فهرس الكتاب

الصفحة 1709 من 2431

ثم لما كان الموصي قد لا يحسن التدبير في مقدار ما يوصي لكل واحد منهم وربما كان يقصد المضارة تولى بنفسه بيان ذلك الحق على وجه تيقن به أنه الصواب وأن فيه الحكمة البالغة، وقصره على حدود لازمة من السدس والثلث والنصف والثمن لا يمكن تغيرها فتحول من جهة الإيصاء إلى الميراث.

قال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11) } [النساء:11] .

وصى الله تعالى في هذه الآية في الأولاد، ثم بين ما هي هذه الوصية، فقال تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} بيان لنصيب كل من الولد والبنت في تركة والدهما المتوفى، فللذكر ضعف الأنثى، أو مثل نصيب الأنثيين.

وقوله تعالى: {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} أي: إن كان المتوفى لم يعقب ذكرا، وكانت ذريته إناثا، فإن كن اثنتين فأكثر، فلهما أو لهن الثلثان، {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} .

وقوله تعالى: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} أي: ويوصيكم الله أن تفرضوا لأبوي المتوفى، لكل واحد منهما السدس من التركة، وذلك {إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} ذكرا كان أو أنثى، {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} أي: إن لم يكن للمتوفى فرع كابن أو بنت، أو ابن ابن، {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} أي: انحصر الميراث فيهما {فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} وللأب الباقي وهو الثلثان، {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} اثنان فأكثر أشقاء، أو لأب ذكورا أو إناثا، {فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} أي: أن نصيبها مع وجود الإخوة ينتقل من الثلث إلى السدس.

وهذا الانتقال لصالح الأب؛ لأن الأخوة لا يأخذون مع وجود الأب شيئا، وإنما هم يؤثرون على نصيب الأم فقط، ويحجبونها حجب نقصان، والسر في تساوي الوالدين في الميراث مع وجود الأولاد، الإشارة إلى وجوب احترامهما على السواء، وفى أن حظ الوالدين من الإرث أقل من حظ الأولاد مع عظم حقهما على الولد، أنهما يكونان في الغالب أقل حاجة إلى المال من الأولاد، إما لكبرهما وإما لتمولهما، وإما لوجود من تجب عليه نفقتهما من أولادهما الأحياء.

وأما الأولاد، فإما أن يكونوا صغارًا لا يقدرون على الكسب، وإما أن يكونوا على كبرهم محتاجين إلى نفقات كثيرة في الحياة كالزواج وتربية الأطفال ونحو ذلك.

وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} فقدم الدين والوصية على الميراث، لأن الدين حق على الميت، والوصية حق له، وهما مقدمان على حق ورثته، وقد قدم سبحانه الوصية على الدين في اللفظ مع أنها مؤخرة عن الدين في السداد، وذلك للتشديد في تنفيذها، إذ هي مظنة الإهمال، أو مظنة الإخفاء، ولأنها مال يعطى بغير عوض فكان إخراجها شاقا على النفس، فكان من الأسلوب البليغ الحكيم العناية بتنفيذها.

وكان من مظاهر هذه العناية تقديمها في الذكر، قال علي رضي الله عنه: إنكم تقرؤون الوصية قبل الدين، (وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدين قبل الوصية) 36.

وهذا إجماع على أن الدين مقدم على الوصية والإرث مؤخر عنهما؛ لأن الدين حق على الميت والوصية حق له وهما يتقدمان على حق الورثة.

وقوله تعالى: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} أي: إنكم لا تدرون أي الفريقين أقرب لكم نفعا آباؤكم أو أبناؤكم، فلا تتبعوا في قسمة التركات ما كان يتعارفه أهل الجاهلية من إعطائها للأقوياء الذين يحاربون الأعداء، وحرمان الأطفال والنساء لأنهم من الضعفاء، بل اتبعوا ما أمركم الله به، فهو أعلم منكم بما هو أقرب نفعا لكم مما تقوم به في الدنيا مصالحكم وتعظم به في الآخرة أجوركم، {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} أي: فرض الله ما ذكر من الأحكام فريضة لا هوادة في وجوب العمل بها، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} أي: إنه تعالى لعلمه بشؤونكم ولحكمته العظيمة لا يشرع لكم إلا ما فيه المنفعة لكم، إذ لا تخفى عليه خافية من وجوه المصالح والمنافع، إلا أنه منزه عن الغرض والهوى اللذين من شأنهما أن يمنعا من وضع الشيء في غير موضعه، ومن إعطاء الحق لمن يستحقه، وروي أن هذه الآية نزلت لما استشهد سعد بن الربيع يوم أحد، وترك بنتين وامرأة، وأباه الربيع، فأخذ أبوه جميع ما ترك على ما كانوا عليه في الجاهلية، فأتت امرأة سعد النبي صلى الله عليه وسلم فشكت ذلك إليه مرتين وهي تبكي، وتذكر فقر بنيها، وأنه لا أحد يرغب فيهما لفقرهما، فنزلت آية المواريث: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء:11] 3738.

ومن التشريعات الدينية التي وصى الله تعالى بها، قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ} [البقرة:240] .

قال المفسرون: «كان في ابتداء الإسلام إذا مات الرجل لم يكن لامرأته في الميراث شيء إلا السكنى والنفقة سنة ما لم تخرج من بيت زوجها، وكان المتوفى يوصي بذلك لها، فإن خرجت من بيت زوجها لم يكن لها نفقة، وكان الحول واجبا عليها في الصبر عن التزوج، ثم نسخت هذه الآية بالربع والثمن، وتقدير لمدة الوفاة بأربعة أشهر وعشر» 39.

ومن التشريعات الدينية التي وصى الله تعالى بها، قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108) } [المائدة:106 - 108] .

أخبر الله تعالى المؤمنين أن حكمه في الشهادة على الموصي إذا حضره الموت أن تكون شهادة عدلين، فإن كان في سفر وهو الضرب في الأرض ولم يكن معه من المؤمنين أحد فليشهد شاهدين ممن حضره من أهل الكفر، فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا ولا بدلا وأن ما شهدا به حق ما كتما فيه شهادة الله، وحكم بشهادتهما، فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا ونحو هذا مما هو إثم، حلف رجلان من أولياء الموصي في السفر وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما 40.

رابعًا: أمور الأخلاق:

ذكر القرآن الكريم أن من مكارم الأخلاق التواصي بالحق والتواصي بالصبر، فقال تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } [العصر:1 - 3] .

أقسم الله تعالى في هذه الآية الكريمة، أنَّ كلَّ إنسان خاسر إلا من اتصف بهذه الأوصاف الأربعة: الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر على الحقِّ، فهذه السورة ميزان للأعمال يزين المؤمن بها نفسه، فيبين له بها ربحه من خسرانه، ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه: «لو فكر الناس كلهم فيها لكفتهم» 41.

وقوله تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} [العصر:3] .

والحقُّ: الأمر الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، وهو الخير كله: من توحيد الله وطاعته، واتباع كتبه ورسله، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، وقيل: الحق: هو القرآن؛ لشموله كلَّ أمر وكلَّ نهي، وكل خير، ويشهد لذلك قوله تعالى في حقِّ القرآن: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} [الإسراء:105] .

وقوله سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) } [الزمر:2] .

وقد اشتمل قوله تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:3] .

على إقامة المصالح الدينية كلها، فالعقائد الإسلامية والأخلاق الدينية مندرجة في الحقِّ، والأعمال الصالحة وتجنب السيئات مندرجة في الصبر، والتخلق بالصبر ملاك فضائل الأخلاق كلها، فإنَّ الارتياض بالأخلاق الحميدة لا يخلو من حمل المرء نفسه على مخالفة شهوات كثيرة.

ففي مخالفتها تعب يقتضي الصبر عليه حتى تصير مكارم الأخلاق ملكة لمن راض نفسه عليها، وأفادت صيغة التواصي بالحق وبالصبر أن يكون شأن حياة المؤمنين قائمًا على شيوع التآمر بهما ديدنًا لهم، وذلك يقتضي اتصاف المؤمنين بإقامة الحقِّ وصبرهم على المكاره في مصالح الإسلام وأمته؛ لما يقتضيه عرف الناس من أنَّ أحدًا لا يوصي غيره بملازمة أمر إلا وهو يرى ذلك الأمر خليقًا بالملازمة، إذ قلَّ أن يقدم أحد على أمر بحقٍّ و لا يفعله أو أمر بصبر وهو ذو جزع.

وقد قال الله تعالى توبيخًا لبني إسرائيل: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) } [البقرة:44] 42.

تظهر وصية الله تعالى للأنبياء والمؤمنين وأهل الكتاب والإنسان عامة وذلك من خلال ما يلي:

أولًا: الأنبياء:

وصى الله تعالى الأنبياء والمرسلين بالتشريعات الدينية، قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) } [الشورى:13] .

إن الأنبياء عليهم السلام مأمورون بتبليغ وصية الله تعالى، وقد بينت هذه الآية الكريمة أن من وصية الله تعالى لجميع الرسل إقامة الدين بكليته، ومن إقامة الدين الذي أمر الله تعالى بإقامته اتباع جميع التشريعات التي أمر الله تعالى بها، وقد كانت هذه الوصية عمل الرسل لأممهم ومن بعدهم، فنفذها إبراهيم عليه السلام.

قال تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) } [البقرة:132] .

ومن بعد إبراهيم يعقوب عليه السلام، قال تعالى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) } [البقرة:133] .

فهذا تواصي الأمم بأصل الإيمان وعموم الشريعة، وقوله تعالى: {مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى:13] .

مقدر فيه مضاف، أي مثل ما وصى به نوحا، أو هو بتقدير كاف التشبيه على طريقة التشبيه البليغ مبالغة في شدة المماثلة حتى صار المثل كأنه عين مثله، والمراد: المماثلة في أصول الدين مما يجب لله تعالى من الصفات، وفي أصول الشريعة من كليات التشريع، وأعظمها توحيد الله، ثم ما بعده من الكليات الخمس الضروريات، ثم الحاجيات التي لا يستقيم نظام البشر بدونها.

فإن كل ما اشتملت عليه الأديان المذكورة من هذا النوع قد أودع مثله في دين الإسلام، فالأديان السابقة كانت تأمر بالتوحيد، والإيمان بالبعث والحياة الآخرة، وتقوى الله بامتثال أمره واجتناب نهيه على العموم، وبمكارم الأخلاق بحسب المعروف، وتختلف في تفاصيل ذلك وتفاريعه.

ودين الإسلام لم يخل عن تلك الأصول وإن خالفها في التفاريع تضييقا وتوسيعا، وامتازت هذه الشريعة بتعليل الأحكام وسد الذرائع والأمر بالنظر في الأدلة وبرفع الحرج وبالسماحة وبشدة الاتصال بالفطرة، وكما وصى الله تعالى أنبياءه ورسله بأصل الإيمان وعموم الشريعة، كذلك وصى الله تعالى الأنبياء بالعبادة من صلاة وزكاة، كما في قوله تعالى عن نبي الله عيسى عليه السلام: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) } [مريم:31] 43.

ثانيًا: المؤمنون:

المؤمنون مأمورون بالتواصي بالحق، وهو الخير كله: من توحيد الله وطاعته، واتباع كتبه ورسله، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، لذلك قرن الأمر بالتواصي بالحق بالأمر بالتواصي بالصبر في سورة العصر، والحق هو المقصود الأول من الدين، وهو لا يقوم إلا بالصبر، فكانت سورة العصر مشتملة على التواصي بالاستقامة على صراط الله المستقيم واتباعه، ويأتي عقبها قوله تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:3] .

بمثابة التثبيت على هذا الصراط المستقيم إذ الصبر لازم على عمل الطاعات، كما هو لازم لترك المنكرات، وقد اشتمل قوله تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:3] .

على إقامة المصالح الدينية كلها، فالعقائد الإسلامية والأخلاق الدينية مندرجة في الحق، والأعمال الصالحة وتجنب السيئات مندرجة في الصبر، والتخلق بالصبر ملاك فضائل الأخلاق كلها فإن الارتياض بالأخلاق الحميدة لا يخلو من حمل المرء نفسه على مخالفة شهوات كثيرة، ففي مخالفتها تعب يقتضي الصبر عليه حتى تصير مكارم الأخلاق ملكة لمن راض نفسه عليها، وأفادت صيغة التواصي بالحق وبالصبر أن يكون شأن حياة المؤمنين قائما على شيوع التآمر بهما ديدنًا لهم.

وذلك يقتضي اتصاف المؤمنين بإقامة الحق وصبرهم على المكاره في مصالح الإسلام وأمته، لما يقتضيه عرف الناس من أن أحدًا لا يوصي غيره بملازمة أمر إلا وهو يرى ذلك الأمر خليقا بالملازمة إذ قل أن يقدم أحد على أمر بحق هو لا يفعله أو أمر بصبر وهو ذو جزع.

وقد قال الله تعالى توبيخا لبني إسرائيل: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) } [البقرة:44] 44.

والمؤمنون مأمورون أن لا يقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن.

قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) } [الأنعام:152] .

نهى الله تعالى ولي اليتيم أو وصية عن قربان مال اليتيم إلا بالوجه الذي هو أنفع، فلا بد لكافل اليتيم من النظر والتحري عند التصرف في ماله، حتى يعرف ما هو ضار وما هو نافع، فلا يتصرف إلا بما هو نافع، ويحرم أخذ مال اليتيم بالباطل، والتعدي عليه ظلمًا، ومثل اليتيم في النهي غيره؛ فكل ذي ولاية أو أمانة على مال غيره يجب عليه أن يتحرى التحري المذكور، كما يحرم على كل أحد أن يتعدى على مال غيره، ووجه تخصيص حق اليتيم في ماله بالحفظ: أن ذلك الحق مظنة الاعتداء عليه من الولي، وهو مظنة انعدام المدافع عنه، لأنه ما من ضعيف عندهم إلا وله من الأقارب والموالي من يدفع عنه إذا استجاره أو استنجده.

فأما اليتيم فإن الاعتداء عليه إنما يكون من أقرب الناس إليه وهو وليه؛ لأنه لم يكن يلي اليتيم عندهم إلا أقرب الناس إليه، وكان الأولياء يتوسعون في أموال أيتامهم، ويعتدون عليها، ويضيعون الأيتام لكيلا ينشؤوا نشأة يعرفون بها حقوقهم، ولذلك قال تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) } [الضحى:6] .

فلذلك لم يوص الله تعالى بمال غير اليتيم؛ لأن صاحبه يدفع عن نفسه، أو يستدفع بأوليائه ومنجديه، لأنه ضعيف لا ناصر له، والنفوس أشد طمعًا في مال الضعيف؛ فالعناية به أوكد، والعقوبة عليه أشد، ومن بليغ إيجاز القرآن في بيانه أنه يذكر الشيء ليدل به على تأثيره، أو الذي هو أحرى بالحكم منه، أو لكون امتثال الحكم الشرعي فيه داعيا إلى امتثاله في غيره بالمساواة.

وفي قوله: {إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام:152] أربعة تأويلات:

أحدها: حفظ ماله عليه إلى أن يكبر ليتسلمه.

والثاني: أن ذلك هو التجارة به.

والثالث: هو ألا يأخذ من الربح إذا اتجر له بالمال شيئًا.

والرابع: هو أن يأكل الولي بالمعروف من ماله إن افتقر، ويترك إن استغنى، ولا يتعدى من الأكل إلى اللباس ولا غيره.

ويحتمل خامسًا: أن التي هي أحسن: حفظ أصوله وتثمير فروعه.

ثم قال: {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام:152] .

أي: الرشد وزوال السفه مع البلوغ، وفي حدها ثلاثة أقاويل: قال مقاتل: «يعني ثماني عشرة سنة» ، وقال الكلبي: «الأشد ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة» ، ويقال: «حتى يبلغ مبلغ الرجل» ، ويقال: «بلوغ الأشد ما بين ثماني عشرة إلى أربعين سنة» .

وقد نص الفقهاء على أن من ولي مال اليتيم واستحق أجرًا، فله الأقل من أحد أمرين: إما نفقته في نفسه، وإما أجرته على عمله، أي: إن كان العمل يستحق أجرة ألف ريال، ونفقته يكفي لها خمسمائة أخذ نفقته فقط، وإن كان العمل يكفيه أجرة مائة ريال، ونفقته خمسمائة أخذ أجرته مائة فقط حفظًا لماله 45.

قال المفسرون: لما نزلت سورة بني إسرائيل، وقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام:152] .

وفي سورة النساء: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10) } [النساء:10] .

تحرج المسلمون أن يخلطوا طعامهم بطعام من يكون عندهم من الأيتام، وكانوا يعزلون طعامهم عن طعامهم، وشرابهم عن شرابهم، حتى ربما فسد طعامهم، فشق ذلك عليهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} [البقرة:220] .

يعني في الطعام، والشراب، والمساكنة، وركوب الدابة، واستخدام العبد، قال الشعبي: فمن خالط يتيمًا، فليوسع عليه، ومن خالط بأكل فلا يفعل، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} [البقرة:220] .

قال ابن زيد: الله يعلم حين تخلط مالك بماله، أتريد أن تصلح ماله أو تفسد ماله بغير حق، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ} [البقرة:220] .

فيه تأويلان:

أحدهما: لشدد عليكم.

والثاني: لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقًا.

{إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة:220] .

يعني: عزيز في سلطانه وقدرته على الإعنات، حكيم فيما صنع من تدبيره وتركه الإعنات 46.

ثالثًا: أهل الكتاب:

ومن الوصايا التي وصى الله تعالى بها أهل الكتاب وصية التقوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت