فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 2431

البكاء

أولًا: المعنى اللغوي:

الباء والكاف والواو والهمزة أصلان: أحدهما سيلان الدمع، والآخر نقصان الشيء وقلته 1.

فالأول: بكى يبكي بكًا وبكاءً، فهو باك، والجمع بكاة وبكي، فالبكاء بالمد سيلان الدمع عن حزن وعويل، يقال إذا كان الصوت أغلب كالرغاء والثغاء وسائر هذه الأبنية الموضوعة للصوت، وبالقصر يقال إذا كان الحزن أغلب 2.

وقيل: هو بالقصر خروج الدمع فقط، وبالمد خروج الدمع مع الصوت.

قال الشاعر 3:

بكت عيني وحق لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل

والأصل الآخر: قولهم للناقة القليلة اللبن هي بكيئةٌ، ومنه قول الشاعر 4:

يقال محبسها أدنى لمرتعها ولو تعادى ببكءٍ كل محلوب

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الراغب: «البكاء بالمد سيلان الدمع عن حزن وعويل» .5

وقال السمعاني: «والبكاء حالة تعتري الإنسان من الهم وضيق القلب مع جريان الدمع على الخد» 6.

و الملاحظ أن هذه التعريفات عرفت البكاء بحالته الأكثر انتشارًا، وإلا فهناك بكاء لم ينشأ عن غم أو حزن؛ كبكاء الخشية من الله، وبكاء الفرح، وهو ما تنبه له ابن عاشور، فقال: «البكاء انفعال باطني ناشئ عن حزن أو عن خوف أو عن شوق» 7.

وردت مادة (بكي) في القرآن الكريم (7) مرات 8.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 2 ... {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29) } [الدخان:29]

الفعل المضارع ... 4 ... {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) } [الإسراء:109]

اسم الفاعل ... 1 ... {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58) } [مريم:58]

وجاء البكاء في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: سيلان الدمع عن حزن وغيره 9.

الخشوع:

الخشوع لغة:

خضع وذل وخاف، والخشوع: الخضوع والسكون والتذلل والخوف.

الخشوع اصطلاحًا:

إقبال المرء بقلبه على الله في دعائه وصلاته؛ خوفًا وانقيادًا، مع خضوع الجوارح والأعضاء 10.

الصلة بين الخشوع والبكاء:

البكاء أثر من آثار الخشوع، والخشوع محله القلب.

الضحك:

الضحك لغة:

يقال ضحك يضحك ضحكًا وضحكًا وضحكًا وضحكًا أربع لغاتٍ، ومن ذلك الضحك وهو دليل الانكشاف والبروز 11.

الضحك اصطلاحًا:

«انبساط الوجه وتكشر الأسنان من سرور النفس» 12.

الصلة بين الضحك والبكاء:

الضحك ضد البكاء.

ذكر الحق سبحانه وتعالى- في معرض إثبات كمال قدرته وانفراده بالخلق والإيجاد في سورة النجم - «جملة من عجائب صنع الله في خلقه، ولاسيما ما في خلق الإنسان وتكوينه من أسرار ظاهرة و باطنة، لم يصل الإنسان نفسه حتى الآن إلى تحديدها، واستكناه حقيقتها» 13.

فقال تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) } [النجم:43] .

أولًا: نسبة الإضحاك والإبكاء لله عز وجل:

نسب الله تعالى لنفسه القدرة على الإضحاك والإبكاء بصيغة القصر الدالة على مطلق اختصاصه تعالى بهذا الفعل، ونفي إسناده لغيره، فقال: « {وَأَنَّهُ هُوَ} .

كما أن الفعلين {أَضْحَكَ وَأَبْكَى} ، لا مفعول لهما في هذا الموضع؛ لأنهما سيقا لبيان قدرة الله، لا لبيان المقدور، فلا حاجة إلى المفعول 14.

وقد اختلف أهل التأويل في بيان من المقصود بالإضحاك والإبكاء:

فقال مقاتل: أضحك أهل الجنة، وأبكى أهل النار 15.

وقال التستري: أضحك المطيع بالرحمة، وأهلك العاصي بالسخط، وأضحك قلوب العارفين بنور معرفته، وأبكى قلوب أعدائه بظلمات سخطه 16.

وقيل: أضحك بالوعد، وأبكى بالوعيد 17.

وقال الضحاك: أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر 18.

والراجح من الأقوال أن الله تعالى أضحك الناس وأبكاهم؛ قال السمعاني:» والأصح من الأقاويل أنه أضحك الخلق وأبكاهم «19.

لكن، إذا كان فعل الإضحاك والإبكاء موجها للإنسان، فما المراد بذلك؟

اختلف المفسرون أيضًا في تعيين المراد بذلك، وهذا جماع أقوالهم:

قال الهواري: «خلق الضحك والبكاء» 20.

وقال الماتريدي: «قوله عز وجل: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) } يخرج على وجهين:

أحدهما: على الكناية والاستعارة؛ جعل الضحك كناية عن السرور، والبكاء كناية عن الحزن؛ وكذا العرف في الناس أنه إذا اشتد بهم السرور ضحكوا، وإذا اشتد بهم الحزن بكوا.

والثاني: على حقيقة الضحك والبكاء، فهو على وجهين:

أحدهما: أي أنشأهم بحيث يضحكون، ويبكون.

والثاني: يخلق منهم فعل الضحك والبكاء؛ فهو أشبه التأويلين عندنا» 21.

وقال مكي بن أبي طالب القيسي: أضحك من شاء في الدنيا بأن سره، وأبكى من شاء بأن غمه 22.

وقال القرطبي: «قضى أسباب الضحك والبكاء» 23.

وقال الزمخشري: « {أَضْحَكَ وَأَبْكَى} ، خلق قوتي الضحك والبكاء» 24.

و أرى أن حمل قوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} على حقيقة الضحك والبكاء أولى؛ لأن حمل الألفاظ على حقيقتها أولى من صرفها إلى المجاز؛ ولذلك قال ابن حيان: «الظاهر حقيقة الضحك والبكاء» 25.

وقال الماتريدي- بعد أن ذكر المعنى الحقيقي للإضحاك والإبكاء-: «فهو أشبه التأويلين عندنا» 26،

ثم إن باقي المعاني تؤول إليه؛ لأن الضحك والبكاء من القوى والاستعدادات الغريزية التي فطر الله عليها الإنسان؛ وجعلها مقترنة بأسبابها وبواعثها من السرور والحزن؛ ولذلك قال الطاهر ابن عاشور:» وإسناد الإضحاك والإبكاء إلى الله تعالى؛ لأنه خالق قوتي الضحك والبكاء في الإنسان، وذلك خلق عجيب؛ ولأنه خالق طبائع الموجودات، التي تجلب أسباب الضحك والبكاء من سرور وحزن» 27.

ثانيا: البكاء نعمة ومنة كبرى على جنس الإنسان:

البكاء نعمة من النعم الكبرى التي امتن بها سبحانه على جنس البشر، واختصهم بها دون سائر مخلوقاته الأخرى، وهي آية معجزة دالة على انفراده سبحانه وتعالى بالإيجاد والقهر، وقد دل على إعجاز صفة البكاء في تكوين الإنسان، أن العلم لا يستطيع تعليله وفهم كيفية وقوعه، و لا تعيين مختلف المتغيرات المؤثرة في إنشائه وإحداثه.

قال الامام الرازي: «اختار هذين الوصفين للذكر والأنثى؛ لأنهما أمران لا يعللان، فلا يقدر أحد من الطبيعيين أن يبدي في اختصاص الإنسان بالضحك والبكاء وجها وسببا، وإذا لم يعلل بأمر، ولا بد له من موجد فهو الله تعالى، بخلاف الصحة والسقم فإنهم يقولون: سببهما اختلال المزاج وخروجه عن الاعتدال، ويدلك على هذا أنهم إذا ذكروا في الضحك أمرا له الضحك، قالوا: قوة التعجب، وهو في غاية البطلان؛ لأن الإنسان ربما يبهت عند رؤية الأمور العجيبة ولا يضحك، وقيل: قوة الفرح، وليس كذلك؛ لأن الإنسان يفرح كثيرا، ولا يضحك، والحزين الذي عند غاية الحزن يضحكه المضحك، وكذلك الأمر في البكاء، وإن قيل لأكثرهم علما بالأمور التي يدعيها الطبيعيون إن خروج الدمع من العين عند أمور مخصوصة لماذا؟ لا يقدر على تعليل صحيح» 28.

وقد بين سيد قطب كثيرًا من حقائق الإعجاز في خلق الإنسان كائنا ضاحكا باكيا، بأسلوب بليغ وعبارة رشيقة فقال: «أضحك وأبكى .. فأودع هذا الإنسان خاصية الضحك وخاصية البكاء؛ وهما سر من أسرار التكوين البشري لا يدري أحد كيف هما، ولا كيف تقعان في هذا الجهاز المركب المعقد، الذي لا يقل تركيبه وتعقيده النفسي عن تركيبه وتعقيده العضوي، والذي تتداخل المؤثرات النفسية والمؤثرات العضوية فيه، وتتشابكان، وتتفاعلان في إحداث الضحك، وإحداث البكاء.

وأضحك وأبكى .. فأنشأ للإنسان دواعي الضحك ودواعي البكاء، وجعله - وفق أسرار معقدة فيه - يضحك لهذا ويبكي لهذا، وقد يضحك غدا مما أبكاه اليوم، ويبكي اليوم مما أضحكه بالأمس، في غير جنون و لا ذهول؛ إنما هي الحالات النفسية المتقلبة، والموازين والدواعي والدوافع والاعتبارات التي لا تثبت في شعوره على حال!

وأضحك وأبكى .. فجعل في اللحظة الواحدة ضاحكين وباكين، كل حسب المؤثرات الواقعة عليه، وقد يضحك فريق مما يبكي منه فريق؛ لأن وقعه على هؤلاء غير وقعه على أولئك .. وهو هو في ذاته؛ ولكنه بملابساته بعيد من بعيد!

وأضحك وأبكى .. من الأمر الواحد صاحبه نفسه، يضحك اليوم من الأمر ثم تواجهه عاقبته غدا أو جرائره فإذا هو باك، يتمنى أن لم يكن، وأن لم يكن ضحك، وكم من ضاحك في الدنيا باك في الآخرة حيث لا ينفع البكاء!

هذه الصور والظلال والمشاعر والأحوال .. وغيرها كثير، تنبثق من خلال النص القصير، وتتراءى للحس والشعور، وتظل حشود منها تنبثق من خلاله؛ كلما زاد رصيد النفس من التجارب؛ وكلما تجددت عوامل الضحك و البكاء في النفوس؛ وهذا هو الإعجاز في صورة من صوره الكثيرة في هذا القرآن» 29.

فقد بين هذا النص أن قدرة الضحك و البكاء، من الخصائص المودعة في الإنسان، وهي سر من أسرار التكوين؛ إذ لا تعقل ماهيتهما و لا كيفية وقوعهما، كما لا يفهم سببهما ودواعيهما؛ إذ كيف يضحك قومٌ مما يبكي منه آخرون؟ وكيف يبكي الواحد اليوم ما كان أضحكه بالأمس القريب؟ وصدق الحق سبحانه وتعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) } [الذاريات:21] .

سبق القول إن البكاء عملية معقدة تتفاعل في إحداثها عوامل داخلية عضوية ونفسية وفطرية، وأخرى خارجية وفق سنة الله تعالى في ربط الأسباب بمسبباتها.

وإن تتبع جميع الأسباب التي تثير البكاء وتحمل عليه شأنه أن يحيد بنا عن صلب هذا البحث المخصص للمفهوم في القرآن، ولذلك سأقتصر على الأسباب الواردة في السياقات القرآنية المتضمنة للبكاء بلفظه أو بمعناه:

أولًا: البكاء لسماع آيات الله والتأثر بمواعظه:

يعد البكاء لسماع آيات الله تعالى من أعظم أوصاف أنبياء الله تعالى وعباده المتقين، ولذلك مدحهم الله به في مواضع من كتابه العزيز، منها:

قوله عز وجل: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58) } [مريم:58] .

فقد ذكر الله أن هؤلاء المنعم عليهم من النبيين إذا تتلى عليهم آيات الله خروا سجدًا وبكيًا، استكانة لله، وتذللًا وخضوعًا لأمره وانقيادًا.

والمراد بآيات الرحمن في هذا السياق: «أدلة الله وحججه التي أنزلها عليهم في كتبه» 30.

قوله تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) } [الإسراء:106 - 108] .

وقد وردت هذه الآيات في سياق محاجة الكفار المكذبين بالقرآن، و المطالبين بالآيات المعجزة، يأمر الله فيها نبيه عليه الصلاة والسلام بأن يقول لهم:» آمنوا بهذا القرآن - الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، لم يأتوا به ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا - أو لا تؤمنوا به، فإن إيمانكم به لن يزيد في خزائن رحمة الله، ولا ترككم الإيمان به ينقص ذلك، وإن تكفروا به، فإن الذين أوتوا العلم بالله وآياته -من قبل نزوله من مؤمني أهل الكتابين- إذا يتلى عليهم هذا القرآن يخرون تعظيما له وتكريما، وعلما منهم بأنه من عند الله، لأذقانهم سجدا بالأرض» 31.

وقد ذكر مجاهد أن المراد بالذين {أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ} هم ناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل الله على محمد قالوا سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولًا 32.

وذكر مقاتل أنها نزلت في مؤمني أهل التوراة عبد الله بن سلام وأصحابه 33.

أما المتلو فهو القرآن الكريم لدلالة السياق عليه.

وهو الذي رجحه ابن جرير الطبري فقال: «وإنما قلنا: عني بقوله: {إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ} القرآن، لأنه في سياق ذكر القرآن لم يجر لغيره من الكتب ذكر، فيصرف الكلام إليه، ولذلك جعلت الهاء التي في قوله: {مِنْ قَبْلِهِ} من ذكر القرآن؛ لأن الكلام بذكره جرى قبله، وذلك قوله: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ} وما بعده في سياق الخبر عنه؛ فلذلك وجبت صحة ما قلنا، إذا لم يأت بخلاف ما قلنا فيه حجة يجب التسليم لها» 34.

فهؤلاء الذين أوتوا العلم من مؤمني أهل الكتابين من قبل نزول الفرقان، تلين قلوبهم لسماع القرآن، ويخرون على وجوههم سجدا وبكيا، وهو «مشهد مصور لحالة شعورية غامرة، يرسم تأثير هذا القرآن في القلوب المتفتحة لاستقبال فيضه؛ العارفة بطبيعته وقيمته؛ بسبب ما أوتيت من العلم قبله» 35، خلافًا لمن يقابل آيات الله بالإستهزاء والصدود، كأولئك المخاطبين بقوله تعالى: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (61) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62) } [النجم:59 - 62] .

إن هذه الآيات لما سمعها أهل الصفة بكوا حتى أخضلوا؛ فعن أبي هريرة قال: لما نزلت {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ} الآية، بكى أصحاب الصفة حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينهم بكى معهم، وبكينا لبكائه، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا يلج النار من بكى من خشية الله تعالى، ولا يدخل الجنة مصر على معصية، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون، ثم يستغفرون، فيغفر لهم) 36.

وبهذا يتبين أن البكاء لسماع القرآن سمة العلماء وأمارة الشوق والمحبة، وحري بكل سالك إلى الله تعالى أن يجتهد في تحصيل وبلوغ هذه المنزلة.

ثانيًا: البكاء لمعرفة الحق:

ما أعظم فرح القلب سرورا بمعرفة الحق، وما أشد هذا الفرح إذا فاضت العين بالدمع تعبيرا عن تأثرها العميق بهذا الحق.

هذا مقام طائفة من النصارى حكى القرآن أحوالهم، فقال عز وجل: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) } [المائدة:82983] .

وقد قال بعض المفسرين: إنها نزلت في النجاشي وأصحابه؛ لما كان جعفر وأصحابه رضوان الله عليهم يتلون عليهم بعض ما أنزل من القرآن على النبي عليه الصلاة والسلام؛ جعلت دموعهم تفيض بسبب ما عرفوا من الحق 37.

وقال غيرهم: إنها نزلت في الوفد من العلماء والقساوسة الذين بعثهم النجاشي إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ينظرون إليه ويسألونه، فلما لقوه فقرأ عليهم ما أنزل إليه، بكوا وأسفوا، فأنزل الله فيهم {وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} إلى آخر الآية 38.

وقال آخرون: بل هذه صفة قوم كانوا على شريعة عيسى من أهل الإيمان، فلما بعث الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم آمنوا به 39.

والآيات تحمل على عمومها؛ فتشمل كل من علم الحق من النصارى، فزاده ما نزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم إيمانا وتصديقا.

ولذلك قال ابن جرير الطبري: «والصواب في ذلك من القول عندي: أن الله تعالى وصف صفة قوم قالوا: {إِنَّا نَصَارَى} ، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم يجدهم أقرب الناس ودادًا لأهل الإيمان بالله ورسوله، ولم يسم لنا أسماءهم؛ وقد يجوز أن يكون أريد بذلك أصحاب النجاشي، ويجوز أن يكون أريد به قومٌ كانوا على شريعة عيسى، فأدركهم الإسلام فأسلموا لما سمعوا القرآن وعرفوا أنه الحق، ولم يستكبروا عنه» 40.

وقد وصف القرآن الكريم أعين هذه الطائفة بأنها تفيض من الدمع، أي تمتلئ بالدمع حتى يسيل من جوانبها.

وذكر الإمام الرازي أن قوله تعالى: {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} فيه وجهان:

الأول: المراد أن أعينهم تمتلئ من الدمع حتى تفيض، لأن الفيض أن يمتلئ الإناء وغيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه.

الثاني: أن يكون المراد المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها 41.

وسبب هذا البكاء العميق تأثرهم بالحق الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، وتطابقه مع ما أوتوه من العلم، وتيقنهم من صدقه عليه الصلاة والسلام.

قال أبو زهرة: «معناه أن سبب البكاء هو ما عرفوه من الحق، وهذا يدل على أمرين: أولهما: أنه تحقق لديهم ما وجدوه من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم. ثانيهما: أنهم كانوا لنفاذ بصائرهم، وعظم مداركهم يحسون بأنهم كانوا في ضلال فعرفوا الطريق، وكانوا في ظلام فاستناروا وكانوا في حيرة فاطمأنوا» 42.

إن هذه الطائفة من النصارى استحقت التنويه والإشادة بحالها الخاشعة وهي لم تعلم إلا بعض الحق، كما هو واضح من حرف التبعيض المقرون بالحق {مِنَ الْحَقِّ} ، فكيف لو عرفوا الحق كله؟

وهذا يبين مبلغ هؤلاء القساوسة والرهبان من الخشية والرهبة، واستعدادهم لتلقي الحق والانخراط مع أنصاره وأتباعه: {يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} .

ثالثًا: البكاء لفوات الخير وتحسرا عليه:

مشهد آخر من مشاهد البكاء يقصه القرآن الكريم عن نفر من المومنين 43، جاؤوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام يسألونه نفقة تعينهم على الخروج إلى الجهاد وقتال العدو مع المومنين، لكنهم صادفوا شحة في الرواحل، ونقصا في النفقات، لم يستطع النبي عليه الصلاة والسلام - معها- أن يوفر لهم ما يطلبون من الحملان، فعذرهم في الخروج، وسامحهم في التخلف لهذا السبب.

ولكنهم من فرط حبهم للجهاد، وصدق رغبتهم في الخروج للقتال، لم يستسيغوا التخلف، ولم يطيقوا التأخر عن صفوف النافرين لقتال العدو، وإذ لم يجدوا حيلة ولا اهتدوا إلى سبيلٍ للجهاد، فقد تولوا وأعينهم تفيض من الدمع، حزنا على حالهم، وتحسرا على ما فاتهم من فضل الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

قال الحق تبارك وتعالى: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92) } [التوبة:92] .

إن مشهد التخلف عن صفوف الزاحفين إلى ذروة سنام الإسلام يفلق الأكباد ويقطع الأحشاء، ولو كان لعذر وضرورة، وهذا ما جعل هذه الطائفة المؤمنة المأذون لها بالقعود تعود إلى ديارها، والحزن يعتصر قلبها، ويفيض الدمع من أعينها، «وإنها لصورة مؤثرة للرغبة الصحيحة في الجهاد، والألم الصادق للحرمان من نعمة أدائه» 44.

ولذلك سمي هؤلاء النفر من المومنين (البكاؤون) 45، واستحقوا أن يخصوا بالذكر رغم أنهم مندرجون مع أصحاب الأعذار- لاسيما الذين لا يجدون ما ينفقون- المذكورين في قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) } [التوبة:91] .

«لأنهم بالغوا في تحصيل ما يخرجون به إلى الجهاد حتى أفضى بهم الحال إلى المسألة، والحاجة لبذل ماء وجوههم في طلب ما يحملهم إلى الجهاد، والاستعانة به حتى يجاهدوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يفوتهم أجره» 46.

قال المراغي: «وهؤلاء -وإن دخلوا في عموم الذين لا يجدون ما ينفقون للجهاد لفقدهم الرواحل- قد خصوا بالذكر اعتناء بشأنهم، وجعلهم كأنهم قسم مستقل» 47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت