فهرس الكتاب

الصفحة 440 من 2431

والمعنى: «وكلًا ضربنا له الأمثال بينا له القصص العجيبة من قصص الأولين؛ إنذارًا وإعذارًا، فلما أصروا أهلكوا كما قال: {وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا} فتتناه تفتيتًا» 101، وذلك لما فيه من الكشف عن سنن الله تعالى في الأمم؛ حيث جرت سنة الله تعالى بإرسال الرسل لإصلاح ما فسد من أحوال الأمم، وأيدهم بالآيات القاطعة بصدقهم، الكافية لإقامة الحجة على من عاندهم، فإن استجابوا اهتدوا وصلح حالهم، وإن كذبوا حل بهم ما حل بغيرهم من المكذبين مهما بلغت قوتهم أو طال أمدهم.

ولما كانت عاد من أوائل الأمم، ولم يذكر القرآن تصريحا قبلهم غير قوم نوح، كانت العبرة من قوم نوح أبلغ العبر؛ حيث حل بهم الطوفان الذي لم ينج منه إلا المؤمنون بنبيهم -أصحاب السفينة- فقال هود عليه السلام مذكرا بما حل بهم: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف:69] .

ولا شك أنه يخاطبهم بما لهم به علم، ولا يخفى عليهم خبر قوم نوح.

وهذا التعبير يؤدي أغراضًا، منها تذكيرهم بما حل بقوم نوح من العذاب؛ إذ عصوا رسولهم، وكفروا بربهم، فليتقوا الله أن يحل بهم نظير ما حل بهم من العقوبة، فيهلكهم ويبدل منهم غيرهم، سنته في قوم نوح قبلهم، على معصيتهم إياه وكفركم به» 102.

ومنها: التحديد الزماني من حيث إنهم جاءوا بعد قوم نوح أي: «فإنكم إنما جعلكم ربكم خلفاء في الأرض منهم؛ لما أهلكهم أبدلكم منهم فيها» 103. ولا ينفك عن التحذير أن يصيبهم مثل ما أصابهم.

خامسًا: الأمر بالاستغفار والتوبة:

قال تعالى: {وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) } [هود:52] .

ثم قصد استمالتهم وترغيبهم في الإيمان من باب الإصلاح الجذري لما هم عليه من الفساد، وذلك بالإقلاع عن الباطل والالتزام بالحق الذي عبر عنه بقوله: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} آمنوا به {ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} لما يترتب عليه من كثرة المطر وزيادة القوة، فقدم إليهم في باب الدعوة إلى الدين والترغيب فيه من خلال ما تصبوا إليه نفوسهم، وما كانت همتهم معقودة به؛ ليحصل في ضمنه الغرض الكلي والمقصود الأصلي وهو الفوز بالسعادات الأخروية 104.

وذلك من خلال التوجه إلى الله تعالى الذي بيده خزائن كل شيء بالاستغفار؛ وذلك بطلب المغفرة لما مضى من عبادة غيره، والتوبة إليه وذلك بالإقلاع عن ذلك فيما يستقبل، وذلك أن الدين يحقق لهم من المطالب أعز وأنفس مما يطلبونه بغير الدين، حيث يحقق لهم الكثرة والزيادة في الدنيا ويضمن لهم الفوز بالآخرة حين يقبل توبتهم ويغفر لهم.

وقد بين الإمام الرازي ما بين الاستغفار والتوبة من فروق فقال: «الوجه الأول: أن معنى قوله: وأن استغفروا اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم، ثم بين الشيء الذي يطلب به ذلك وهو التوبة، فقال: ثم توبوا إليه لأن الداعي إلى التوبة والمحرض عليها هو طلب المغفرة، وهذا يدل على أنه لا سبيل إلى طلب المغفرة من عند الله إلا بإظهار التوبة، والأمر في الحقيقة كذلك؛ لأن المذنب معرضٌ عن طريق الحق، والمعرض والمتمادي في التباعد ما لم يرجع عن ذلك الإعراض لا يمكنه التوجه إلى المقصود بالذات، الذي هو محو الأوزار السالفة إلا بالإقلاع عن الأوزار المستقبلة فثبت أن الاستغفار مطلوبٌ بالذات، وأن التوبة مطلوبةٌ لكونها من متممات الاستغفار، وما كان آخرًا في الحصول كان أولًا في الطلب؛ فلهذا السبب قدم ذكر الاستغفار على التوبة.

الوجه الثاني: في فائدة هذا الترتيب أن المراد: استغفروا من سالف الذنوب، ثم توبوا إليه في المستأنف.

الوجه الثالث: وأن استغفروا من الشرك والمعاصي، ثم توبوا من الأعمال الباطلة.

الوجه الرابع: الاستغفار طلبٌ من الله؛ لإزالة ما لا ينبغي، والتوبة سعيٌ من الإنسان في إزالة ما لا ينبغي، فقدم الاستغفار ليدل على أن المرء يجب أن لا يطلب الشيء إلا من مولاه فإنه هو الذي يقدر على تحصيله، ثم بعد الاستغفار ذكر التوبة؛ لأنها عملٌ يأتي به الإنسان ويتوسل به إلى دفع المكروه، والاستعانة بفضل الله تعالى مقدمةٌ على الاستعانة بسعي النفس» 105.

{يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} وكأنه إنما خصص هذين النوعين من السعادات الدنيوية من كثرة المطر وزيادة القوة؛ لأن القوم كانوا حراصًا على جميع الأموال من وجوه العمارة والزراعة، فقد كانوا أصحاب زروع وبساتين وعمارات، حراصًا عليها أشد الحرص، فكانوا أحوج شيء إلى الماء. وكانوا مدلين بما أوتوا من شدة القوة والبطش والبأس والنجدة، مفتخرين بها ومستحرزين بها من العدو، مهيبين في كل ناحية» 106.

وقدم الأول؛ لأنه أصل جميع النعم، والثاني أصل في الانتفاع بتلك النعم» 107.

وفي هذا الأسلوب يسلك هود عليه السلام مع قومه سبيلًا رشدًا؛ حيث يتجنب محاربة مشاعرهم ومهاجمة عواطفهم، فهو يعلم مدى حرصهم على المال واعتزازهم بقوتهم، كما أن هذه الغرائز ليست مذمومة لذاتها وإنما الخلل في طريقة تعاملهم معها، فلو واجههم بطريق الذم والإنكار؛ لأحدث ردة فعل تزيدهم نفورًا، ولكنه سلك سبيلًا يوجههم فيه إلى حسن استخدام هذه المطالب فيما يحقق منافعها ويجنب مفاسدها؛ ترغيبا بزيادتها والمحافظة عليها، بدلًا من سلبها والحرمان منها. وذلك من خلال الإصلاح الذي عبر عنه بالاستغفار والتوبة 108.

وخلاصة هذا المنهج النبوي لهود عليه السلام أنه يسير بخطوات واضحة على بصيرة؛ حيث يحدد أسس البناء السليم الذي يريد إعلاءه، وعلل الفساد التي يريد اجتثاثها، ويدخل إلى النفوس من جميع المداخل المؤثرة بقوة وأسلوب حكيم غير منفر، واضعًا البدائل وما يترتب عليها من الثمرات.

أولًا: التكذيب والإنكار:

لم تختلف عاد عن الأمم الذين كذبوا الرسل، حيث ذكرهم القرآن في عداد أمثالهم من المكذبين في مواطن عديدة، منها قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) } [ق:12 - 14] .

وقوله سبحانه: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39) } [الفرقان:37 - 39] .

وفي سورة إبراهيم قال: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9) } [إبراهيم:9] .

كما قرن القرآن ذكر عاد مع ثمود في مواطن عديدة مع ما تشابهتا به في جرم التكذيب فقال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) } [الحاقة:4] .

وفي مواطن خص عادا بالذكر مبرزًا موقفها من نبيها هود عليه السلام، فقال سبحانه: {كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) } [القمر:18] .

وأن تكذيبها به تكذيب بالأنبياء جميعًا فقال: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) } [الشعراء:123 - 125] .

ووصفها هنا بتكذيب المرسلين؛ لأن دعوى المرسلين واحدة وموقفهم منهم جميعًا لا يتغير. وأما صيغة التكذيب كما جاء في السورة نفسها: {قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (136) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140) } [الشعراء:136 - 140] .

وفي سورة المؤمنون-عند من يرجح أنها في قوم هود- أنكروا النبوة بحجة البشرية والمثلية قال تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) } [المؤمنون:33 - 38] .

أي: يقول الملأ للعامة تنفيرًا من اتباع رسولهم بحجة أنه بشر يماثلهم في البشرية ولوازمها مما يستبعد أن يكون مرسلًا من الله: كيف يبعث الله إلينا رسولًا من جنسنا، ويخصه بالرسالة دوننا، وهو إنسان مثلنا، يأكل مما نأكل منه من الطعام، ويشرب مما نشرب، فليس له فضلٌ ولا مزية علينا؛ لأنه محتاجٌ إلى الطعام والشراب مثلنا؟! وكيف لم يرسل الله ملكا من عنده يبلغنا رسالته؟! وذلك إمعانا منهم في تكذيبه في دعوى الرسالة؛ لتوهمهم أن البشرية تنافي أن يكون صاحبها رسولًا من الله.

ثم يزيدون في تحذيرهم من اتباع الرسول البشر من عواقب لا تحمد، إذ يعدونهم بأمور مستبعد حصولها فيقولون: {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) } ، أي: {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ} فاتبعتموه، وقبلتم ما يقول وصدقتموه {إِنَّكُمْ} أيها القوم {إِذًا لَخَاسِرُونَ} أي: إنكم إذن لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة في الدنياباتباعكم إياه 109 بالعمل ليوم مستبعد الوقوع تاركين العمل لنيل نصيبكم من حاضر دنياكم.

ويظهر كذلك اقتراحهم نزول الملائكة من خلال قوله تعالى: {قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [فصلت:14] .

والمعنى: «لو شاء ربنا أن نوحده، ولا نعبد من دونه شيئًا غيره؛ لأنزل إلينا ملائكة من السماء رسلًا بما تدعوننا أنتم إليه، ولم يرسلكم وأنتم بشر مثلنا، ولكنه رضي عبادتنا وما نعبد؛ فلذلك لم يرسل إلينا بالنهي عن ذلك ملائكة. ثم عقبوا على ذلك بإعلانهم الكفر الصريح قائلين: {فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} أي: قالوا لرسلهم: فإنا بالذي أرسلكم به ربكم إلينا جاحدون غير مصدقين به» 110.

وترتب على دعوى المنافاة بين البشرية والرسالة أن قالوا: {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) } [هود:53] .

أي: وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} لا يصدق مثلنا مثلك أبدا، فليس قولك حجة تحملنا على طاعتك.

فأجابهم هود عليه السلام بقوله: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ} [الأعراف:69] .

أي: أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكرٌ أي: تذكير ووعظ من ربكم على لسان رجلٍ منكم أي: من جملتكم، أو من جنسكم 111. مبينًا أنهم لا يملكون حجة على التكذيب ولا دليلًا معتبرًا على الإنكار إلا التعجب والاستبعاد.

وإنكار بشرية الرسول، وطلب نزول الملائكة أمور تتكرر عند المكذبين، وقد وقع الجواب عليه في مواطن كثيرة من القرآن منها قول الأنبياء: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [إبراهيم:11] .

والمعنى: «أن الأنبياء سلموا أن الأمر كذلك، لكنهم بينوا أن التماثل في البشرية والإنسانية لا يمنع من اختصاص بعض البشر بمنصب النبوة لأن هذا المنصب منصبٌ يمن الله به على من يشاء من عباده، فإذا كان الأمر كذلك فقد سقطت هذه الشبهة» 112.

كما جاء على لسان نوح عليه السلام قوله: {قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) } [هود:28] .

ردًّا على قول الملأ من قومه: {مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا} [هود:27] .

أي: إن خفاء الأمر عليكم لا ينفيه ولا يبطله فلا يصلح حجة لرفضه.

وفي الرد على طلب نزول الملائكة يكشف القرآن عن أن هذا الطلب لا يعدو أن يكون مغالطة منهم لأنفسهم؛ حيث أورد شبهتهم وأجاب عنها بوجهين فقال سبحانه: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9) } [الأنعام:8 - 9] .

أما الوجه الأول: {لَقُضِيَ الْأَمْرُ} : اي: بهلاكهم بعذاب الاستئصال إن كذبوا بعد ظهور آية باهرة. أما الثاني: فإذا نزل الملك فإما أن يظهر بصورته الملائكية وعندها ستزهق أرواحهم؛ لعدم تحمل حواسهم رؤية الملك، وإما أن يظهر بصورة بشر وعندها سيقع الالتباس فيقولوا: إن أنت إلا بشر 113.

ثانيًا: إنكار البينة:

لم يدخر هود عليه السلام جهدًا في دعوة قومه، سواء في محاورتهم العقلية من طرح الحجج والأدلة التي تهدف إلى الإقناع، وإزالة الشبهات التي يثيرونها أو الإتيان بالمعجزات التي تقطع دابر الشبهة وتقطع اللجاجة، إلا أن القوم أنكروا ظهور البينات وذلك مبالغة منهم في إنكار دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حيث قابلوها بالجحود والاستكبار، وإنما يأتي الجحود من شدة الغفلة، ويكون الإصرار بعد معرفة الحقيقة {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) } [هود:59] .

{قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) } [هود:53] فجحدوا هودًا {مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} ، كما قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم [: {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} [الرعد:27] .

«ولم يشتهر منه معجزة ولكن العلماء قالوا: إظهار الدعوة مع أولئك الأقوام من غير مبالاة وتوان آية من الآيات» 114.

وكان ذلك الإنكار مكابرة منهم وجحودًا لنزول البينات، فقد جاءتهم البينات الظاهرة والمعجزات الباهرة، وإن لم يعين لنا بعضها 115 كما دل على ذلك قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70) } [التوبة:70] .

وفي سورة إبراهيم ذكر عادًا مع أقوام آخرين فقال: {جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [إبراهيم:9] .

«بالبينات: يعني بحججٍ ودلالاتٍ على حقيقة ما دعوهم إليه من معجزاتٍ» 116.

كل ذلك يؤكد تأييد الله تعالى لهود عليه السلام بالبينات، ومما يؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) 117.

ومعنى: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} : «ردوا عليهم قولهم وكذبوهم» 118.

ثالثًا: الغفلة والغرور:

في كثير من المواضع التي فصل القرآن فيها الحديث عن قوم هود كشف عما كانوا عليه من الإيغال في الغفلة، والبعد عن الانتفاع بتحذيرات نبيهم عليه السلام، وقد جاءت هذه الآيات كاشفة عن صورة الغفلة ومظاهرها، مبينة أسبابها ودوافعها: أما أسبابها فيمكن أن نبينها بالنقاط الآتية:

قال تعالى: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ? أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ? وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) [فصلت:15] .

أي: فأما عادٌ فمنعهم من قبول الهدى استكبارهم. والاستكبار: المبالغة في الكبر، أي التعاظم واحتقار الناس وكان الحامل لهم على هذا الكبر قوتهم، التي عبروا عنها بقولهم: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) «فتعظموا فيها على أهلها من غير استحقاق، وغلب عليهم الشعور بأنه لا قوة تقف أمام قوتهم، وقد اعتادوا أن يستهينوا بالآخرين، ولا يبالوا بحقوقهم مما حملهم على البطش بلا رحمة.

فلما جاءهم هودٌ بإنكار ما هم عليه من الشرك والطغيان عظم عليهم ذلك؛ لأنهم اعتادوا العجب بأنفسهم وأحوالهم فكذبوا رسولهم. وبلغ بهم التمادي أنهم غفلوا عن قوة الله التي لا تقهر، والتي جاء نبيهم يذكرهم بها.

وفي قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) استفهام إنكاري أيِ: إنه ينكر عليهم عدم علمهم بأن الله أشد منهم قوةً؛ حتى أعرضوا عن رسالة رسول ربهم، وعن إنذاره إياهم إعراض من لا يكترث بعظمة الله تعالى؛ حتى بلغ بهم الغرور أنهم اعتقدوا أنهم يمتنعون بها من بأس الله! لأنهم لو حسبوا لعجزهم عن ذلك حسابه؛ لتوقعوا عذابه فلأقبلوا على النظر في دلائل صدق رسولهم 119.

حيث كان حاملًا على التكذيب والانصراف عن سماع دعوة الأنبياء، أو التفكر فيها والانهماك في محاربتها وصرف الناس عنها.

قال تعالى: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَ?ذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ) [المؤمنون:33] .

«فالترف يفسد الفطرة، ويغلظ المشاعر، ويسد المنافذ، ويفقد القلوب تلك الحساسية المرهفة التي تتلقى وتتأثر وتستجيب ومثل هؤلاء لا يمكن أن يدركوا حكمة الحياة الكبرى ودقة التدبير في أطوارها للوصول بها إلى غايتها البعيدة. هذه الغاية التي لا تتحقق بكمالها في هذه الأرض. فالخير لا يلقى جزاءه الكامل في الحياة الدنيا مثل هؤلاء لا يدركون هذه المعاني ولا يستدلون من أطوار الحياة الأولى على أطوارها الأخيرة ولا ينتبهون إلى أن القوة المدبرة لتلك الأطوار التي لا تقف بالحياة عند مرحلة الموت والبلى كما يظنون» 120.

لقد كان هذا الحال شاغلًا لهم عن التفكير الجاد مستغرقًَا منهم كامل جهدهم واهتماماتهم، حملهم على التباهي والتفاخر في البناء، والتوسع في المعايش، كما سبق بيانه من خلال الحديث عن مظاهر الانحراف والفساد من خلال قوله تعالى: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ?128?وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ?129?) [الشعراء:128 - 129] .

حيث هو من أكبر الصوارف عن قبول دعوة الإصلاح والتجديد حيث قالوا: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ ?136?إِنْ هَ?ذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ ?137?) [الشعراء:136 - 137] .

أي: «ما هذا الذي نحن عليه من الدين إلا خلق الأولين وعادتهم، كانوا يدينونه ويعتقدونه، ونحن بهم مقتدون» 121.

قال تعالى: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) [العنكبوت:38] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت