف:12] أي: أنا أفضل منه.
البر:
البرّ لغة:
الاتساع في الإحسان والزيادة فيه إلى الناس، ويقال: أبر على صاحبه في كذا، أي: زاد عليه 7، وأصل معنى البر السعة، ومنه أخذ البر مقابل البحر، ثم شاع في الشفقة والإحسان والصلة 8.
البر اصطلاحًا:
قال الطبري: «كل طاعة لله تعالى تسمّى برًّا» 9، وقال الزمخشري: «البرّ سعة الخير والمعروف، ومنه البر، لسعته، ويتناول كل خير. ومنه قولهم: صدقت وبررت» 10. وقيل: هو اسم جامع لكل خير 11.
الصلة بين البر والخير:
يشترك لفظ البر مع لفظ الخير في معان كثيرة، وبينهما فروق منها: «أن الخير يقابله الشر، والبر يقابله العقوق، ومنها: أن البر هو الخير الواصل إلى الغير، مع القصد إلى ذلك، أما الخير فمطلق سواء كان عن قصد أو غير قصد، حتى لو وقع عن سهو لم يخرج عن استحقاق الصفة به» 12.
النعمة:
النعمة لغة:
قال ابن فارس: «النعمة: المنة، وكذلك النعماء. والنعمة: المال، يقال: هو واسع النعمة» 13، يقال: نَعِمَ يَنْعَمُ نَعْمَةً، ونِعمة العيش: حُسْنه، ونعمة الله: مَنُّه وعطاؤه، ومنه قوله تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20] 14.
النّعمة اصطلاحًا:
الحالة الحسنة 15. وهي في أصل وضعها الحالة الّتي يستلذها الإنسان 16.
الصلة بين النعمة والخير:
أنها سبيل إليه، فنعمة المال سبيل للإنفاق منه في وجوه الخير، ونعمة الصحة سبيل للقيام بواجبات العبودية لله تعالى من صلاة وصيام وحج وهكذا. وقد ذكر أبو هلال العسكري الفرق بين لفظ الخير ولفظ النعمة، فقال: «والفرق بينها: أي: النعمة وبين الخير، أن الإنسان يجوز أن يفعل بنفسه الخير كما يجوز أن ينفعها، ولا يجوز أن ينعم عليها» 17.
من الحقائق الثابتة التي لا مراء فيها أن الله تعالى خالق كل شيء، وهو خالق الخير يهدي إليه من يشاء من خلقه، ولا يعلم حقيقة الخير إلا الله. والناظر في القرآن الكريم يجد أن لفظ الخير ورد في بعض الآيات مقرونًا ببعض أسماء الله تعالى وصفاته: كـ {خَيْرُ النَّاصِرِينَ} ، و {خَيْرُ الْغَافِرِينَ} ونحوهما، كما أن هناك ميادين كثيرة للخير: كالإيمان، والعبادات، والأخلاق؛ وضّحها القرآن الكريم ليرشد المسلمين إليها. والحديث حول هذا الموضوع يشتمل على ما يأتي:
أولًا: مصدر الخير:
مصدر الخير هو الله سبحانه وتعالى فهو الذي خلقه ويسّره لأهله، قال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2] .
فالخير بيد الله تعالى هو خالقه وملهمه، قال تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26] .
قال صاحب الكشاف: «فإن قلت: كيف قال: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} فذكر الخير دون الشر؟ قلت: لأنّ الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين، وهو الذي أنكرته الكفرة، فقال: بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك، ولأن كل أفعال اللّه تعالى من نافع وضارّ صادر عن الحكمة والمصلحة، فهو خير كله، كإيتاء الملك ونزعه» 18.
وقال الفخر: «والألف واللام في الخير يوجبان العموم، فالمعنى: بقدرتك تحصل كلّ البركات والخيرات، وأيضًا فقوله: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} يفيد الحصر، كأنّه قال بيدك الخير لا بيد غيرك» 19.
ومما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في افتتاح الصلاة بعد التكبير وقبل القراءة: (اللّهمّ أنت الملك لا إله إلاّ أنت، أنت ربّي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي إنّه لا يغفر الذّنوب إلاّ أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلاّ أنت، واصرف عنّي سيّئها إنّه لا يصرف سيّئها إلاّ أنت، لبّيك وسعديك، والخير بيديك، أستغفرك وأتوب إليك، لا منجا منك إلاّ إليك) 20.
ثانيًا: الخير في أسماء الله وصفاته:
اقترن الخير في مواضع من القرآن الكريم بأسماء الله تعالى وصفاته، كـ {خَيْرُ النَّاصِرِينَ} ونحوه. ومعلوم أن أفعل التفضيل هنا ليس على بابه، بل من قبيل قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27] .
وبيان ذلك كما يأتي:
1.خير الناصرين.
ومعناه في حق الله تعالى أنه سبحانه ينصر من يستنصره، ويجازيه على استنصاره به 21.
وورد هذا الوصف في القرآن مرةً واحدةً، وذلك في قوله: {بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} [آل عمران: 150] .
قال الفخر: «وإنّما كان تعالى خير النّاصرين؛ لأنّه تعالى هو القادر على نصرتك في كلّ ما تريد، والعالم الّذي لا يخفى عليه دعاؤك وتضرّعك، والكريم الّذي لا يبخل في جوده، ونصرة العبيد بعضهم لبعضٍ بخلاف ذلك في كلّ هذه الوجوه، واعلم أنّ قوله: {وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} ظاهره يقتضي أن يكون من جنس سائر النّاصرين وهو منزّهٌ عن ذلك، لكنّه ورد الكلام على حسب تعارفهم» 22.
وقال الألوسي: «وهو خير النّاصرين؛ لأنه القوي الذي لا يغلب، والناصر في الحقيقة فينبغي أن يخص بالطاعة والاستعانة» 23، فالله سبحانه هو الغالب الذي لا يغلب جنده وصاحب القدرة المطلقة، فلا نصر إلا منه تعالى، ومهما بلغت قوة العدو وعدته وعتاده، فلا قيمة لكل ذلك أمام قدرة الله تعالى، نصر رسوله صلى الله عليه وسلم في هجرته وهزم الأحزاب وحده.
قال تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} [التوبة: 40] .
وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (لا إله إلاّ الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده) 24.
2.خير الرازقين.
وهذا الوصف معناه في حق الله تعالى: «أنّه سبحانه مختصٌّ بأن يرزق ما لا يقدر عليه غيره، وأنه تعالى هو الأصل في الرزق» 25.
وقد ورد هذا الوصف في خمسة مواضع من القرآن، منها قوله تعالى: {وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [المائدة: 114] .
أي: أعطنا من عطائك؛ فإنك يا رب خير من يعطي، وأجود من تفضّل 26.
ومنها قوله تعالى: {قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الجمعة: 11] .
قال ابن الجوزي في تفسيرها: «واللّه خير الرّازقين؛ لأنه يرزق من يؤمن به ويعبده، ومن يكفر به ويجحده، فهو يعطي من سأل ويبتدئ من لا يسأل، وغيره إنما يرزق من يرجو منفعته، ويقبل على خدمته» 27.
وقال ابن عاشور: «وذيّل الكلام بقوله: {وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} ؛ لأنّ اللّه يرزق الرّزق لمن يرضى عنه سليمًا من الأكدار والآثام؛ ولأنّه يرزق خير الدّنيا وخير الآخرة، وليس غير اللّه قادرًا على ذلك، والنّاس في هذا المقام درجاتٌ لا يعلمها إلّا اللّه، وهو العالم بالسّرائر» 28.
3.خير الفاصلين.
وهو من الفصل في الخصومات، ومعناه في حق الله تعالى أنه سبحانه خير من يفصل ويحكم بين الخلق كلهم.
قال الراغب: «الفصل: إبانة أحد الشيئين عن الآخر حتى يكون بينهما فرجة، وسمّي يوم القيامة يوم الفصل؛ لأنّه يبيّن الحق من الباطل، ويفصل بين الناس بالحكم، وفصل الخطاب ما فيه قطع الحكم» 29.
وورد هذا الوصف مرةً واحدةً في القرآن في قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام: 57] .
ومعنى الآية: «أنه هو خير من بيّن وميّز بين المحق والمبطل وأعدلهم؛ لأنه لا يقع في حكمه وقضائه حيف إلى أحد لوسيلة له إليه، ولا لقرابة ولا مناسبة، ولا في قضائه جور؛ لأنه لا يأخذ الرشوة في الأحكام فيجور، فهو أعدل الحكام وخير الفاصلين» 30.
قال صاحب الكشاف: «يقصّ الحقّ: أي: القضاء الحق، وهو خير الفاصلين: أي: القاضين» 31.
4.خير الحاكمين.
ومعناه في حق الله تعالى أنه سبحانه أفضل من يحكم بين الناس. وورد هذا الوصف في ثلاثة مواضع من القرآن، منها قوله تعالى: {فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [الأعراف: 87] .
قال الطبري: «والله خير من يفصل وأعدل من يقضي؛ لأنه لا يقع في حكمه ميلٌ إلى أحد ولا محاباة لأحد» 32.
5.خير الفاتحين.
قال الراغب: «الفتح: إزالة الإغلاق والإشكال، فتح القضيّة فتاحًا: أي: فصل الأمر فيها، وأزال الإغلاق عنها، والفاتح والفتّاح القاضي بلغة حمير» 33.
ومعناه في حق الله تعالى هنا أنه تعالى خير القاضين. وورد هذا الوصف في موضع واحد من القرآن هو قوله تعالى: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89] .
قال ابن عاشور: «فسّروا الفتح هنا بالقضاء والحكم» 34.
وبذلك يعلم أنّه تعالى خير الفاتحين، أي: خير الحاكمين؛ لأنّ حكمه هو العدل والقسط، وعلمه هو النافذ غير الخاطئ أبدًا، بخلاف حكم الآخرين، فهم بين حاكم عادل أو جائر، ومصيب أو مخطئ.
6.خير الغافرين.
قال صاحب اللسان: «الغفور الغفّار جلّ ثناؤه وهما من أبنية المبالغة، ومعناهما: الساتر لذنوب عباده، المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم» 35.
قال الفخر: «خير الغافرين، معناه: أنّ كلّ من سواك فإنّما يتجاوز عن الذّنب: إمّا طلبًا للثّناء الجميل، أو للثّواب الجزيل، أو دفعًا للرّبقة الخسيسة عن القلب؛ وبالجملة فذلك الغفران يكون لطلب نفعٍ، أو لدفع ضررٍ، أمّا أنت فتغفر ذنوب عبادك لا لطلب عوضٍ وغرضٍ، بل لمحض الفضل والكرم، فوجب القطع بكونه خير الغافرين» 36.
وورد هذا الوصف في القرآن مرّةً واحدةً في قوله تعالى: {أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} [الأعراف: 155] .
ومعنى الآية كما قال الطبري: « {فَاغْفِرْ لَنَا} ، أي: فاستر علينا ذنوبنا بتركك عقابنا عليها، {وَارْحَمْنَا} تعطف علينا برحمتك، {وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} ، أي: أنت خير من صفح عن جرم، وستر على ذنب» 37.
7.خير الماكرين.
قال الراغب: «المكر: صرف الغير عمّا يقصده بحيلة، وذلك ضربان: مكر محمود، وهو أن يتحرّى بذلك فعل جميل، ومذموم، وهو أن يتحرّى به فعل قبيح» 38.
وقد ورد هذا الوصف في موضعين من القرآن:
الأول: في قوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54] .
والثاني: في قوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] .
وقد اتّفق المفسّرون على أنّ المراد من مكره سبحانه هو المجازاة على مكرهم.
قال ابن عاشور: «ومعنى: {وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} ، أي: أقواهم عند إرادة مقابلة مكرهم بخذلانه إيّاهم. ويجوز أن يكون معنى {خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} : أنّ الإملاء والاستدراج الّذي يقدّره للفجّار والجبابرة والمنافقين الشّبيه بالمكر في أنّه حسن الظّاهر سيّئ العاقبة، هو خيرٌ محضٌ لا يترتّب عليه إلّا الصّلاح العامّ، وإن كان يؤذي شخصًا أو أشخاصًا، فهو من هذه الجهة مجرّدٌ عمّا في المكر من القبح، ولذلك كانت أفعاله تعالى منزّهةً عن الوصف بالقبح أو الشّناعة؛ لأنّها لا تقارنها الأحوال الّتي بها تقبّح بعض أفعال العباد من دلالةٍ على سفاهة رأيٍ، أو سوء طويّةٍ، أو جبنٍ، أو ضعفٍ، أو طمعٍ، أو نحو ذلك، أي: فإن كان في المكر قبحٌ فمكر اللّه خيرٌ محضٌ، ولك على هذا الوجه أن تجعل {خَيْرُ} بمعنى التّفضيل وبدونه» 39.
8.خيرٌ حافظًا.
«الحفظ له معنى واحد يدل على مراعاة الشيء، والتحفّظ: قلّة الغفلة، والحفاظ: المحافظة على الأمور. والحفيظ: الموكّل بالشّيء يحفظه، كالحافظ» 40.
ورد هذا الوصف في القرآن مرةً واحدةً في قوله تعالى: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 64] .
والآية تحكي ما قاله يعقوب عليه السلام لأبنائه عندما طلبوا منه أن يأخذوا أخاهم للملك؛ ليأذن لهم في الكيل.
ومعنى الآية كما قال ابن عاشور: «أي: خيرٌ حفظًا منكم؛ فإن حفظه اللّه سلم، وإن لم يحفظه لم يسلم، كما لم يسلم أخوه من قبل حين أمنتكم عليه» 41.
9 -خير الوارثين.
قال في اللسان: «الوارث صفة من صفات الله عز وجل وهو الباقي الدائم الذي يرث الخلائق ويبقى بعد فنائهم، والله عز وجل يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، أي: يبقى بعد فناء الكل ويفنى من سواه؛ فيرجع ما كان ملك العباد إليه وحده لا شريك له» 42.
وورد هذا الوصف في القرآن أيضًا مرةً واحدةً في قوله تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} [الأنبياء: 89] .
قال البغوي: « {وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} : ثناءٌ على اللّه بأنّه الباقي بعد فناء الخلق، وأنّه أفضل من بقي حيًّا» 43.
10.خير المنزلين.
قال الفخر: «الإنزال في الأمكنة قد يقع من غير اللّه، كما يقع من اللّه تعالى وإن كان هو سبحانه خير من أنزل؛ لأنّه يحفظ من أنزله في سائر أحواله، ويدفع عنه المكاره بحسب ما يقتضيه الحكم والحكمة» 44.
ورد هذا على أنه صفة لله تعالى مرةً واحدةً في القرآن في قوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} [المؤمنون: 29] .
قال الطبري في تفسير هذه الآية: «يقول تعالى ذكره لنبيه نوح عليه السلام: وقل إذا سلّمك الله، وأخرجك من الفلك، فنزلت عنها: {رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا} من الأرض {مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} : أنت خير من أنزل عباده المنازل» 45.
وفي هذه الآية توجيه من الله تعالى لنبيه نوح عليه السلام أن يطلب من الله تعالى أن يتفضّل عليه بإنزاله منزلًا مباركًا، بأن يكون ذات ماء وشجر، أو غير ذلك ممّا يمهّد الحياة.
وورد قوله تعالى: {خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} مرةً واحدةً أيضًا في شأن يوسف عليه السلام حينما قال لإخوته -فيما حكى القرآن-: {أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} [يوسف: 59] ، أي: خير المضيفين، «وعدهم بأن يوفي لهم الكيل، ويكرم ضيافتهم، إن أتوا بأخيهم» 46.
11.خير الراحمين.
قال صاحب اللسان: «الرحمة: الرّقّة والتّعطّف، والرحمة: المغفرة، والرّحمة في بني آدم عند العرب: رقّة القلب وعطفه، ورحمة الله: عطفه وإحسانه ورزقه» 47.
ورد هذا الوصف في القرآن مرتين:
الأولى: في قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون: 109] .
والثانية: في قوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون: 118] .
أي: أنت يا ربّ خير من رحم ذا ذنب، فقبل توبته، ولم يعاقبه على ذنبه 48.
ثالثًا: حقيقة الخير لا يعلمها إلا الله:
إن الخير بيد الله تعالى فهو سبحانه خالقه وملهمه ولا يعلم حقيقته إلا هو، فقد يقع للإنسان شيء من الأقدار المؤلمة والمصائب الموجعة التي تكرهها نفسه، فربما جزع أو أصابه الحزن وظنّ أن ذلك المقدور هو الضربة القاضية والفاجعة المهلكة لآماله وحياته، فإذا بذلك المقدور منحة من الله في ثوب محنة، وعطية منه تعالى في رداء بليّة، وكم أتى نفع الإنسان من حيث لا يحتسب، والعكس صحيح، فكم من إنسان سعى إلى شيءٍ ظاهره الخير، واستمات في سبيل الحصول عليه، وبذل الغالي والنفيس من أجل الوصول إليه، فإذا بالأمر يأتي على خلاف ما يريد.
وهذا هو ما يقرره القرآن الكريم في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216] .
والآية وإن كانت ورادة في شأن القتال والجهاد إلا أن العبرة بعموم اللفظ.
ومعنى الآية: «عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة {وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} في أنكم تغلبون وتظهرون وتغنمون وتؤجرون، ومن مات مات شهيدًا، {وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا} الدعة وترك القتال {وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} في أنكم تغلبون وتذلّون ويذهب أمركم، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ} ما يصلحكم وما هو خير لكم {وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ذلك» 49.
وكذلك قوله تعالى: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19] .
والآية ورادة في كراهية الرجل لزوجته، والمعنى: «فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله في ذلك الشيء الذي تكرهونه خيرًا كثيرًا، والمراد بالخير الكثير -كما فسره ابن عباس- أن يعطف عليها فيرزق الرجل ولدها، ويجعل الله في ولدها خيرًا كثيرًا» 50.