أولًا: المعنى اللغوي:
النورلغة: الضياء، والجمع أنوارٌ. و (أنار) الشيء و (استنار) بمعنى، أي: أضاء. و (التنوير) الإنارة. وهو أيضًا الإسفار. وهو أيضًا إزهار الشجرة. يقال: (نورت) الشجرة (تنويرًا) و (أنارت) أي أخرجت (نورها) 1.
والنور، بالضم: الضوء أيًّا كان، أو شعاعه، جمعه: أنوارٌ ونيرانٌ 2.
والنون والواو والراء (نور) أصلٌ صحيح يدل على إضاءة واضطراب وقلة ثبات. ومنه النور والنار، سُمٍّيا بذلك من طريقة الإضاءة، ولأن ذلك يكون مضطربًا سريع الحركة. وتنورت النار: تبصرتها.
ومنه النور: نور الشجر ونواره. وأنارت الشجرة: أخرجت النور. والمنارة: مفعلةٌ من الاستنارة، والأصل منورةٌ. ومنه منار الأرض: حدودها وأعلامها، سميت لبيانها وظهورها 3.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
هو الضوء المنتشر الذي يعين على الإبصار، وذلك ضربان: ضرب معقول بعين البصيرة؛ وهو ما انتشر من الأمور الإلهية: كنور العقل، ونور القرآن. ومحسوس بعين البصر؛ وهو ما انتشر من الأجسام النيرة: كالقمرين، والنجوم، والنيرات 4.
والنور: كيفية تدركها الباصرة أولًا، وبواسطتها سائر المبصرات 5.
والنور: هو الجوهر المضيء، والنار كذلك، غير أن ضوء النار مكدر مغمور بدخان محذور عنه، بسبب ما يصحبه من فرط الحرارة والإحراق، وإذا صارت مهذبة مصفاة كانت محض نور، ومتى نكصت عادت الحالة الأولى جذوة، ولا تزال تتزايد حتى ينطفئ نورها، ويبقى الدخان الصرف 6.
وردت مادة (نور) في القرآن بصيغ متعددة، بلغت (194) مرة، منها (49) مرة تخص موضوع البحث 7.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
المصدر ... 43 ... {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) } [المائدة:15]
اسم الفاعل ... 3 ... {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) } [الحج:8]
وجاء النور في الاستعمال القرآني على سبعة أوجه 8:
الأول: الإسلام والإيمان: ومنه قوله تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ} [الصف:8] . أي: الإسلام، وقوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [الأنعام:122] . أي: إيمانًا.
الثاني: الهدى: ومنه قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور:35] . أي: هادي من في السماوات والأرض.
الثالث: النبي صلى الله عليه وسلم: ومنه قوله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) } [المائدة:15] . أي: محمد صلى الله عليه وسلم.
الرابع: ضوء النهار: ومنه قوله تعالى: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام:1] . أي: ضوء النهار.
الخامس: ضوء القمر: ومنه قوله تعالى: {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61) } [الفرقان:61] . أي: مضيئًا لأهل الأرض.
السادس: ضوء المؤمنين على الصراط: ومنه قوله تعالى: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} [الحديد:12] . أي: الضوء الذي يعطي الله المؤمنين على الصراط يوم القيامة.
السابع: القرآن: ومنه قوله تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا} [التغابن:8] ، أي: القرآن.
الضياء:
الضياء لغة:
أصلها ضوء، قلبت الواو إلى ياء لمناسبة الكسرة قبلها 9، والضوء هو الإنارة الناجمة عن مصدر ذاتي الإشعاع 10.
الضياء اصطلاحًا:
هو الإشعاع الشمسي الذي يؤثر في العين فيمكن المبصر من الرؤية 11.
وقال الراغب: «الضوء: ما انتشر من الأجسام النيرة» 12.
الصلة بين النور والضياء:
النور والضياء مترادفان لغة.
وقد يفرق بينهما؛ بأن الضوء: ما كان من ذات الشيء المضيء، والنور: ما كان مستفادًا من غيره. وعليه جرى قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا} [يونس: 5] .
السنا:
السنا لغة:
الضوء الساطع، والسناء: الرفعة، والسانية التي يسقى بها، سميت لرفعتها 13.
السنا اصطلاحًا:
ضوء البرق الذي في السحاب.
الصلة بين النور والسنا:
يتفق النور والسنا من حيث شدة ضياء البرق وصفائه ونور لمعانه، إضافة إلى العلو والمجد والشرف والحسب والارتفاع في السنا، والأصل في السنا الإلماع، وهو أصل في النور أيضًا.
المشكاة:
المشكاة لغة:
كل كوةٍ ليست بنافذة، وهي أجمع للضوء، والمصباح فيها أكثر إنارةً في غيرها. وقال مجاهد: المشكاة: العمود الذي يكون المصباح على رأسه 14.
المشكاة اصطلاحًا:
لايخرج عن معناه اللغوي.
الصلة بين النور والمشكاة:
الصلة بين المشكاة والنور واضحة فالمشكاة هي مكان الضوء وحابسته حتى يظهر، والصلة بينهما صلة مجاورة.
السراج:
السراج لغة:
(سرج) : أصل صحيح يدل على الحسن والزينة والجمال. ومن ذلك السراج؛ سمي لضيائه وحسنه. والجمع: سُرُجٌ. والمسرجة: التي فيها الفتيل. وأسرج السراج: أوقده. وجبين سارج، أي: واضح كالسراج. ويقال: سرج وجهه، أي: حسنه، كأنه جعله له كالسراج 15.
السراج اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي.
الصلة بين النور والسراج:
السراج مصدر من مصادر النور، ولذا قال تعالى: {وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} [نوح: 16] .
فالشمس ينتج عن نورها إضاءة كالسراج.
من خلال تتبع الاقتران والمقابلة بين لفظي (النور) و (الظلمات) في آيات عدة من القرآن الكريم، نلحظ الأمور الآتية:
أولًا: تكرر تقابل لفظ النور بالظلمات في أحد عشر موضعًا مختلفًا في القرآن الكريم.
ثانيًا: كل ما ورد في القرآن من أمر الظلمات والنور فالمراد به الكفر مقابل الإيمان، إلا التي في أول سورة (الأنعام) في قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] .
فإن المراد هناك ظلمة الليل ونور النهار 16.
ثالثًا: التآم سياق سائر الآيات الإحدى عشرة على إفراد النور وجمع الظلمات، لتعدد فنون الباطل، واتحاد الحق، فطرق الضلال والكفر المقصودة من الظلمات كثيرة ومتشعبة؛ فهناك ظلمة الجهل، وظلمة العناد، وظلمة التقليد في الباطل، وظلمة الشرك والكفر، كما أن الظلمة متنوعة بتنوع أسبابها؛ فهناك ظلمة الليل، وظلمة المحابس، وظلمة القبور، وظلمة الغمام، وهي تتغير حقائقها بتغير أسبابها. كما أن الظلمات من أجرام متكاثفة، ولها أسباب كثيرة، أما النور فمن جنس متحد. ثم ثمة إشارة إلى أمر معنوي، وهي أن ظلمة الإدراك تتعدد حقائقها، فهناك ظلمة الانحراف، وظلمة الأهواء والشهوات، وظلمة طمس القلوب، أما النور فواحد، وهو الحق لا يتعدد، ومن نتائجه الكشف والظهور، وتعدد أسبابه لا يغير حقيقته.
قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153] .
فطريق الحق واضحة المعالم لا لبس فيها، ولا تشعب في مسالكها، أما طريق الضلال فهي متعددة متشعبة ملتبسة على من يسلكها 17.
رابعًا: تقديم الظلمات على النور. لأنها المخلوقة أولًا.
خامسًا: في جمع الظلمات وإفراد النور لونان من ألوان المحسنات المعنوية في علم البديع من فن البلاغة:
1.الطباق.
وهو الجمع بين الشيء وضده في الكلام، وهو نوعان: طباق الإيجاب، وهو ما لم يختلف فيه الضدان سلبًا أو إيجابًا، وطباق السلب، وهو ما اختلف فيه الضدان إيجابًا وسلبًا.
2.استعارة تصريحية.
والاستعارة من المجاز اللغوي، وهي تشبيهٌ حذف أحد طرفيه، فعلاقتها المشابهة دائمًا، وهي قسمان: تصريحية ومكنية، والتصريحية: هي ما صرح فيها بلفظ المشبه به، كما في مثالنا هنا، حيث استعار الظلمات، ولا يقصد به إلا الضلال، واستعار النور، ولا يقصد به إلا الهدى والإيمان 18.
قال الله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35] .
وقوله: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي: مدبر أمرهما بحكمةٍ بالغةٍ وحجَّةٍ نيرة. ثم مَثًّلَ مَثَلَ نوره ذلك في القلوب بأبين النور الذي لم يدرك بالأبصار فقال: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} [النور: 35] .
فنوره يجوز أن يكون ما ذكرنا من تدبيره، وجائز أن يكون كتابه الذي بَيِّنَ به فقال: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة: 15] .
وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو النور الذي قال {مَثَلُ نُورِهِ} ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو المرشد والمبين والناقل عن الله ما هو نيرٌ، بينٌ 19.
قال ابن عطية في ثنايا تفسير هذه الآية ما نصُّهُ: (النور) في كلام العرب الأضواء المدركة بالبصر 20.
وقال تعالى: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الزمر: 69] .
قال الإمام الفخر الرازي في ثنايا تفسير هذه الآية ما نصه: قالت المجسمة: إن الله تعالى نورٌ محضٌ، فإذا حضر الله في تلك الأرض لأجل القضاء بين عباده أشرقت تلك الأرض بنور الله، وأكدوا هذا بقوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور: 35] .
واعلم أن الجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: أنا بينا في تفسير قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أنه لا يجوز أن يكون الله سبحانه وتعالى نورًا، بمعنى كونه من جنس هذه الأنوار المشاهدة، وبينا أنه لما تعذر حمل الكلام على الحقيقة، وجب حمل لفظ النور ههنا على العدل، فنحتاج ههنا إلى بيان أن لفظ النور قد يستعمل في هذا المعنى، ثم إلى بيان أن المراد من لفظ النور ههنا ليس إلا هذا المعنى، أما بيان الاستعمال فهو أن الناس يقولون للملك العادل: أشرقت الآفاق بعدلك، وأضاءت الدنيا بقسطك، كما يقولون: أظلمت البلاد بجورك، وقال صلى الله عليه وسلم: (الظلم ظلمات يوم القيامة) 21.
وأما بيان أن المراد من النور ههنا العدل فقط أنه قال: {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ} [الزمر: 69] .
ومعلوم أن المجيء بالشهداء ليس إلا لإظهار العدل، وأيضًا قال في آخر الآية: {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} ، فدل هذا على أن المراد من ذلك النور إزالة ذلك الظلم، فكأنه تعالى فتح هذه الآية بإثبات العدل، وختمها بنفي الظلم.
والوجه الثاني: في الجواب عن الشبهة المذكورة أن قوله تعالى: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} [الزمر: 69] .
يدل على أنه يحصل هناك نور مضاف إلى الله تعالى، ولا يلزم كون ذلك صفة ذات الله تعالى؛ لأنه يكفي في صدق الإضافة أدنى سبب، فلما كان ذلك النور من خلق الله، وشَرَّفَهُ، بأن أضافه إلى نفسه، كان ذلك النور نور الله، كقوله: بيت الله، وناقة الله، وهذا الجواب أقوى من الأول، لأن في هذا الجواب لا يحتاج إلى ترك الحقيقة، والذهاب إلى المجاز.
والوجه الثالث: أنه قد يقال: فلان رب هذه الأرض، ورب هذه الدار، ورب هذه الجارية، ولا يبعد أن يكون رب هذه الأرض ملكًا من الملوك، وعلى هذا التقدير فلا يمتنع كونه نورًا 22.
وقال تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32] .
وقال عز وجل: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف: 8] .
علق الشيخ رشيد رضا في تفسيره المنار على لفظ (النور) ما نصه: ما ورد في (النور) من نصوص الكتاب والسنة فقد سمى الله تعالى نفسه نورًا، وورد النور في أسمائه الحسنى المأثورة، وأسند النور إلى اسم الذات في قوله: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور: 35] .
وأسنده رسوله صلى الله عليه وسلم إلى وجهه تعالى بقوله: (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات) 23، ومثله في آثار أخرى.
والجمهور يفسرون الوجه بالذات، وهذا نوع من استعمال النور، غير إضافته إليه تعالى في قوله: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} [الزمر: 69] .
وقوله: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} [الصف: 8] .
على أن نوره في الأخيرة كتابه ووحيه وكلامه الذي هو من صفاته، والمراد به في الأظهر ما فيه آيات الهداية، فهو كقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} [المائدة: 44] .
ومثله إطلاق اسم النور على النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة: 15] .
على وجه. وورد مثل هذا في كتب العهد الجديد عند النصارى مرويًّا عن المسيح عليه السلام، كقول يوحنا في رسالته الأولى (1: 5) : وهذه هي البشرى التي سمعناها منه ونبشركم بها: أن الله نور، وليس فيه ظلمة ألبتة. وأطلق النور على المسيح نفسه في موضع من إنجيلي لوقا ويوحنا.
ومن المعلوم أن النور حسي ومعنوي، فالأول يرى بالبصر ويرى به البصر سائر المبصرات، والثاني يدرك بالبصيرة وتدرك به البصيرة الحق والخير والصلاح، كذلك نور الآخرة قسمان: حسي ومعنوي، وأما نور الله تعالى الذي هو صفة من صفاته فقد أضيف إلى وجهه، وأسند إلى ذاته، فهو فوق هذا وذاك، لا يعرف كنهه سواه عز وجل، وهو غير النور الذي هو حجابه المانع من رؤية ذاته، وإدراك كنهه، ولا يكبرنَّ عليك أيها الإنسان المعجب بنفسك هذا العجز عن إدراك نور الله عز وجل، فإن هذا النور الحسي الذي تراه بعينك لا تدرك حقيقته، ولم يدركها أحد من أبناء جنسك إلى الآن، ولم يستطع أحد أن يضع له تعريفًا يحدد هذه الحقيقة، ولم يكن المتقدمون يعرفون منه إلا ما يرونه من نار الأرض ونيرات السماء، ثم عرف المتأخرون هذه الكهرباء والراديو، فدخل بذلك العلم والعمل في طور جديد، إذا قيل: إنه فوق طور العقل والفلسفة والعلم التي انتهى إليها البشر قبله، لم يكن هذا القول مبالغة، وقد كانت الصوفية تقول: إن وراء مدرك عقول البشر علومًا صحيحة منطبقة على حقائق خارجية، لا محض نظريات فكرية، فيقول مدعو الفلسفة والمنطق: إن هذه خرافات خيالية، قال ابن الفارض: فثم وراء العقل علمٌ يدق عن مدارك غايات العلوم الصحيحة.
فأي عقل كان يتصور أنه يمكن لشخص واحد أن يوقد ما لا يحصى من المصابيح في دار، أو مدينة كبيرة في طرفة عين، وأن يطفئها في طرفة عين؟ وأن هذه المصابيح توقد بلا زيت ولا نار، وإنما تشعل بتحريك هنة صغيرة بعيدة عنها، ولكنها متصلة بها بسلك دقيق 24.
أولًا: النور الحسي:
ويتجلى في نماذج المحسوسات الآتية:
1.القمر.
قال تعالى: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا) [نوح: 16] .
وقال تعالى أيضًا: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ? مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَ?لِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ? يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [يونس: 5] .
قال الإمام البغوي في تفسيره: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً) بالنهار، (وَالْقَمَرَ نُورًا) بالليل. وقيل: جعل الشمس ذات ضياء، والقمر ذا نور، (وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ) ، أي: قدر له، يعني هيأ له منازل لا يجاوزها ولا يقصر دونها، ولم يقل: قدرهما. قيل: تقدير المنازل ينصرف إليهما، غير أنه اكتفى بذكر أحدهما، كما قال: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ) [التوبة: 62] .
وقيل: هو ينصرف إلى القمر خاصة، لأن بالقمر يعرف انقضاء الشهور والسنين لا بالشمس، ومنازل القمر ثمانية وعشرون منزلًا، وأسماؤها: الشرطين، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنسر، والطرف، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعواء، والسماك، والغفر، والزباني، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفرع الدلو المقدم، وفرع الدلو المؤخر، وبطن الحوت.
وهذه المنازل مقسومة على البروج، وهي اثنا عشر برجًا: الحمل والثور والجوزاء، والسرطان والأسد والسنبلة، والميزان والعقرب والقوس، والجدي والدلو والحوت، فلكل برج منزلان وثلث منزل، فينزل القمر كل ليلة منزلًا منها، ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين، وإن كان الشهر تسعًا وعشرين فليلة واحدة، فيكون انقضاء الشهر بنزول تلك المنازل، ويكون مقام الشمس في كل منزلة ثلاثة عشر يومًا وثلث يوم، فيكون انقضاء السنة من انقضائها.
قوله تعالى: (لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ) ، أي: قدر المنازل لتعلموا عدد السنين دخولها وانقضاءها، (وَالْحِسَابَ) ، يعني: حساب الشهور والأيام والساعات. (مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَ?لِكَ) ، رده إلى الخلق والتقدير، ولولا رده إلى الأعيان المذكورة لقال تلك، (بِالْحَقِّ) ، أي: لم يخلقه باطلًا، بل إظهارًا لصنعه، ودلالة على قدرته. (يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) 25.
2.القرآن الكريم.
قال الله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ? فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ?157?) [الأعراف: 157] .
وقد ذهب المفسرون في تعيين النور في الآية بالقرآن الكريم في قوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ) ، أي: واتبعوا القرآن المنزل إليه، مع إتباعه بالعمل بسنته، مما يأمر به، وينهى عنه. أو اتبعوا القرآن مصاحبين له في اتباعه. وسمى القرآن نورًا، لأن به يستنير قلب المؤمن فيخرج به من ظلمات الشك والجهالة إلى ضياء اليقين والعلم 26.
3.الكتب المنزلة.
قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} [المائدة: 44] .
استئناف يتضمن تعظيم التوراة وتفخيم شأنها، وأنَّ فيها الهدى والنور، وهو بيان الشرائع والتبشير بمحمد صلى الله عليه وسلم وإيجاب اتباعه 27.
وقال تعالى: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا} [الأنعام: 91] .
أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين لإنزال شيء من الكتب من عند الله، في جواب سؤالهم العام، بإثبات قضية جزئية موجبة، {مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} وهو التوراة التي قد علمتم، وكلُّ أحد قد علم أن الله قد أنزلها على موسى بن عمران، {نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ} ، أي: ليستضاء بها في كشف المشكلات، ويهتدى بها من ظلم الشبهات. وقوله تعالى: {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا} ، أي تجعلون جملتها قراطيس، أي: قطعًا تكتبونها من الكتاب الأصلي، الذي بأيديكم، وتحرفون منها ما تحرفون، وتبدلون وتتأولون، وتقولون هذا من عند الله، أي في كتابه المنزل، وما هو من عند الله، ولهذا قال تعالى: {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا} 28.
وقال تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [المائدة: 46] .
ثانيًا: النور المعنوي:
ويتجلى في نماذج المعاني الثلاثة الآتية:
1.النبوة.
ومثله إطلاق اسم النور على النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) [المائدة: 15] .