فهرس الكتاب

الصفحة 2131 من 2431

وليس هذا الفعل بجديد عليهم، فقد أرادوا وحاولوا التخذيل من قبل وذلك في غزوة أحد، فعندما وصل المسلمون إلى موضع بستان بين المدينة وأحد يسمى الشوط انسحب عبد الله بن أُبي بثلاثمائة من المنافقين قائلًا: أطاع الولدان ومن لا رأي له، أطاعهم وعصاني، علام نقتل أنفسنا؟ 73.

وكان مقصده من ذلك زلزلة الصف المسلم، حتى كادت طائفتان من المسلمين أن تفشلا وهما بنو سلمة وبنو حارثة وفيهم نزل قوله تعالى: (إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) [آل عمران:122] .

وقوله: (وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ) يعني: أنهم أعملوا الحيل والمكايد، ودبروا الأمور وقلبوها على كل أوجهها، وحاولوا بكل جهدهم أن يفشلوا أمرك، ولكن الله أخزاهم؛ فجاء الحق وفتحت مكة وتم النصر وظهر دين الله وهم كارهون.

وبعد أن ذكرت الآيات السابقة موقف المنافقين من الجهاد واستئذانهم ومفاسد خروجهم على وجه الإجمال، جاءت هذه الآيات لتفصل القول في مواقفهم التي قاموا بها قبل الغزوة وأثناءها. وتذكر أمثلة عملية لأعذارهم الكاذبة في التخلف عن الجهاد.

عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لجد بن قيس: (يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر؟) قال جد: أتأذن لي يا رسول الله؟ فإني رجل أحب النساء، وأخشى إن أنا رأيت نساء بني الأصفر أن أفتتن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض عنه: (قد أذنت لك) . فأنزل الله: (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي ? أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ? وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ 74.

جاء أحد المنافقين وهو الجد يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم ويذكر عذرًا هو في حد ذاته ذنب فيقول: ائذن لي في القعود وعدم الذهاب ولا تفتني، أي: لا تؤثمني بأمرك إياي في الخروج، وذلك غير متيسر لي فآثم، فإذنك لا يوقعني في الإثم.

وجاء الرد القرآني على شبهته الواهية: (أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا) وألا الاستفتاحية تفيد التنبيه لما يأتي بعدها، والسقوط يفيد معنى الهوي والضياع والتمكن في الوقوع، يقول سيد قطب: «والتعبير يرسم مشهدًا كأن الفتنة فيه هاوية يسقط فيها المفتونون، وكأن جهنم من ورائهم تحيط بهم، وتأخذ عليهم المنافذ والجهات فلا يفلتون، كناية عن مقارفتهم للخطيئة كاملة وعن انتظار العقاب عليها حتمًا جزاء الكذب والتخلف والهبوط إلى هذا المستوى المنحط من المعاذير» 75.

إن فتنته الحقيقية ليست في ذهابه إلى بلاد الروم كما زعم، ولكن فتنته في تخلفه، وقبيح اعتذاره، وهذه هي الفتنة التي أصابته قبل أن يذهب. ثم يأتي التهديد القرآني له ولأمثاله: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) فلن يستطيعوا منها فكاكًا ولن يجدوا عنها مهربًا.

ثم تذكر الآيات موقفًا آخر يبين سوء بواطنهم وخبث ضمائرهم ومحبتهم إلحاق الأذى بالمسلمين فيقول تعالى: (إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) والحسنة نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم.

وورد في نزولها عن جابر قال: «جعل المنافقون الذين تخلفوا بالمدينة يخبرون عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار السوء، يقولون: إن محمدًا وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا فبلغهم تكذيب حديثهم وعافية النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فساءهم ذلك، فأنزل الله تعالى: (إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) » 76.

ثم يعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم طريق الرد على هؤلاء بقوله: قل لهم يا محمد، لن يأتينا إلا ما قدره الله عز وجل وقضاه في اللوح المحفوظ، واللام تفيد الاختصاص أي: إن هذه الإصابة لصالحنا ولخيرنا. وقوله: (هُوَ مَوْلَانَا) أي: هو ناصرنا ومتولي أمورنا لا ولي لنا غيره؛ ولذلك فلن نتوكل إلا عليه، ولن نستعصم إلا بحبله المتين.

ويأتي تلقين الجواب الثاني على ما قام به المنافقون فيقول تعالى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) وهل للاستفهام وتفيد معنى التقرير، وفيه توبيخ للمنافقين، والمعنى: ما تنتظرون بنا إلا أحد أمرين كل منهما أحسن من العواقب الأخرى ومن عاقبة أمركم: أما أولهما فالنصر والفتح من الله، وفي ذلك عز الدنيا والآخرة. وثانيهما: الشهادة والمنزلة الرفيعة عند الله، ولا أفضل منهما، ولن يأتينا غيرهما.

أما أنتم أيها المنافقون فإنا نتربص بكم إحدى سوأتين: إما أن يأتيكم عذاب من الله في الدنيا فيهلككم كما أهلك الأولين والسابقين، أو يجعلنا الله أداة لقدرته فيهلككم بأيدينا، ولننتظر نحن وأنتم موعود الله بنا وبكم، فنحن على ثقة من نصره سبحانه، قال الحسن: تربصوا مواعيد الشيطان إنا معكم متربصون مواعد الله من إظهار دينه واستئصال من خالفه 77.

ثم تأتي الآيات بعد ذلك لتبين أنه لا فائدة من نفقتهم؛ لأنها بنيةٍ مدخولةٍ ولن يكون مالهم إلا حسرة عليهم يوم القيامة.

قال تعالى: (ےقُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ) والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المنافقين: لا فائدة من نفقتكم، فإن أنفقتموها طائعين باختياركم أو مكرهين من رؤسائكم فالأمران مستويان في عدم القبول، فالأمر بالإنفاق بمعنى التسوية.

وقد روي في سبب نزول الآية أن الجد ابن قيس قال: إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن، ولكن أعينك بمالي. ففيه نزلت الآية 78. لكن السبب ضعيف، وبفرض صحته فالآية تذكر أمرًا عامًّا بصيغة الجمع يصدق عليه وعلى غيره.

وقوله: (لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ) يحتمل أن يكون المعنى: لن يتقبلها منكم رسول الله ويأخذها، ويحتمل: لن يتقبلها الله منكم.

ثم تذكر الآية علة عدم قبول نفقتهم (إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ) والفسق مطلق الخروج ويراد به الكفر والمعاصي.

والظاهر إرادة المعنى الأول هنا بدليل التفصيل الوارد في الآية التي بعدها (وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى? وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) .

والمعنى: الذي منع قبول نفقاتهم في أي شيء من الأشياء في هذه الغزوة وفي غيرها ثلاثة أسباب:

أولها: الكفر بالله وبرسوله، ومعلومٌ أن العمل لا يقبل ولا يزكو إلا بالإيمان؛ فلا يتقبل الله إلا من المتقين.

والأمر الثاني: أنهم لا يأتون الصلاة إلا وهم على حال من الكسل والفتور والتراخي، وجاء التعبير بصيغة الحصر للدلالة على أن هذا شأنهم في كل صلاة يصلونها؛ إذ هم لا يرجون بها ثوابًا ولا يخافون عقابًا.

والسبب الثالث: أنهم لا ينفقون إلا وأنفسهم غير راضية؛ فهم يعدون النفقة مغرمًا وبها تنقص أموالهم.

والتعبير بلفظ: (كَارِهُونَ) للدلالة على أن مجرد الأمر لهم بالنفقة إكراه لهم، وقد جاء ذكر عدم الصلاة الصحيحة، وعدم الإنفاق الصادق بعد الكفر -وإن كان الكفر وحده سببًا كافيًا لعدم القبول- إشارة إلى أن فعل الصلاة والإنفاق منهم لا يدل على إيمان، وإنما يدل على تمكن النفاق في القلب؛ لأنها صلاة بلا روح ونفقة بلا رغبة، والله أعلم.

وقد كان هؤلاء المنافقون من ذوي السعة في المال، فجاءت الآية على سبيل التعليم للنبي والأمة ألا يعجبوا بكثرة المال والولد، فإنه مصدر شقاء لهم في الدنيا والآخرة (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ? إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) .

والمعنى: لا تظنن أن كثرة المال والولد مصدر سعادة وهناء لهؤلاء القوم، بل هي مصدر شقاءٍ وغمٍّ وهمٍّ وحسرةٍ في الدنيا قبل الآخرة، فقد قضى الله قضاءً لا يرد أن من أحب شيئًا من دون الله عُذِّب به في الدنيا قبل الآخرة، ومن استعز بغير الله أتاه الذل من مبتغاه.

ثم تفضح الآيات دخائل نفوسهم وتبين كذبهم في حلفهم وقولهم إنهم لمن المؤمنين، وتبين أن الذي دفعهم إلى ذلك أنهم قوم يخافون الإخراج من الديار، أو يخافون قتال المؤمنين لهم، فيهرعون إلى الحلف وإلى التأكيد بأكثر من مؤكد أنهم من المؤمنين، وأنهم ينسبون إليهم في الدين وفي طاعة الله والرسول، والحق أنهم ليسوا كذلك ولكنهم يتظاهرون بذلك؛ لأنهم قوم يفرقون.

وتأتي الآية التي تليها لتفصل فرقهم وشدة جزعهم وخوفهم، وأنهم لو وجدوا مكانًا حصينًا أو كهفًا في جبل، أو مغارة وسربًا تحت الأرض لفرُّوا إليها مسرعين لا يلوون على شيء، وما ذاك إلا لتماديهم في كراهيتكم وكراهية المعيشة معكم؛ ولفرقهم من اكتشاف نفاقهم. وفي الآية تصوير بليغ لموقف نفوسهم، وحركة أبدانهم وإسراعهم نحو التخفي، وهم على شر حال من الذعر والجبن والفزع حتى لكأنك تتمثل موقفهم هذا كالعيان أمامك.

ثانيًا: تثبيط المنافقين للمؤمنين عن الخروج للجهاد:

قال تعالى: (فَرِحَ المُخَلَّفونَ بِمَقعَدِهِم خِلافَ رَسولِ اللَّهِ وَكَرِهوا أَن يُجاهِدوا بِأَموالِهِم وَأَنفُسِهِم في سَبيلِ اللَّهِ وَقالوا لا تَنفِروا فِي الحَرِّ قُل نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَو كانوا يَفقَهونَ ?81? فَليَضحَكوا قَليلًا وَليَبكوا كَثيرًا جَزاءً بِما كانوا يَكسِبونَ ?82? فَإِن رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنهُم فَاستَأذَنوكَ لِلخُروجِ فَقُل لَن تَخرُجوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقاتِلوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُم رَضيتُم بِالقُعودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقعُدوا مَعَ الخالِفينَ ?83? وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنهُم ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُم عَلى قَبرِهِ إِنَّهُم كَفَروا بِاللَّهِ وَرَسولِهِ وَماتوا وَهُم فاسِقونَ ?84? وَلا تُعجِبكَ أَموالُهُم وَأَولادُهُم إِنَّما يُريدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِها فِي الدُّنيا وَتَزهَقَ أَنفُسُهُم وَهُم كافِرونَ ?85? وَإِذا أُنزِلَت سورَةٌ أَن آمِنوا بِاللَّهِ وَجاهِدوا مَعَ رَسولِهِ استَأذَنَكَ أُولُو الطَّولِ مِنهُم وَقالوا ذَرنا نَكُن مَعَ القاعِدينَ ?86? رَضوا بِأَن يَكونوا مَعَ الخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلوبِهِم فَهُم لا يَفقَهونَ) [التوبة:81 - 87] .

روي عن ابن عباس قال: «وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا معه، وذلك في الصيف، فقال رجال: يا رسول الله، الحر شديد، ولا نستطيع الخروج فلا تنفر في الحر (قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون) فأمره الله بالخروج» 79.

بينت الآية السابقة أن المنافقين هم أهل الفسق، وجاءت الآيات التي بعدها لتذكر الأدلة العملية على فسقهم ومنها: فرحهم بالقعود وكراهة القتال ثم بينت أن ما فعلوه كان سببًا لعدم خروجهم مع الصف المسلم مرة أخرى.

وقد سجلت الآيات الكريمة ثلاثة مواقف لأهل النفاق:

أولها: فرحهم بالقعود في المدينة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بالمخالفة له، وفي وصفهم بالمخلفين بالبناء للمفعول مزيد ذم وتحقير لهم، فإن الذي خلفهم نفاقهم وشيطانهم وضعف همتهم، وسوء فعالهم وضعف إيمانهم، ويجوز أن يكون المخلف والمثبط لهم هو ربنا ومولانا، ذلك أنه تعالى كره انبعاثهم، أو يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد أذن لهم في التخلف، ولفظ مقعدهم يوحي بأسوأ الحالات عند الجهاد وهي حالة القعود، وما فرحهم إلا دلالة على خبث باطنهم.

وثاني الأمور: كراهيتهم الجهاد في سبيل الله، وهذا من العجب، فالجهاد شرف يحبه المؤمن؛ لأنه يرفع درجته عند الله، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود) 80 أرأيت كيف يكون ثواب وقوف ساعة واحدة؟ أفلا يحرك هذا الهمم ويحدو بالأرواح إلى بلاد الأفراح، فإذا كره إنسان الجهاد دل ذلك على أنه ما يؤثر إلا راحة بدنه وحفظ ماله.

وثالثة أثافيهم: أنهم قالوا: -تثبيطًا لأنفسهم وللمؤمنين- لا تخرجوا للقتال في الحر، ويدل ذلك على شدة تبجحهم وغلظة نفوسهم فهم مناعون للخير، أولم يعلموا أن حر جهنم أضعاف أضعاف حر الدنيا؟!

وإذا تحقق لهم شيء من الضحك والفرح بسبب عدم الخروج فإنه ضحك قليل في الدنيا وبكاء كثير في الآخرة 81.

فصيغة الأمر هنا خرجت مخرج الإخبار عن صنيعهم كما يقول جمهور المفسرين، وفائدة لفظ الأمر للدلالة على أنه حتم واجب، والمعنى: إنكم فرحون في هذه الدنيا وسيكون في الآخرة بكاء شديد.

وقوله: (بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) جمع في الآية بين صيغة الماضي والمضارع فهم كانوا وما زالوا يكسبون الإثم ويقترفونه.

وإذا كان أمرهم وحالهم كذلك فإنه يلزم أن ينبذوا بعيدًا عن الصف المجاهد إذ لا فائدة منهم؛ لأن الجهاد لا يكون إلا بذوي الهمم العالية الذين يكثرون عند الفزع؛ ولذلك فإن الله يوصي نبيه: إن رجعت إلى المدينة بعد هذه الغزوة وأرادت طائفة منهم أن تستأذنك للخروج فقل لهم: فات أوانه. لن تخرجوا أبدًا.

وقوله: (ولن تقاتلوا معي عدوًّا) انتقال من الشاق إلى ما هو أشق منه فإن القتال أشد من الخروج؛ أو لأن الأول موافقة لسؤالهم والثاني أصرح في التأكيد؛ لأن القتال هو موضع بارقة السيوف التي تحتها الجنة، وقيل: بينهما عموم وخصوص إذ ربما يقاتلون العدو بلا خروج كما في الأحزاب 82.

وعلة عدم الإذن لهم مرة أخرى أنهم دعوا من قبل فلم يلبوا، وكانت الحاجة إليهم أمس، فليس لهم بعد ذلك نصيب في الخير، وقد كان أمامهم فرفضوه، ولا يتحمل أمر الجهاد إلا رجال. فليكن مكانهم إذن مع الخالفين الذين لا خير فيهم في دنيا ولا دين.

وإذا كان الشهيد لا يصلى عليه تكريمًا له لأنه قتل في المعركة فإن هؤلاء الذين فروا من المعركة لا يصلى عليهم من باب الإهانة لهم، فجاء النهي الإلهي عن الصلاة عليهم وعن الوقوف على قبرهم لدفنهم والدعاء لهم. ثم عللت الآيات النهي عن الصلاة عليهم والدعاء بأنهم كفروا بالله وبرسوله، وظلوا على عتوهم وخروجهم حتى ماتوا، والآية عامة وإن كان سببها خاصا إلا أنها تشمل من مات منهم ومن سيموت.

وإذا كان التكريم المادي لم يلحقهم فإنهم لن ينالوا كذلك أي تكريم معنوي حتى الإعجاب بهم، وقد سبقت آية قريبة من هذه؛ فإما أن يكون التكرار لتأكيد الأمر وبيان خطورة الإعجاب بهم وبحالهم؛ لأن الفتنة بالمال والولد ليست هينة، أو لأنها نزلت في قوم آخرين.

وأموالهم وأولادهم لا وزن لها في ضمير المؤمن؛ لأنهم كأشباه الرجال وليسوا برجال، فإذا أنزلت سورة كاملة أو بعض سورة تأمرهم بالإيمان بالله وبالجهاد مع رسوله فر أولو الطول ليستأذنوا، وأولو الطول هم أهل الغنى، وهم الملأ المترفون الذين لا يوفقون إلى خير في الغالب، وذلك لأنهم ألفوا معيشة النعيم وغذوا بها.

ثم تسجل الآيات عليهم أنهم لم يكتفوا بالاستئذان وإنما قالوا: دعنا ننعم مع هؤلاء القاعدين من النساء وغيرهم، فرضوا لأنفسهم بالمهانة، فكان جزاؤهم أن طبع الله على قلوبهم فلا يصل إليها خير أبدًا، وتأمل الفرق بين «مع» الأولى والأخيرة، فأمامهم معية الرسول في الجهاد لكنهم تركوها إلى معية القاعدين الخالفين؛ ولذلك فهم لا يفقهون أوامر الله، ولا يفقهون حكمة الجهاد.

ثالثًا: لمز المنافقين للمؤمنين:

ذكرت سورة التوبة أكثر من موقف فيه لمز من المنافقين للمؤمنين، وقد فضحهم الله فيما قالوا وفعلوا ومن هذه المواقف ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ? قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ? إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) [التوبة:65 - 66] .

عن عبد الله بن عمر: (قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونًا، وأكذب ألسنة وأجبننا عن اللقاء. فقال رجل في المسجد(في رواية الطبري هو عوف بن مالك) : كذبت ولكنك منافق. لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك رسول الله ونزل القرآن. قال عبد الله بن عمر: فنظرت إليه متعلقًا بحقب (بحبل) ناقة رسول الله تنكبه الحجارة يقول: إنما كنا نخوض ونلعب. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟) ما يزيده) 83.

والمعنى: لئن سألتهم عما قالوه ليقولن -على سبيل الاعتذار-: إنما كنا نقول ذلك هزلًا لا جدًّا، ولعبًا لا صدقًا وحقًّا، فقل لهم مستنكرًا وموبخًا: أما كان أمامكم غير الله وشرعه وأحكامه لتستهزئوا بها؟ إن العذر أقبح من الذنب؛ فلا لعب ولهو مع أحكام الله ودينه، وليس ثمة إلا الكفر بعد الإيمان، فمن تاب تاب الله عليه، وإلا فهو من المجرمين المعذبين.

ومن جملة لمزهم في الغزوة ما ورد في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ? سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(79) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ? ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة: 79 - 80] .

عن أبي مسعود قال: لما أمرنا بالصدقة كنا نتحامل، فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغنيٌ عن صدقة هذا، وما فعل الآخر إلا رئاء فنزلت: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ) 84.

لم يكتف أهل النفاق بمنع المال وإنما تعدى بهم الأمر إلى لمز المتصدقين والسخرية منهم، وكان هذا في غزوة تبوك فنزلت الآيات؛ لتبين موقفهم من الصدقة التي تطلب منهم وموقفهم من الصدقة التي يدفعها غيرهم عن طيب خاطر.

لقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الصدقة وحثهم عليها، فجاء كل امرئ بما يستطيع، وقدم عبد الرحمن بن عوف مالًا كثيرًا، وجاء رجل من الأنصار اسمه الحبحاب بمال قليل، وكان هذا طاقته وقدرته، فانتهزها المنافقون فرصة للمز والعيب والطعن على الصحابة، فصاحب الصدقة الكبيرة يتهمونه بالرياء وصاحب الصدقة اليسيرة ينالونه بالأذى: كيف يتصدق وهو محتاج؟ إن الله لغني عن صدقته! ما فائدة صدقته هذه؟ وما درى هؤلاء أن درهمًا واحدًا قد سبق ألف درهم، قال صلى الله عليه وسلم: (سبق درهم مائة ألف درهم قالوا: وكيف ذلك؟ قال: رجل له مال كثير أخذ من عرضه مائة ألف ورجل ليس له إلا درهمان، فأخذ أحدهما فتصدق به) 85.

وإفراد: (وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) وعطفها على ما قبلها من باب عطف الخاص على العام تطييبًا لخاطرهم وتنويهًا بما قاموا به؛ ذلك أن السخرية منهم تكون أشد، فلما اختصوا بمزيد سخرية اختصهم الله بالذكر، وكانت عقوبة هؤلاء الساخرين أن عاملهم الله بجنس ما يستحقون فسخر منهم، ويا لها من سخرية توجب ضياع الدنيا والآخرة.

ولأن ذا القلب الرحيم الرؤوف عليه السلام كان يتألف قلوب الناس ويستغفر لهم ويطيب قلوب أهليهم من المؤمنين، فإن ربه تبارك وتعالى خاطبه، وبيَّن له أن الاستغفار لهم وعدمه سواء، فهذا أمر في معنى الخبر، والمعنى: إن استغفرت أو لم تستغفر فلا فائدة، وقد ورد في القرآن الكريم التسوية بين الأمرين بلفظ الخبر صراحة، قال تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [المنافقون:6] .

والظاهر أن لفظ أو يحتمل التخيير 86.

وهذا ما فهمه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ففي الصحيح عن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد الله فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله فقال: يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك ربك عن أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما خيرني الله فقال: (( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة) وسأزيده على السبعين) 87.

ثم بينت الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم لو زاد على السبعين في الاستغفار لهم فلن تلحقهم مغفرة، وسبب ذلك أنهم كفروا بالله وبرسوله، وما كان الله ليوفق أهل الكفر إلى طاعته والإيمان به ومرضاته، فهم الذين يستحقون ذلك بسبب أفعالهم.

رابعًا: مسجد الضرار:

قال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ? وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى? ? وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ(107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ? لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى? مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ? فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ? وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى? تَقْوَى? مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى? شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110 ) ) [التوبة: 107 - 110] .

عن أبي رهم الغفاري قال: أتى من بنى مسجد الضرار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متجهز إلى تبوك، فقالوا يا رسول الله، إنا بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة، والليلة الشاتية والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال: (إني على جناح سفر، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه) فلما رجع نزل بذي أوان على ساعة من المدينة، فأنزل الله في المسجد: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا) فدعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدي، أو أخاه عاصم بن عدي فقال: (انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه) ففعلا 88.

يمكن أن تكون الآية متصلة بالحديث عن القوم الذين مردوا على النفاق، أي: تمرنوا عليه واستلان لهم، فيكون من جملة كيدهم الخفي بناء مسجدٍ للضرار، وسيكون هدم المسجد من جملة التعذيب الذي يجدونه في الدنيا، ويحتمل أن تكون الآية موصولة الحديث عن مكائد المنافقين عامة وهي كثيرة في السورة.

لقد اتخذ جماعة من بني غنم بن عوف 89 مسجدًا ليصلوا فيه ويتركوا مسجد قباء وقد كان قريبًا منهم، وقد تعللوا بعلل كاذبة لإنشائه، لكن الآيات كشفت سرائرهم.

وبيَّنت أنهم اتخذوه لأربعة أهداف:

أولها: إيقاع الضرر بالمؤمنين؛ وذلك ببناء مسجد بجوار مسجد، ولا فائدة من البناء الثاني.

وثانيها: الإتيان بالكفر، أو تقوية ما هم عليه من الكفر؛ وذلك بتدبير الطعن والمكائد للمسلمين والتشاور في ذلك، وقد يكون كفرهم بالاعتقاد، قال ابن العربي «لما اتخذوا المسجد ضرارًا لاعتقادهم أنه لا حرمة لمسجد قباء ولا لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم كفروا بهذا الاعتقاد» 90.

وثالثها: التفريق بين المؤمنين؛ فقد كانوا يجتمعون في المسجد للصلاة، فتزداد ألفتهم وتجتمع كلمتهم إثر اجتماع قلوبهم وأبدانهم، وهذا مقصد كبير من مقاصد صلاة الجماعة، فإن تعددت المساجد بلا داع تفرقت الكلمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت