فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 2431

الرؤية

أولًا: المعنى اللغوي:

الرؤية لغة مأخوذة من الفعل رأى، قال ابن فارس: « (رأى) الراء والهمزة والياء أصل يدل على نظر وإبصار بعين أو بصيرة» 1، أي: أن الرؤية لغة هي: إدراك المرئي، وذلك أضرب بحسب قوى النفس:

الأول: إدراك المرئي بالحاسة وما يجري مجراها، نحو قوله تعالى: {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) } [التكاثر:6 - 7] .

والثاني: إدراك المرئي بالوهم والتخيل، نحو قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال:50] .

والثالث: إدراك المرئي بالتفكر، نحو قوله تعالى: {إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ} [الأنفال:48] .

والرابع: إدراك المرئي بالعقل، وعلى ذلك قوله تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) } [النجم:11] 2.

ورأى إذا عدي إلى مفعولين اقتضى معنى العلم نحو قوله تعالى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} [سبأ:6] 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

هي: المشاهدة بالبصر حيث كان في الدنيا والآخرة 4.

ويمكن تعريف الرؤية اصطلاحًا بأنها: عبارة عن الإدراك بالبصر للأشياء الظاهرة والمحسوسة، أو بالبصيرة، وهي نور في القلب يدرك به الحقائق والمعقولات، والأمور المعنوية، حين يكون القلب مشحونًا باليقين والإيمان 5.

ورد الجذر (رأي) في القرآن الكريم (327) مرة، يخص موضوع (الرؤية) (316) مرة 6.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 93 ... {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام:76]

الفعل المضارع ... 220 ... {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الروم:24]

صفة مشبهة ... 1 ... {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74) } [مريم:74]

مصدر سماعي ... 2 ... {يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} [آل عمران:13]

وجاءت الرؤية في القرآن على ثلاثة أوجه 7:

الأول: النظر والمشاهدة، ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} [المنافقون:4] ، يعني: نظرت إليهم.

الثاني: العلم، ومنه قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء:105] ، يعني: بما أعلمك الله.

الثالث: الاعتبار، ومنه قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ} [الملك:19] ، يعني: أولم يعتبروا بها.

النظر:

النظر لغة:

هو تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته 8. والنظر يقع على الأجسام والمعاني، فما كان بالأبصار فهو للأجسام، وما كان بالبصائر كان للمعاني 9.

النظر اصطلاحًا:

لا يختلف معناه الاصطلاحي عن معناه اللغوي.

الصلة بين الرؤية والنظر:

يشتركان في أنهما: عبارة عن الإدراك بالبصر للأشياء الظاهرة والمحسوسة، أو بالبصيرة في الأمور المعنوية، وقد يكون في كل منهما رؤية مجردة للأشياء أو مع التأمل والفحص.

البصر:

البصر لغة:

الإدراك بالعين التي هي حاسة الرؤية 10، ويطلق على العلم، فيقال: بصرت بالشيء: إذا صرت به بصيرًا عالمًا 11.

البصر اصطلاحًا:

لا يختلف معناه الاصطلاحي عن معناه اللغوي.

الصلة بين الرؤية والبصر:

أن الرؤية تتم بواسطة حاسة البصر، وعلى قدر سلامة البصر تكون الرؤية.

التأمل:

التأمل لغة:

التثبت، وتأملت الشيء أي: نظرت إليه مستثبتًا له 12.

التأمل اصطلاحًا:

تدبر الشيء وإعادة النظر فيه مرة بعد أخرى ليتحققه 13، التأمل: هو استعمال الفكر، والتدبر: تصرف القلب بالنظر في الدلائل 14.

الصلة بين الرؤية والتأمل:

أن الرؤية والتأمل يشترك كل منهما في إدراك الأشياء بالبصيرة إلا أن الرؤية قد تكون مجردة عن التأمل كما في الإدراك بالبصر.

الرؤيا:

الرؤيا لغة:

ما يرى في المنام، أي: ما رأيته في منامك، وهي الرؤى، ورأيت عنك رؤى حسنة: حلمتها، وأرأى الرجل: إذا كثرت رؤاه، وهي أحلامه، جمع الرؤيا 15، ومنه قوله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ} [الفتح:27] 16.

الرؤيا اصطلاحًا:

ما يراه النائم في المنام 17.

الصلة بين الرؤية والرؤيا:

أن الرؤية هي إدراك الأشياء في اليقظة، والرؤيا إدراك الأشياء في المنام.

تحدث القرآن الكريم عن جانبين يتعلقان برؤية الله تعالى، أحدهما: رؤية الله تعالى لعباده، والثاني: رؤية العباد لله تعالى، وبيانهما في النقاط الآتية:

أولًا: رؤية الله تعالى لعباده:

إن رؤية الله تعالى لعباده تكون لأعمالهم في الحياة الدنيا.

قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14) } [يونس:14] .

قال أبو جعفر الطبري: «يقول تعالى ذكره: ثم جعلناكم، أيها الناس، خلائف من بعد هؤلاء القرون الذين أهلكناهم لما ظلموا، تخلفونهم في الأرض، وتكونون فيها بعدهم {لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} ، يقول: لينظر ربكم أين عملكم من عمل من هلك من قبلكم من الأمم بذنوبهم وكفرهم بربهم، تحتذون مثالهم فيه، فتستحقون من العقاب ما استحقوا، أم تخالفون سبيلهم فتؤمنون بالله ورسوله وتقرون بالبعث بعد الممات، فتستحقون من ربكم الثواب الجزيل» 18.

«فقد أخبر تعالى عما أحل بالقرون الماضية في تكذيبهم الرسل فيما جاءوهم به من البينات والحجج الواضحات، ثم استخلف الله هؤلاء القوم من بعدهم وأرسل إليهم رسولًا لينظر طاعتهم له، واتباعهم رسوله، وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) » 1920.

وقال تعالى: {قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) } [الأعراف:129] .

والمعنى: {فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} أي: «يرى ذلك بوقوع منكم؛ لأن الله جل وعز لا يجازيهم على ما يعلمه منهم من خطيئاتهم التي يعلم أنهم عاملوها لا محالة، إنما يجازيهم على ما وقع منهم» 21.

وفي قول موسى عليه السلام ذلك لقومه أمران: أحدهما: الوعد بالنصر والاستخلاف في الأرض، والثاني: التحذير من الفساد فيها؛ لأن الله تعالى ينظر كيف يعملون 22.

وقال تعالى في المنافقين: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94) } [التوبة:94] .

قال ابن عباس رضي الله عنه: «نزلت في المنافقين، يعتذرون إليكم إذا رجعتم من غزوة تبوك، فلا تعذروهم فليس لهم عذر، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوه يعتذرون، فقال الله تعالى: قل لا تعتذروا لن نصدقكم، قد أخبرنا الله أنه ليس لكم عذر، وسيرى الله عملكم ورسوله إن عملتم خيرًا وتبتم من تخلفكم، ثم تردون بعد الموت إلى عالم الغيب والشهادة، فيخبركم بما كنتم تعملون في السر والعلانية» 23؛ لأنه سبحانه مطلع على سرهم وعلنهم لا يفوت عن علمه شيء من ضمائرهم وأعمالهم 24.

وقال تعالى في المتخلفين عن الجهاد من المؤمنين: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) } [التوبة:105] .

والمعنى: «قل يا محمد لهؤلاء الذين اعترفوا لك بذنوبهم من المتخلفين عن الجهاد معك: {اعْمَلُوا} ، لله بما يرضيه، من طاعته، وأداء فرائضه، فسيرى الله إن عملتم عملكم، ويراه رسوله والمؤمنون، في الدنيا، وستردون يوم القيامة إلى من يعلم سرائركم وعلانيتكم، فلا يخفى عليه شيء من باطن أموركم وظواهرها {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: فيخبركم بما كنتم تعملون، وما منه خالصًا، وما منه رياء، وما منه طاعة، وما منه لله معصية، فيجازيكم على ذلك كله، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته» 25.

ورؤية الله تعالى لأعمال العباد كما تكون في الدنيا تكون كذلك في الآخرة.

قال تعالى: {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) } [النجم:40] .

أي: وإن عمل كل عامل سوف يراه الله يوم القيامة، فيجازيه عليه الجزاء الأوفى من خير أو شر، وهو المجازي جميع عباده بأعمالهم صالحهم وطالحهم 26.

وبهذا يتبين أن محل نظر الله تعالى هو القلوب والأعمال، وليس الصور والأموال؛ لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) 27.

والمعنى: إن الله لا ينظر نظر اعتبار إلى (صوركم) ؛ إذ لا اعتبار بحسنها وقبحها (وأموالكم) ؛ إذ لا اعتبار بكثرتها وقلتها، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وإلى ما فيها من اليقين والصدق، والإخلاص، وقصد الرياء، والسمعة، وسائر الأخلاق الرضية، (وأعمالكم) من صلاحها وفسادها، فيجازيكم على وفقها 28.

قال النووي: «ومعنى نظر الله هنا مجازاته ومحاسبته، أي: إنما يكون ذلك على مافي القلب دون الصور الظاهرة، ونظر الله رؤيته محيط بكل شيء، ومقصود الحديث أن الاعتبار في هذا كله بالقلب» 29.

ورؤية الله تعالى لعباده هي رؤية شاملة وليست محصورة برؤية الأعمال والقلوب، بل تشمل الأجساد وخفايا النفوس، ولكن الرؤية التي يترتب عليها الثواب والعقاب تكون لأعمالهم في الحياة الدنيا، وأن محل نظر الله تعالى هو القلوب والأعمال، وليس الصور والأموال.

ثانيًا: رؤية العباد لله تعالى:

ثبتت رؤية العباد لله تعالى في الآخرة بالكتاب والسنة والإجماع:

أولًا: من القرآن الكريم:

قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) } [القيامة:22 - 24] .

قال ابن عباس وأكثر المفسرين: «تنظر إلى ربها عيانًا بلا حجاب، قال الحسن: حق لها أن تنظر إلى الخالق سبحانه وتعالى، وروي عن مجاهد وأبي صالح أنهما فسرا النظر في هذه الآية: بالانتظار، قال مجاهد تنتظر من ربها ما أمر لها به، وقال أبو صالح: تنتظر الثواب من ربها» 30.

قال ابن جرير الطبري: «وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب القول الذي ذكرناه عن الحسن وعكرمة، من أن معنى ذلك تنظر إلى خالقها، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم» 31.

وقال ابن كثير: «قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} من النضارة، أي: حسنة بهية مشرقة مسرورة إلى ربها ناظرة، أي: تراه عيانًا، كما رواه البخاري في صحيحه: (إنكم سترون ربكم عيانًا) 32، وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث لا يمكن دفعها ولا منعها» 33.

وقوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26) } [يونس:26] .

قال الماوردي: « {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27) } قوله عز وجل: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا} يعني: عبادة ربهم {الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} فيه خمسة تأويلات:

أحدها: أن الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى، وهذا قول أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وأبي موسى الأشعري.

والثاني: أن الحسنى واحدة من الحسنات، والزيادة مضاعفتها إلى عشر أمثالها، قاله ابن عباس.

الثالث: أن الحسنى حسنة مثل حسنة، والزيادة مغفرة ورضوان، قاله مجاهد.

والرابع: أن الحسنى الجزاء في الآخرة والزيادة ما أعطوا في الدنيا، قاله ابن زيد.

والخامس: أن الحسنى الثواب، والزيادة الدوام، قاله ابن بحر.

ويحتمل سادسًا: أن الحسنى ما يتمنونه، والزيادة ما يشتهونه» 34.

قال أبو جعفر الطبري: «يعني: جل ثناؤه بقوله: {وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ} ، لا يغشى وجوههم كآبة، ولا كسوف، حتى تصير من الحزن كأنما علاها قتر. والقتر: الغبار، {وَلَا ذِلَّةٌ} ، ولا هوان {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} ، يقول: هؤلاء الذين وصفت صفتهم، هم أهل الجنة وسكانها ومن هو فيها {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، يقول: هم فيها ماكثون أبدًا، لا تبيد، فيخافوا زوال نعيمهم، ولا هم بمخرجين فتتنغص عليهم لذتهم» 35.

وقوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى} [يونس:26] .

قال ابن عباس: للذين قالوا: لا إله إلا الله، الجنة وزيادة، وهي النظر إلى وجه الله في قول أبي بكر الصديق، وأبي موسى الأشعري، وحذيفة، وابن عباس، وقتادة، والضحاك، والسدي، ونحو ذلك فسرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه صهيب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل) ، ثم تلا هذه الآية: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس:26] ) 3637.

وقال ابن كثير: «يخبر تعالى أن لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح: الحسنى في الدار الآخرة، كقوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) } [الرحمن:60] .

وقوله: {وَزِيَادَةٌ} هي تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وزيادة على ذلك أيضًا، ويشمل ما يعطيهم الله في الجنان من القصور والحور والرضا عنهم، وما أخفاه لهم من قرة أعين، وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم، فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه لا يستحقونها بعملهم، بل بفضله ورحمته، وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الرحمن بن سابط ومجاهد وعكرمة وعامر بن سعد وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم من السلف والخلف 38» ..

ثانيًا: من السنة النبوية الشريفة:

وردت فيه أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك:

ما رواه صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} وقال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فو الله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم) 3940.

وما رواه جرير بن عبد الله رضي الله عنه، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ليلة -يعني: البدر- فقال: (إنكم سترون ربكم، كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) ، ثم قرأ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق:39] 41.

وما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: أن الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: (هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟) ، قالوا: لا يا رسول الله قال: (فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟) ، قالوا: لا، قال: (فإنكم ترونه كذلك، يحشر الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبع، فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيدعوهم فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل) 42.

ثالثًا: الإجماع:

قال ابن كثير بعد أن ساق تفسير الآيات السابقة: «وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة، كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام، وهداة الأنام، ومن تأول ذلك بأن المراد بـ (إلى) مفرد الآلاء، وهي النعم، كما قال الثوري عن منصور عن مجاهد {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} قال: تنتظر الثواب من ربها، رواه ابن جرير من غير وجه عن مجاهد، وكذا قال أبو صالح أيضًا، فقد أبعد هذا القائل النجعة وأبطل فيما ذهب إليه، وأين هو من قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) } [المطففين:15] .

قال الشافعي: ما حجب الكفار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه عز وجل، ثم قد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما دل عليه سياق الآية الكريمة» 43.

إن أنواع الرؤية في القرآن ثلاثة هي: الرؤية البصرية، والرؤية العلمية، والرؤية المنامية، وسيتم توضيح ذلك في المطالب الآتية:

أولًا: الرؤية البصرية:

وردت الرؤية البصرية في القرآن الكريم بثلاثة ألفاظ، وهي:

1.لفظ (رأى) ومشتقاتها.

وقد وردت هذه الرؤية بمعنى الرؤية البصرية للتأمل والاعتبار، ومنها:

-النظر في ملكوت السموات والأرض.

قال تعالى: (? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?چ چ چ چ ? ? ? ? ?) [سبأ:9] .

أي: ألم يتأملوا ويعلموا أن الذي خلق السماء والأرض قادر على أن يبعثهم، وقادر أن يخسف بهم الأرض أو يسقط السماء عليهم كسفًا 44؛ لأن رؤية مخلوقات الله في السماء والأرض من شأنها أن تهديهم لو تأملوا حق التأمل، والاستفهام للإنكار على انتفاء تأملهم فيما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض، أي: من المخلوقات العظيمة الدالة على أن الذي قدر على خلق تلك المخلوقات من عدم هو قادر على تجديد خلق الإنسان بعد العدم 45.

وقوله تعالى: (? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ?) [الأنعام:75 - 78] .

فالمراد من الرؤية في الآيات الرؤية البصرية بالعين، والمعنى: (? ? ? ? ٹ ٹ) أي: نبين له وجه الدلالة في نظره إلى خلقهما، على وحدانية الله عز وجل في ملكه وخلقه، وإنه لا إله غيره ولا رب سواه، كقوله تعالى: (ژ ژ ڑ ڑ) [يونس:101] وقوله تعالى: (ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ?) [الأعراف:185] 46.

-النظر في إحياء الأرض بالغيث.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) } [الحج:63] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت