فهرس الكتاب

الصفحة 1111 من 2431

ومعنى مدهامتان: شديدتا الخضرة، فهما خضراوان تضربان إلى السواد من شدة الري 69، وإذا كان الشجر والنبات بهذه الصفة فهو في غاية الحسن والجمال.

ولقد أخبر الله عز وجل عن نبات وأشجار الجنة بأنه حدائق وبساتين، تحتوي على جميع الأشجار والفاكهة والثمار.

قال تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا} [النبأ: 31 - 32] .

قال ابن عاشور: «والحدائق: جمع حديقة، وهي الجنة من النخيل، والأشجار ذوات الساق، المحوطة بحائط أو جدار أو حضائر، والأعناب: جمع عنب وهو اسم يطلق على شجرة الكرم ويطلق على ثمرها» 70.

لقد أخبر الله عز وجل عباده بأنه قد أعد للمتقين منهم جنات فيها الظلال والعيون، وفيها أصناف الفاكهة مما يشتهون، وفيها النعيم المقيم.

قال الله سبحانه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [المرسلات: 41 - 44] .

ومما أخبر الله عز وجل به أيضًا عن أشجار الجنة أن ظلها ممدودٌ عظيمٌ، لا ينحسر ولا ينقطع، ولا تنسخه الشمس 71، قال الله تعالى: {لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا} [النساء: 57] .

وقال سبحانه: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ} [الواقعة: 27 - 33] .

ومعنى قوله: {فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} : الذي لا شوك فيه، الوافر الحمل الموقر 72.

ومعنى قوله: {وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} : الموز الذي نضد بعضه على بعض، وجمع بعضه إلى بعض، وهذا من خصائص ثمار أشجار الجنة كلها منضودة، بعضها فوق بعض، من أسفل الشجرة إلى أعلاها، لا يرى الساق من تراكب الثمر 73 في غاية الحسن والبهاء.

إن الثمار التي تنتجها أشجار الجنة ثمارٌ عظيمة، لا تنقطع، ولا تمنع، قال الله عز وجل: {وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ} [الواقعة: 32 - 33] .

فثمار الجنة وفاكهتها دائمة؛ لا تنقطع في حين دون حين، ولا تمنع بالحيطان والنواطير، ولا تنقطع إذا جنيت ولا تمنع من أحد إذا أريدت؛ إنما هي مطلقة لمن أرادها، قريبة لمن اشتهاها 74.

قال ابن كثير: «أي: لا تنقطع شتاءً ولا صيفًا؛ بل أكلها دائمٌ مستمرٌ أبدًا، مهما طلبوا وجدوا، لا يمتنع عليهم بقدرة الله شيء، وقال قتادة: لا يمنعهم من تناولها عودٌ ولا شوكٌ ولا بعدٌ» 75.

ولقد ورد في السنة المطهرة أخبار كثيرة في وصف أشجار الجنة وثمارها وسيقانها، من ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب) 76.

ومن ذلك حديث عتبة بن عبد السلمي أن أعرابيًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ... وفي الحديث: (فقال الأعرابي: يا رسول الله فيها فاكهة؟ قال:(نعم؛ وفيها شجرةٌ تدعى طوبى، هي تطابق الفردوس) ، فقال: أي شجر أرضنا تشبه؟ قال: (ليس تشبه شيئًا من شجر أرضك؛ ولكن أتيت الشام؟) قال: لا يا رسول الله، قال: (فإنها تشبه شجرة بالشام تدعى الجوزة، تنبت على ساق واحد، ثم ينتشر أعلاها) ، قال: فما عظم أهلها؟ قال: (لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك لما قطعتها حتى تنكسر ترقوتها هرمًا) ، قال: فيها عنب؟ قال: (نعم) ، قال: فما عظم العنقود منها؟ قال: (مسيرة شهر للغراب الأبقع لا يقع ولا ينثني ولا يفتر) ، قال: فما عظم الحبة منه؟ قال: (هل ذبح أبوك تيسًا من غنمه عظيمًا فسلخ إهابه فأعطاه أمك فقال ادبغي هذا ثم افري لنا منه ذنوبا يروي ماشيتنا؟) قال: نعم، قال: فإن تلك الحبة تشبعني وأهل بيتي، فقال: النبي صلى الله عليه وسلم: (وعامة عشيرتك) 77.

وفي السنة أخبار كثيرة عن أشجار الجنة لا مجال لحصرها هنا.

وفي القرآن الكريم ذكر شجرة من أشجار الجنة، وهي شجرة طوبى، ورد ذكرها في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} [الرعد: 29] .

فقد ذكر المفسرون أن من معاني طوبى أنها شجرة في الجنة 78.

قال ابن عطية: «وقيل: طوبى اسم شجرة في الجنة، وبهذا تواترت الأحاديث، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طوبى شجرة في الجنة، يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام لا يقطعها اقرؤوا إن شئتم: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} » 79.

ومن أشجار الجنة أيضًا سدرة المنتهى، والتي ورد ذكرها في كتاب الله عز وجل في قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} [النجم: 13 - 15] .

وهي شجرة عظيمة، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض أخبارها في حديث الإسراء فقال: (ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى؛ وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال) 80.

قال ابن الجوزي: «قال المفسرون وإنما سميت سدرة المنتهى: لأنه إليها منتهى ما يصعد به من الأرض فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها وإليها ينتهي علم جميع الملائكة» 81.

وكما أن القرآن الكريم ذكر بعض أشجار الجنة وثمارها، فقد ذكر أيضًا بعض أشجار النار، وهي شجرة الزقوم، والتي جعلها الله عز وجل لونًا من ألوان العذاب لأهل النار.

وقد أخبر الله عز وجل عن بعض أوصافها، فقال سبحانه: {أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ} [الصافات: 62 - 68] .

وفي موضع آخر من الكتاب العزيز قال سبحانه: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ} [الدخان: 43 - 46] .

إنها لشجرة شنيعة المنظر، فظيعة المظهر، مرة المذاق، وهي شجرة خلقها الله في نار جهنم، وسماها الشجرة الملعونة، فإذا جاع أهل النار التجؤوا إليها فأكلوا منها، فغلت في بطونهم كما يغلي المهل، وهو النحاس المذاب 82.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن شدة مرارة تلك الشجرة فقال: (ولو أن قطرةً من الزقوم قطرت؛ لأمرت على أهل الأرض عيشهم؛ فكيف من ليس لهم طعام إلا الزقوم؟!) 83.

لقد استعمل القرآن الكريم أساليب عدة للتأثير على النفس البشرية؛ من أجل هدايتها وتزكيتها، ومن أعظم هذه الأساليب أسلوب ضرب المثل، وهذا الأسلوب كثيرٌ في القرآن الكريم، استعمله القرآن للكشف عن الحقائق، وإبراز المعاني في ثوب جميل، يجذب الأذهان، ويؤثر في السامع، فيحضه على الخير، وينفره من الإثم والشر، ويدفعه إلى فعل الفضائل.

وللمثل مدلولات كثيرة في اللغة العربية، وقد وضع العلماء له تعريفات عديدة؛ كتعريف الراغب إذ يقول: «والمثل عبارة عن قول في شيءٍ يشبه قولًا في شيءٍ آخر، بينهما مشابهة؛ ليبين أحدهما الآخر ويصوره، نحو قولهم: الصيف ضيعت اللبن، فإن هذا القول يشبه قولك: أهملت وقت الإمكان أمرك، وعلى هذا الوجه ما ضرب الله تعالى من الأمثال» 84.

وقال ابن القيم: «وقع في القرآن أمثالٌ، وإن أمثال القرآن لا يعقلها إلا العالمون، وأنها شبيه شيءٍ بشيءٍ في حكمه، وتقريب المعقول من المحسوس، أو أحد المحسوسين من الآخر» 85.

ويمكن تعريف المثل بأنه: أسلوب من أساليب الخطاب، يقوم على إبراز المعنى المعقول في صورةٍ حسيةٍ تزيده وضوحًا وجمالًا.

وإذا ما تأمل المرء ما في القرآن الكريم من أمثال وجد أن النبات له نصيبٌ كبيرٌ من ضرب المثل به، فكثيرة هي الأمثال القرآنية التي يكون فيها الممثل به هو النبات أو الشجر؛ كضرب مثل كلمة التوحيد بالشجرة الطيبة، وضرب مثل مضاعفة أجر الإنفاق في سبيل الله عز وجل بالسنبلة التي أنبتت سبع سنابل، وضرب مثل الحياة الدنيا بالزرع الهائج الذي سرعان ما يصير حطامًا، وغير ذلك من الأمثال التي كان فيها النبات هو المضروب به.

وفي النقاط الآتية بيان بعض الأمثال القرآنية التي كان النبات فيها هو الممثل به.

أولًا: كلمة التوحيد:

إن كلمة التوحيد هي أصل الإيمان، وبها يخرج العبد من الكفر إلى الإيمان، ولأجلها أرسل الله عز وجل الرسل والأنبياء، وهي مفتاح الجنة، والمنجية من النار، ولقد ضرب الله عز وجل مثلًا عظيمًا لكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ؛ وذلك لبيان أهميتها وفضلها وشرفها، ولبيان منافعها على الموحدين، ضرب سبحانه لها مثلًا بالشجرة الطيبة المباركة، التي جمعت أوصاف الحسن والكمال، فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم: 24 - 25] .

لقد أخبر الله سبحانه أن مثل كلمة التوحيد كمثل تلك الشجرة الطيبة؛ في كمال صفاتها، وعظيم نفعها، وقد ذكر سبحانه لتلك الشجرة المضروب بها المثل صفات أربع، هن أعظم صفات يجتمعن في شجرة من الشجر:

فالصفة الأولى: كونها طيبة؛ طيبة المنظر والصورة، وطيبة الرائحة، وطيبة الثمرة، وطيبة المنفعة.

والصفة الثانية: أصلها ثابتٌ راسخٌ باقٍ، آمنٌ من الانقلاع والزوال.

والصفة الثالثة: أن فرعها في السماء، وهذا من كمال حالها؛ إذ إن ارتفاع الأغصان وقوتها يدل على ثبات الأصل ورسوخ العروق، وكلما كانت الفروع متصاعدةً مرتفعةً كانت بعيدة عن عفن الأرض، فكانت ثمراتها نقية ظاهرة طيبة عن جميع الشوائب.

والصفة الرابعة: أنها تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، فثمرها حاضرٌ دائمٌ في كل الأوقات، ليست كغيرها من الأشجار التي يكون ثمرها حاضرًا في بعض الأوقات، مقطوعًا في بعضها الآخر 86.

هذه الشجرة الطيبة العظيمة هي التي ضرب الله عز وجل بها المثل لكلمة التوحيد، ووجه الشبه بين كلمة التوحيد وتلك الشجرة الطيبة إن كلمة التوحيد كلمة طيبة، أصلها ثابت في قلب المؤمن، لا تتزعزع، ولا يشوبها شكٌ ولا ريب، فهي كالشجرة ذات الأصول القوية الثابتة في الأرض، لا تزعزعها الرياح أو السيول، ثم كلمة التوحيد لها فروعها من الكلم الطيب، والعمل الصالح، والأخلاق المرضية، والآداب الحسنة، تصعد إلى الله عز وجل في السماء دائمًا، كفروع الشجرة العظيمة الممتدة في السماء، وكلمة التوحيد تثمر دائمًا وبدون انقطاع الطيبات من الأقوال والأعمال الصالحات، كثمار الشجرة الطيبة التي لا تنقطع 87.

قال ابن القيم: «شبه سبحانه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة؛ لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع، وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة؛ الظاهرة والباطنة؛ فكل عمل صالح مرضي لله عز وجل فهو ثمرة هذا الكلمة» 88.

فهذه كلمة التوحيد والإيمان؛ من آمن بها كانت له كالشجرة الطيبة المثمرة، ومن حرم منها حرم الخير كله، وهذا المثل القرآني العظيم يبين أعظم بيان عظمة تلك الكلمة، ويصورها بأحسن صورة، وأجمل هيئة؛ ليقرب المعنى إلى الأذهان، وليغرس في القلوب الإيمان.

ثانيًا: الإنفاق في سبيل الله:

إن النفس البشرية مفطورةٌ على حب المال، وحب كنزه والاحتفاظ به؛ فهو عزيز عليها، لا تستطيع أن تتخلى عنه أو تنفقه بسهولة، لذا فقد جعل الله عز وجل إنفاق المال في سبيله من أعظم الطاعات، ومن أجل القربات، ينال به العبد ثواب الله عز وجل ورضوانه، ولبيان فضل إنفاق المال في سبيل الله عز وجل ولتوضيح عظم ربح المنفقين عند ربهم عز وجل، ضرب الله سبحانه لعباده مثلًا عظيمًا للمنفقين في سبيله، فقال سبحانه: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261] .

والمقصود بالإنفاق في سبيل الله عز وجل في الآية -حسب أقوال المفسرين-؛ إما مطلق الإنفاق في وجوه البر والخيرات؛ واجبًا كان أو نفلًا 89، وإما المراد الإنفاق في الجهاد في سبيل الله عز وجل 90.

والأظهر -والله أعلم- أن الإنفاق في سبيل الله عز وجل في الآية يعم جميع الإنفاق في وجوه البر، وأن أعظم هذه الوجوه هو إنفاق المال في الجهاد في سبيل الله عز وجل؛ لإعلاء كلمة الله سبحانه.

وهذا المثل الذي ضربه الله سبحانه للمنفقين في سبيله مثلٌ عظيم، يرغب العباد في الإنفاق، ويحثهم على البذل والعطاء؛ فلقد شبه الله سبحانه حال المنفق في سبيله بحال الزارع الحاذق الذي زرع في الأرض الخصبة العامرة حبةً جيدةً طيبةً؛ فأنبتت الحبة سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، فشبه سبحانه المتصدق بالزارع، وشبه الصدقة بالبذر الذي يبذره الزارع في الأرض، وشبه الأجر العظيم للإنفاق بالمحصول المضاعف الذي نتج عن تلك البذور التي زرعت، فالله عز وجل يعطي المنفق بكل صدقة له سبعمائة حسنة، ثم يضاعف سبحانه الأجر والعطاء لمن يشاء 91.

ولا شك بأن في هذا المثل ترغيب عظيم للمؤمنين في الإنفاق في سبيل الله، ولا تكاد هذه الآية المباركة التي اشتملت على هذا المثل تقرع قلوب المؤمنين إلا وتشتاق أنفسهم للإنفاق والعطاء، رغبة في الثواب العظيم، والأجر الوفير من أكرم الأكرمين.

قال ابن القيم: «شبه سبحانه نفقة المنفق في سبيله -سواء كان المراد به الجهاد، أو جميع سبل الخير من كل برٍ- بمن بذر بذرًا؛ فأنبتت كل حبة سبع سنابل، اشتملت كل سنبلةٍ على مائة حبة، والله يضاعف بحسب حال المنفق، وإيمانه، وإخلاصه، وإحسانه، ونفع نفقته، وقدرها، ووقوعها موقعها» 92.

ثالثًا: أعمال الكافر كالحرث الذي دمرته الريح:

إن من مات على الكفر لا يقبل الله عز وجل منه عملًا صالحًا؛ إذ الإيمان والإخلاص لله عز وجل شرط قبول الأعمال عند الله سبحانه، ومهما عمل الكافر من عملٍ فلا يقبل منه، ولا يثاب يوم القيامة عليه؛ لأنه ما عمل ذلك ابتغاء وجه الله سبحانه، ولم يكن يرجو لقاء ربه عز وجل.

ولقد ضرب الله عز وجل مثلًا عظيمًا لأعمال الكفار في عدم نفعها لأصحابها؛ إذ ضرب سبحانه لها مثلًا بالسراب، الذي يراه الظمآن المقطوع في أرض الفلاة الخالية فيظنه ماءً، فيسعد به، ويسرع إليه، حتى إذا جاءه صعق بحقيقة الأمر، إذا علم أن ما كان يرجوه ما هو إلا سراب لا حقيقة له ولا وجود.

قال الله عز وجل: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 39 - 40] .

فكما أن السراب لا ينفع من أتاه وسعى إليه، فكذلك أعمال الكافر لا تنفع صاحبها، والكافر يحسب أن عمله سينفعه، ولكنه إذا أتاه الموت واحتاج إلى عمله، لم يجد عمله أغنى عنه شيئًا، ولا نفعه 93.

إن حاجة الظمآن إلى الماء شديدة، ورغبته فيه عظيمة، يتمنى أن يفقد كل ما له من الدنيا مقابل أن يظفر بشربة ماء، فإذا رأى السراب وظنه ماءً أخذته الفرحة، وغمره السرور، فأسرع لينال بغيته، فإذا به يصدم بما يراه، ويشعر بالخيبة والحسرة والألم عند اكتشافه حقيقة السراب، وهكذا الكافر يجد من الحسرة والخيبة والندامة ما لا يعلمه إلا الله حينما لا ينفعه عمله، ولا يغني عنه ما كسبه، قال الله سبحانه: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23] .

وقد اشتملت الآية الثانية على مثل آخر لأعمال الكافرين؛ حيث شبه الله عز وجل أعمالهم بالظلمات الشديدة القاتمة، التي تكون في أعماق بحرٍ عميق، يغشاه موج، ومن فوق الموج موج، ومن فوق ذلك سحاب، ظلمات فوق ظلمات، وهذا مثل حال الكافرين الذين هم في ظلمات الجهل، وظلمات الاتباع للباطل، والجري وراء المضلين، من غير علمٍ أو تعقلٍ، فقلوبهم في ظلمات متراكبة، لا تعرف حقًا، ولا تنكر باطلًا 94.

يقول ابن القيم في ذلك: «ذكر الله سبحانه للكافرين مثلين؛ مثلًا بالسراب، ومثلًا بالظلمات المتراكمة، وذلك لأن المعرضين عن الهدى والحق نوعان:

أحدهما: من يظن أنه على شيءٍ؛ فيتبين له عند انكشاف الحقائق خلاف ما كان يظنه، وهذه حال أهل الجهل، وأهل البدع والأهواء، الذين يظنون أنهم على هدى وعلم، فإذا انكشفت الحقائق تبين لهم أنهم لم يكونوا على شيء، وأن عقائدهم وأعمالهم التي ترتبت عليها كانت كسراب يرى في أعين الناظرين ماءً، ولا حقيقة له ...

والنوع الثاني: أصحاب مثل الظلمات المتراكمة، وهم الذين عرفوا الحق والهدى، وآثروا عليه ظلمات الباطل والضلال؛ فتراكمت عليهم ظلمة الطبع، وظلمة النفوس، وظلمة الجهل، حيث لم يعلموا بعلمهم فصاروا جاهلين، وظلمة اتباع الغي والهوى؛ فحالهم كحال من كان في بحر لجي لا ساحل له، وقد غشيه موج، ومن فوق ذلك الموج موج، ومن فوقه سحابٌ مظلمٌ، فهو في ظلمة البحر، وظلمة الموج، وظلمة السحاب، وهذا نظير ما هو فيه من الظلمات التي لم يخرجه الله منها إلى نور الإيمان» 95.

ولا شك بأن في هذين المثلين تحذير للكفار من سوء عاقبة أعمالهم، ودعوة لهم للتخلص من ظلماتهم، والاستنارة بنور ربهم عز وجل، فإنه ليس للعبد غنىً عن نور ربه، {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40] .

رابعًا: مثل الحياة الدنيا وزهرتها:

كثيرًا ما يغتر الناس بالحياة الدنيا وزينتها، ويشعرون بالاطمئنان لها، والسكون إليها، ويتناسون أن وراءهم دار الآخرة والخلود، والتي فيها النعيم المقيم، أو العذاب الأليم، ولأن الحياة الدنيا غرارة، يغتر بها العباد، تعددت أساليب القرآن الكريم في التحذير منها ومن الركون إليها، والاطمئنان لها، وذلك من خلال بيان حقيقتها، وكشف أمرها، وبيان زيف مظاهرها، وسرعة انقضائها، وقلة نعيمها.

ومن أعظم أساليب القرآن المجيد في بيان حقيقة الحياة الدنيا، وتحذير العباد من الاغترار بها أسلوب ضرب المثل لها؛ فلقد ضرب الله عز وجل للناس مثل الحياة الدنيا بأمر حسي يشاهدونه من حولهم، ويعلمون حقيقته بكل حواسهم، ضرب سبحانه مثل الحياة الدنيا بالنبات الذي يخرج عند نزول الماء من السماء، يخرج أخضرًا يانعًا، يسر من رآه، يبهج من نظر إليه، ثم ما يلبث إلا ويصير مصفرًا يابسًا، لا حياة فيه ولا خضرة، ثم يصير حطامًا تبعثره الرياح، وكذلك الحياة الدنيا في سرعة فنائها، واغترار الناس بزينتها.

قال الله عز وجل: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت