فهرس الكتاب

الصفحة 586 من 2431

الهزيمة

أولًا: المعنى اللغوي:

مادة (هـ ز م) لها معانٍ كثيرة ومتنوعة، منها:

أولًا: (هزم) وهو الأشهر، بمعنى: كسر وشقق وحطم، وأصل (الهزم) كسر الشيء، وفي هزم العدو كسر له 1.

ثانيًا: الهزم بمعنى: الذبح، واهتزمه بمعنى: ذبحه، «والاهتزام: الذبح» 2.

ثالثًا: الهزم بمعنى النقر والحفر، هزم الشيء إذا غمزه بيده فصارت فيه حفرةٌ 3.

رابعًا: الهزم بمعنى الصوت، وهو خروج صوت للرعد أو الريح «وهزم القدر إذ يسمع لها صوت عند شدة الغليان 4.

خامسًا: الهزم بمعنى المنخفض من الأرض، وكل موضع منخسفٍ فهو هزمة 5.

وإذا تتبعنا هذه المعاني مجتمعة، ونظرنا فيها وجدناها كلها يصح إطلاقها على معنى الهزيمة الذي نحن بصدد دراسته.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي

المعنى الاصطلاحي يدور حول المعنى اللغوي ولا يختلف عنه، فهي انكسار يعتري الخصم، سببه قتل أو أسر أو ضرر نفسي وقع من الطرف الآخر.

وردت مادة (هزم) في القرآن الكريم (3) مرات 6.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 1 ... {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} [البقرة:251]

الفعل المضارع ... 1 ... {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) } [القمر:45]

اسم المفعول ... 1 ... {جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (11) } [ص:11]

وجاءت الهزيمة في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو: الحطم والكسر، وصارت الهزيمة متعارفًا عليها في فرار الجيش من الغلبة 7.

التولي:

التولي لغة

تولى عن الشيء، أي: أدبر عنه، و ولى عنه أي: أعرض عنه أو نأى 8.

فَتَوَلَّى إذا عُدِّي بنفسه اقتضى معنى الولاية، وحصوله في أقرب المواضع منه، يقال: وَلَّيْتُ سمعي كذا: أقبلت به عليه، وإذا عدي ب (عن) لفظا أو تقديرًا اقتضى معنى الإعراض 9.

التولي اصطلاحًا

قال المناوي: التولي هو الإعراض المتكلف بما يفهمه التفعل 10.

صيغة تفعل هنا تفيد التكلف كما في قولهم: تحلم، أي: تكلف الحلم 11.

الصلة بين التولي والهزيمة

بالنظر لمعاني التولي اللغوية والمعنى الاصطلاحي تتضح لنا العلاقة الكبيرة بين الهزيمة وبين التولي الذي هو من مظاهر الهزيمة وعلاماتها؛ لأن المنهزم يحول ظهره ودبره إلى جهة الذي هزمه هربًا إلى ملجأٍ يلجأ إليه؛ ليدفع عن نفسه القتل أو الأسر 12.

الغلب

الغلب لغة

(غ ل ب) غلبه يغلبه غلبًا وغلبة بمعنى: قهره، والغلب بفتح فسكون: القهر، وتغلب على بلد كذا: استولى عليه قهرًا، وإذا قالت العرب: غلب فلان، فهو غالب 13.

الغلب اصطلاحًا

هو القهر والاستيلاء على نفسٍ أو مال أو بلدٍ ما بشيءٍ.

الصلة بين الغلب والهزيمة

في معظم التفاسير نجد بكل صراحة تأويل الغلب في القرآن الكريم بالهزيمة، كما في تفسير قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) } [آل عمران:12] .

وقوله تعالى: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) } [الروم:1 - 3] .

الفرار

الفرار لغة

ورد في صحاح العربية 14: (فرر) يفر فرارًا: هرب، وتفاروا: أي تهاربوا، وفرس مفر بكسر الميم: يصلح للفرار عليه، والمفر: الفرار، ومنه قوله تعالى: {يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) } [القيامة:10] .

وعند صاحب اللسان 15: الفرار: الروغان والهرب، فر يفر فرارًا: هرب، وفرار وصف بالمصدر فالواحد والجمع فيه سواء، يقال أفررت الرجل أفره إفرارًا: إذا عملت به عملًا يفر منه ويهرب، ويحمله على الفرار، والفرار يكون للجماعة والواحد.

وقد ربط ابن سيده الفرار بالهزيمة فقال: «الهزيمة الفرار عن القتال» 16، وفي موضع آخر يقول: «الفرار: الهرب، وفر: جد في الذهاب» 17.

الفرار اصطلاحًا

لا يخرج عن معناه اللغوي، وهو الهروب والروغان.

الصلة بين الفرار والهزيمة

وقد عبر القرآن الكريم عن الفرار - في بعض الآيات - بالإدبار والهرب، وعبر بالفرار للدلالة على قوة الإعراض 18.

قال تعالى: {فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا} [نوح:6] .

إن لِكُلِّ أمرٍ عوامل وأسباب، وقد أشار القرآن الكريم إلى بعض عوامل الهزيمة، ومنها:

أولًا: الذنوب والمعاصي

المعاصي من عوامل الخذلان للمؤمنين والكفار على السواء وهزيمتهم في خارج المعركة أو داخلها، والطاعة والثبات والاستقامة من أسباب النصر والغلبة.

قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6) } [الأنعام:6] .

في هذه الآية وعيد لأهل مكة، وتهديد لهم بإهلاكهم كما أهلك من قبلهم من القرون بسبب ذنوبهم التي كانوا يجترحونها، فلم تغن عنهم قوتهم وتمكينهم شيئًا، وفي هذه الآية ما يوجب الاعتبار والموعظة بحال من مضى من الأمم السالفة والقرون الخالية: فإنهم مع ما كانوا فيه من القوة وسعة الرزق وكثرة الأتباع؛ أهلكهم الله لما كفروا وطغوا وظلموا، فكيف حال من هو أضعف منهم وأقل عددًا، فالذنوب سبب الانتقام وزوال النعم 19.

والمصائب في الدنيا التي تنزل بالناس كالمرض والفقر والضيق وسائر النكبات، بسبب معاصيهم أيضًا، وهي عقوبة من الله لهم بما ارتكبوا من موبقات، واجترحوا من سيئات، وارتكبوا من الآثام فيما بينهم وبين ربهم 20.

قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30) } [الشورى:30] .

وإن التاريخ يشهد أن الأمم دأبها الكفر والتكذيب والظلم في الأرض، وعقاب الله إياها هو جار على سنته تعالى المطردة في الأمم، وذلك لكفرهم وفسادهم وظلمهم لأنفسهم.

قال تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) } [العنكبوت:40] .

فكل من سبق من المذكورين من الأمم الذين كذبوا رسلهم، عاقبهم الله بما اقترفوا من ظلم وفساد؛ وأخذ كل هؤلاء بذنبهم، لا بذنب غيرهم 21.

وإن اتباع الشيطان هو سبب الذنوب والمعاصي الذي به تنزل الهزائم ويستحق الخذلان، فإذا اتبعه الناس ورضوا وسوسته؛ أسلمهم لعدوهم، وتركهم يلاقون الموت والهزيمة.

قال تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) } [الأنفال:48] .

ورد في السيرة النبوية لابن هشام أن «إبليس استدرج الكفار، وتشبه لهم بسراقة ابن مالك بن جعشم، حين ذكروا ما بينهم وبين كنانة من الحرب، فقال لهم: لا غالب لكم اليوم من المؤمنين، وحلف لهم بأنه مجير ومعين لهم، فلما تراءت الفئتان، نظر عدو الله إلى جنود الله من الملائكة الذين أيد الله بهم رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على عدوهم، فرأى ما لم يروا، وقال: إني أخاف الله، وكانوا يرونه في كل منزل في صورة سراقة لا ينكرونه، حتى التقى الجمعان فنكص على عقبيه ورجع، فأوردهم ثم أسلمهم» 22.

ويتحدث القرآن عن أهم أسباب الهزيمة التي جرت يوم أحد، ألا وهو ما قد يكتسبه بعض المؤمنين من ذنوب قبل دخولهم في المعركة أو خلالها، وذاك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ} [آل عمران:155] .

فجعل الله عقوبتهم بالهزيمة درسًا وتربية وتمحيصًا، والمعنى: إن المؤمنين الذين انهزموا وتركوا أماكنهم يوم التقاء الجمعين من المسلمين والمشركين في أحد؛ إنما أوقعهم الشيطان فريسة له في الزلل والخطأ، فبسبب ما كسبوا من ذنوبهم، انهزموا يوم أحد، وكان السبب في توليهم الأدبار أنهم أطاعوا الشيطان، حيث زين لهم أعمالهم بتركهم المراكز، واستجابوا لما وسوس إليهم من الهزيمة، فاقترفوا ذنوبًا أدت بهم إلى منع التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا، فالمصائب والعقوبات والهزائم آثار للأعمال السيئة 23.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: ما شعرت أن أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى كان يوم أحد؛ فقد أرادوا النهب رغبةً في الدنيا، فوقعوا في الغنائم وعصوا، ونسوا عهده الذي عهده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به، وتركوا ما أمروا به من الطاعة التي عليها ثواب الآخرة 24، وذلك قوله تعالى: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} [آل عمران:152] .

وإن تمام النصر هو في الثبات لا في الانهزام.

قال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) } [آل عمران:152] .

بعد أن أراهم الله الغلبة يوم أحد أول الأمر؛ ثم تركوا منازلهم التي عهد إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ألا يتركوها، وتنازعوا وفشلوا، وعصوا الرسول؛ أوجفت الخيل فيهم قتلًا، ثم بين سبب التنازع، وهو الطمع في الغنيمة، فحين خالفوا أمر الرسول في الثبوت وعصوه انهزموا 25.

فالمعاصي تجلب الهزائم.

قال تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) } [آل عمران:165] .

فلا تعجبوا أيها المؤمنون مما حل بكم في أحد، فإن خذلانكم فيها لم يبلغ مبلغ ظفركم في بدر، فقد كان ظفركم في بدر ضعفي نصرهم في أحد، فقد قتل منكم سبعون رجلًا في أحد، وقتلتم من المشركين سبعين رجلًا في بدر وأسرتم سبعين رجلًا، وأنتم الآن تتساءلون: كيف حدث هذا؟ وأنتم تدافعون عن الإسلام، وهم يدافعون عن الشرك؟، جاء الجواب عن تساؤلهم، فأجابهم موبخًا ومقرعًا، ورادًّا عليهم بما من شأنه أن يعيد إليهم صوابهم، وبما يعرفهم السبب الحقيقي في هزيمتهم، وهو أن ما حدث كان من عند أنفسكم وبشؤم معصيتكم، إذ كان سببه فشلكم وتنازعكم في الأمر ومخالفتكم أمر رسولكم وعصيانكم 26.

ولقد كانت أوجه العصيان كثيرة منها:

1.رجوع ثلث الجيش الإسلامي مع عبد الله بن أبي ابن سلول.

أمر الرسول الرماة بلزوم أماكنهم، وبعدم تركها مهما كانت نتيجة المعركة؛ فتركوها حينما لاحت بشائر النصر للمسلمين، وتطلعت أنفسهم إلى الغنائم فاشتغلوا بها وتركوا النصيحة.

2.تفرقوا عن رسول الله في ساعة الشدة والعسرة.

لهذه المخالفات التي نبعت من أنفسهم أصابهم ما أصابهم في أحد؛ فكان هجوم فرسان المشركين من الخلف؛ فتبدل نصر المسلمين إلى هزيمة، فكان سبب انهزام المؤمنين يوم أحد تأثير الشيطان وإغواءه ووسوسته، وما اقترفوه من ذنوب ومعاصٍ 27.

فما أحوج الناس في كل زمان ومكان إلى الأخذ بهذا الدرس، فإن كثيرًا منهم يُقَصِّرون في حق الله وفى حق أنفسهم، ولا يباشرون الأسباب التي شرعها الله للوصول إلى النصر، فإذا ما أصابتهم الهزيمة مسحوا عيوبهم في القضاء والقدر، ثم قالوا: أنى هذا؟ وما دروا لجهلهم أن الله قد جعل لكل شيء سببًا، فمن باشر أسباب النجاح وصل إليها بإذن الله، ومن أعرض عنها حرمه الله من عونه ورعايته 28.

ونختم بقوله تعالى عن المجاهدين الربيين: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) } [آل عمران:147] .

في قولهم {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} هذا إيماء إلى أن الذنوب والإسراف في الأمور من عوامل الخذلان 29.

ثانيًا: الاغترار بالكثرة

الكثرة في القرآن الكريم ترد أحيانًا في موضع المدح، وفي الأعم الأغلب فإنها ترد في موضع الذم.

قال تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) } [يوسف:103] .

يقرر القرآن الكريم أن هذه الظاهرة هي طبيعة معظم الناس لا أهل مكة وحدهم 30، وقد أخبر تعالى عن حال أكثر أهل الأرض من بني آدم أنه الضلال 31.

قال تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) } [الأنعام:116] .

وانتقد القرآن طبيعة بني إسرائيل، حيث إن أكثرهم يتولون المشركين من عبدة الأوثان 32.

قال تعالى: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) } [المائدة:80] .

وعندما يتحدث القرآن الكريم عن المؤمنين يصفهم دومًا بالقلة.

قال تعالى: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40] .

وفي كل مرة، يهلك الله الضالين، وينجى النفر القليل من المؤمنين 33، وكثير هم الضالون من حيث العدد مقارنة بالمؤمنين 34، حيث قال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص:24] .

ولقد وبخ القرآن الكريم قارون على اغتراره بقوته وكثرة ماله وجمعه وأتباعه، فأهلكه ومن سبقه جميعًا ممن هم أكثر منه جمعًا وعددًا 35.

قال تعالى: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) } [القصص:78] .

وفي قصة طالوت وجنوده ما يؤكد أن الكثرة دومًا مغلوبة إذا اعتقدت أنها تنصر بالعدد دون المدد الإلهي والتوكل على الله.

قال تعالى: {قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) } [البقرة:249] .

فلما رأوا كثرة العدو أيقنوا بهلاك أنفسهم، واستقلوا أنفسهم عن لقاء عدوهم لكثرتهم، فكان رد العالمين منهم: كم من فئةٍ قليلةٍ وجند قليل يغلبون فئةً كثيرةً عدتهم بإذن الله ونصره وأمره 36.

وشواهد التاريخ تثبت أن القلة غلبت الكثرة، مثل غزوة بدر والخندق ومؤتة، فعن البراء بن عازبٍ قال: (كنا نتحدث أن أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يوم بدرٍ ثلاثمائةٍ وبضعة عشر على عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، وما جاوزه معه إلا مؤمنٌ) 37.

ولو بحثنا عن كلمة (أكثر الناس) في القرآن لوجدنا بعدها: (? يعلمون-? يشكرون-? يؤمنون) .

قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف:187] .

وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ} [يونس: 60] .

وقال تعالى: {إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} [هود:17] .

ولو بحثنا عن كلمة (أكثرهم) لوجدنا بعدها (فاسقون- يجهلون- معرضون- ? يعقلون- ? يسمعون- مشركون- لا يؤمنون- لا يعلمون- لا يشكرون) .

قال تعالى: {وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [الأعراف:102] .

وقال تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} [الأنعام:111] .

وقال تعالى: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:24] .

وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [الحجرات:4] .

وقال تعالى: {بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [فصلت:4] .

وقال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف:106] .

وقال تعالى: {نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة:100] .

وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأنعام:37] .

وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ} [يونس:60] .

بعد هذا العرض الموجز لإطلاقات الكثرة في القرآن الكريم، وكلها كما لاحظنا وردت في موضع الذم، نأتي الآن لمناقشة الآيات التي تحدثت عن علاقة الاغترار بالكثرة والخذلان، وكيف تكون سببًا من أسباب الهزيمة.

فحلول الخذلان يكون بسبب العجب والاغترار بالكثرة.

قال تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) } [التوبة:25] .

والمعنى: لما توكلتم على أحوالكم وقوتكم وكثرتكم، وعاينتم القوة من أنفسكم دون الله؛ رماكم الله بالهزيمة وضيق الأرض عليكم 38.

وكان هذا في يوم حنين إذ كان المسلمون في عدد عديد، حتى لقد قال قائلهم: إننا لن نغلب اليوم من قلة، فقد كانوا في اثني عشر ألفًا، ومع هذا فإنه ما كاد المسلمون يلتقون بهوازن في وادي حنين قرب مكة، حتى ولوا مدبرين، وانكشف رسول الله للعدو، ولم يثبت معه إلا قليل، فوقعت الدائرة على المسلمين، وتبدد جيشهم، وتناثرت جموعهم، وذهبت ريحهم، وما كان لقوة في الأرض أن تجمع هذا الكيان الممزق، وأن تبعث فيه الحياة والقوة من جديد، ولكن أمداد السماء، ونفحات الحق، جاءت في وقتها، فأحالت الهزيمة نصرًا حاسمًا، وفى هذا درس للمسلمين حتى يروا أن القوة لله، وأن النصر والعزة لا مبغى لهما إلا بالتوكل على الله، وطلب العون والمدد منه تعالى، فمن رغب عن ذلك، ونظر للعدد والقوة المادية، وآثر كثرته واغتر بها، فلن يلقى إلا الذلة والهوان 39.

وفي قوله تعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) } [آل عمران:147] .

في هذا إيماء لطلبهم النصر من الله مع كثرة عددهم التي دل عليها قوله: {رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} ، فهم لا يعولون على كثرة العدد؛ بل يطلبون العون والمدد الروحاني من الله بثبات الأقدام 40.

وختامًا: فإن التجاء الإنسان إلى الله عند الشدائد سبب لنجاته، وإجابة دعوته لقوله تعالى: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} [البقرة: 251] .

فالقلة المؤمنة هي التي غلبت، وأما اعتماد الإنسان على نفسه، واعتداده بها فسبب لخذلانه كما في حنين، فلقد نصرهم الله بعدما هزمهم العدو بإعجابهم بالكثرة، فالنصر والظفر بالله لا بكثرتهم وقوتهم، فالمؤمن يقبل على الأسباب ولا ينسى المسبب، فحينما نظر المسلمون إلى الأسباب فقط؛ ذاقوا طعم الهزيمة، وبعد أن أعطاهم الدرس التأديبي نصرهم 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت