فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 2431

« {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ} إقامة للحجة التي تلقم المجادلين في البعث حجرا إثر الإشارة إلى ما يؤول إليه أمرهم، واستظهر أن المراد بالناس هنا الكفرة المجادلون المنكرون للبعث، والتعبير عن اعتقادهم في حقه بالريب أي الشك مع أنهم جازمون بعدم إمكانه إما للإيذان بأن أقصى ما يمكن صدوره عنهم وإن كانوا في غاية ما يكون من المكابرة والعناد هو الارتياب في شأنه، وإما الجزم بعدم الإمكان فخارج من دائرة الاحتمال كما أن تنكيره وتصديره بكلمة الشك للإشعار بأن حقه أن يكون ضعيفا مشكوك الوقوع، وإما للتنبيه على أن جرمهم ذلك بمنزلة الريب الضعيف لكمال وضوح دلائل الإمكان ونهاية قوتها، وإنما لم يقل وإن ارتبتم في البعث للمبالغة في تنزيه أمره عن شائبة وقوع الريب والإشعار بأن ذلك إن وقع فمن جهتهم لا من جهته، واعتبار استقرارهم فيه وإحاطته بهم لا ينافي اعتبار ضعفه وقلته لما أن ما يقتضيه ذلك هو دوام ملابستهم به لا قوته وكثرته» 38.

«فيا أيها البشر، إن كنتم في شك من إمكان البعث ومجيئه، فانظروا إلى بدء خلقكم، فمن قدر على البدء قدر على الإعادة، بدليل مراحل خلق الإنسان السبع .. وهذا هو الدليل الأول على قدرة الله على البعث، يعتمد على التأمل في مراحل خلق الإنسان، والدليل الثاني: هو خلق النبات المشابه لخلق الإنسان، فإذا تأمل المرء أحوال الأرض، يراها أولا ميتة يابسة لا نبات فيها ولا زرع، فإذا أنزل الله عليها المطر تحركت بالنبات، ودبت فيها الحياة، وارتفعت وانتفخت بالماء والنبات، ثم أنبتت من كل صنف من النبات والزرع ما هو جميل المنظر، طيب الرائحة، متناسق الألوان أو مختلفها، لاختلاف ألوان الثمار والزروع والطعوم والروائح، والأشكال والمنافع، كما يلاحظ كل إنسان في فصل الربيع والصيف وغيرهما» 39.

وهذا ارتقاءٌ في الاستدلال على الإحياء بعد الموت بقياس التمثيل لأنه استدلالٌ بحالةٍ مشاهدةٍ فلذلك افتتح بفعل الرؤية، بخلاف الاستدلال بخلق الإنسان فإن مبدأه غير مشاهدٍ فقيل في شأنه فإنا خلقناكم من ترابٍ الآية، ومحل الاستدلال من قوله تعالى: {فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ} ، فهو مناسبٌ قوله في الاستدلال الأول فإنا خلقناكم من ترابٍ، فهمود الأرض بمنزلة موت الإنسان واهتزازها وإنباتها بعد ذلك يماثل الإحياء بعد الموت» 40.

فهذان الدليلان القاطعان، يدلان على هذه المطالب الخمسة، وهي هذه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) } [الحج: 6 - 7] » 41.

رابعًا: الاستدلال بوقائع حصل فيها الإحياء بعد الموت:

استدل القرآن الكريم على قضية البعث بوقائع حدثت فعلا، ووقع فيها أمر الإحياء بعد الموت في هذه الحياة الدنيا بشكل معاين، وهي وقائع عديدة ذكرها الله تعالى في كتابه ليدلنا بها على إمكان وقوع إحياء الموتى حتى في هذه الحياة الدنيا، وأن من قدر على ذلك فهو قادر لا محالة على إحياء الموتى جميعا يوم القيامة، فمن هذه الوقائع:

1.قصة الرجل الذي قتل في بني إسرائيل.

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) } [البقرة: 67 - 73] .

«وحكاية ذلك: أن رجلًا موسرًا قتله بنو عمه ليرثوه، وطرحوه عند باب المدينة، ثم جاءوا يطالبون بديته؛ فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرة، ويضربوا القتيل ببعضها؛ فيحيا ويخبرهم بقاتله. فضربوه بذنبها، فحي وقال: قتلني فلان وفلان - يريد ابني عمه - فاقتص منهما، وحرما ميراثه» 42.

«روي عن ابن عباسٍ وسائر المفسرين أن رجلًا من بني إسرائيل قتل قريبًا لكي يرثه ثم رماه في مجمع الطريق ثم شكا ذلك إلى موسى عليه السلام فاجتهد موسى في تعرف القاتل، فلما لم يظهر قالوا له: سل لنا ربك حتى يبينه، فسأله فأوحى الله إليه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} فتعجبوا من ذلك ثم شددوا على أنفسهم بالاستفهام حالًا بعد حالٍ واستقصوا في طلب الوصف فلما تعينت لم يجدوها بذلك النعت إلا عند إنسانٍ معينٍ ولم يبعها إلا بأضعاف ثمنها، فاشتروها وذبحوها وأمرهم موسى أن يأخذوا عضوًا منها فيضربوا به القتيل، ففعلوا فصار المقتول حيًا وسمى لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قودًا» 43.

وقد اختلفوا في المخاطب بقوله تعالى: {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} «قال القفال: ظاهره يدل على أن الله تعالى قال هذا لبني إسرائيل أي: إحياء الله الموتى يكون مثل هذا الذي شاهدتم؛ لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلا أنهم لم يؤمنوا به إلا من طريق الاستدلال، ولم يشاهدوا شيئًا منه، فإذا شاهدوه اطمأنت قلوبهم، وانتفت عنهم الشبهة، فأحيا الله القتيل عيانًا، ثم قال لهم: {كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى} ، أي: كما أحياها في الدنيا يحييها في الآخرة من غير احتياج إلى مادة ومثال وآلة التي لا يخلو منها المستدل» 44.

وقال أبو جعفر الطبري: «وقوله: {كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى} مخاطبة من الله عباده المؤمنين، واحتجاج منه على المشركين المكذبين بالبعث، وأمرهم بالاعتبار بما كان منه جل ثناؤه من إحياء قتيل بني إسرائيل بعد مماته في الدنيا، فقال لهم تعالى ذكره: أيها المكذبون بالبعث بعد الممات، اعتبروا بإحيائي هذا القتيل بعد مماته، فإني كما أحييته في الدنيا، فكذلك أحيي الموتى بعد مماتهم، فأبعثهم يوم البعث، وإنما احتج جل ذكره بذلك على مشركي العرب، وهم قوم أميون لا كتاب لهم، لأن الذين كانوا يعلمون علم ذلك من بني إسرائيل كانوا بين أظهرهم، وفيهم نزلت هذه الآيات، فأخبرهم جل ذكره بذلك، ليتعرفوا علم من قبلهم ..

{وَيُرِيكُمْ} الله أيها الكافرون المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من عند الله من آياته، و {آيَاتِهِ} : أعلامه وحججه الدالة على نبوته لتعقلوا وتفهموا أنه محق صادق، فتؤمنوا به وتتبعوه» 45.

2.قصة الذين خرجوا من ديارهم فرارا من الموت.

ومن الوقائع التي استدل بها القرآن على صدق وقوع البعث بعد الموت ووقعت فعلا ما حدث لألوف من بني إسرائيل ذكرهم القرآن في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243) } [البقرة: 243]

«يخاطب الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم فيقول: ألم ينته إلى علمك قصة الذين خرجوا من ديارهم فرارًا من الموت وهم ألوف، وهم أهل مدينة من مدن بني إسرائيل أصابها الله تعالى بمرض الطاعون ففروا هاربين من الموت فأماتهم الله عن آخرهم ثم أحياهم بدعوة نبيهم حزقيل عليه السلام» 46.

«وذكر غير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كانوا أهل بلدة في زمان بني إسرائيل استوخموا أرضهم وأصابهم بها وباء شديد فخرجوا فرارًا من الموت إلى البرية، فنزلوا واديًا أفيح، فملؤا ما بين عدوتيه فأرسل الله إليهم ملكين أحدهما من أسفل الوادي والآخر من أعلاه فصاحا بهم صيحة واحدة فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد فحيزوا إلى حظائر وبني عليهم جدران وقبور وفنوا وتمزقوا وتفرقوا فلما كان بعد دهر مر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: حزقيل فسأل الله أن يحييهم على يديه فأجابه إلى ذلك وأمره أن يقول: أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض، ثم أمره فنادى: أيتها العظام إن الله يأمرك بأن تكتسي لحمًا وعصبًا وجلدًا. فكان ذلك، وهو يشاهده ثم أمره فنادى: أيتها الأرواح إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره. فقاموا أحياء ينظرون قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة، وهم يقولون: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت، وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة» 47.

«فكما كان قادرًا على إحيائهم في الدنيا هو قادرٌ على إحياء المتوفين في الآخرة، فيجازي كلًا منهم بما عمل. ففي هذه القصة تنبيهٌ على المعاد، وأنه كائنٌ لا محالة، فيليق بكل عاقلٍ أن يعمل لمعاده بأن يحافظ على عبادة ربه، وأن يوفي حقوق عباده» 48.

«إن الله لذو فضل على الناس فيما يريهم من الآيات الباهرة والحجج القاطعة، وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة» 49.

3.قصة صاحب القرية.

ومن الوقائع التي تؤكد إمكان البعث بعد الموت قصة صاحب القرية.

قال تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) } [البقرة: 259] .

اختلف المفسرون في صاحب القصة الذي مر على القرية، هل كان نبيا عبدا صالحا أو كان كافرا شاكا في البعث، كما اختلفوا في اسمه، «واختلفوا في القرية المذكورة في الآية، لكن القرآن ضرب صفحا عن تعيين اسم الشخص واسم القرية كعادته في مثل هذه القصص التي يكون المقصد القرآني فيها هو إظهار الحكمة من ذكرها وما تشتمل عليه من المواعظ والآيات والعبر، ولا تخص شخوصها وزمانها ومكانها، والذي يعنينا هنا هو دلالة هذه القصة على قدرة الله على البعث، وإيقاعه فعلا أمام من استبعده ليكون ذلك دليلا له ولكل من سمع القصة على إثبات قدرة الله على إحياء الموتى.

وتفسيرها كما قال ابن كثير: « {وَهِيَ خَاوِيَةٌ} أي: ليس فيها أحد من قولهم: خوت الدار تخوي خواءً وخويا، وقوله: {عَلَى عُرُوشِهَا} أي: ساقطة سقوفها وجدرانها على عرصاتها، فوقف متفكرا فيما آل أمرها إليه بعد العمارة العظيمة وقال: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} وذلك لما رأى من دثورها وشدة خرابها وبعدها عن العود إلى ما كانت عليه.

قال الله تعالى: {فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} ، قال: وعمرت البلدة بعد مضي سبعين سنة من موته وتكامل ساكنوها وتراجعت بنو إسرائيل إليها، فلما بعثه الله عز وجل بعد موته كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلى صنع الله فيه كيف يحيي بدنه؟

فلما استقل سويا قال الله له -أي بواسطة الملك-: {كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} قالوا: وذلك أنه مات أول النهار ثم بعثه الله في آخر نهار، فلما رأى الشمس باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم فقال: {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} وذلك: أنه كان معه فيما ذكر عنب وتين وعصير فوجده كما فقده لم يتغير منه شيء، لا العصير استحال ولا التين حمض ولا أنتن ولا العنب تعفن {وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ} أي: كيف يحييه الله عز وجل وأنت تنظر {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ} أي: دليلا على المعاد» 50.

«فأجيب: بل لبثت مائة عام، فانظر لترى دلائل قدرتنا إلى طعامك وشرابك طوال هذه المدة، لم يتغير ولم يفسد، مع أن العادة جرت بفساد مثله بمضي مدة قليلة، وانظر أيضا لترى الدليل على قدرتنا إلى حمارك كيف نخرت عظامه وتقطعت أوصاله، لتتبين تطاول مرور الزمان عليه وعليك وأنت راقد أو نائم فعلنا بك ما فعلنا لتعاين ما استبعدته، ولتتيقن ما تعجبت منه، ولنجعلك دليلا على المعاد، وآية دالة على تمام قدرتنا على البعث يوم القيامة، كقوله تعالى: {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [لقمان: 28] .

فقوله: {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ} دليل على البعث بعد الموت» 51.

4.قصة إبراهيم عليه السلام مع الطير.

كما استدل القرآن على وقوع البعث بعد الموت بما وقع لسيدنا إبراهيم عليه السلام حين سأل الله أن يريه إحياء الموتى عيانا، فاستجاب الله له وأجرى له الأمر على يديه بإذنه سبحانه، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260) } [البقرة: 260] .

وقد تكلم بعض المفسرين في سبب سؤال إبراهيم لربه أن يريه كيفية إحياء الموتى وهل كان شكا منه في البعث أو كان طلبا للترقي في درجات اليقين؟

وقد ذهب جمهور المفسرين إلى الثاني واستبعاد الأول لكونه لا يليق بمقام النبوة فضلا عن الخلة.

قال الشيخ محمد رشيد رضا: «وقد فهم بعض الناس من هذا السؤال أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، كان قلقًا مضطربًا في اعتقاده بالبعث وذلك شكٌ فيه، وما أبلد أذهانهم وأبعد أفهامهم عن إصابة المرمى، وقد ورد في حديث الصحيحين نحن أولى بالشك من إبراهيم أي أننا نقطع بعدم شكه كما نقطع بعدم شكنا أو أشد قطعًا، نعم ليس في الكلام ما يشعر، بالشك، فإنه ما من أحدٍ إلا وهو يؤمن بأمورٍ كثيرةٍ إيمانًا يقينيًا وهو لا يعرف كيفيتها ويود لو يعرفها» 52.

قال القرطبي: «ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشك فإنه كفرٌ، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث.

وقد أخبر الله تعالى أن أنبياءه وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيلٌ فقال: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الإسراء: 65] .

وقال اللعين: {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 40] .

وإذا لم يكن له عليهم سلطنةٌ فكيف يشككهم، وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها، فأراد أن يترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، فقوله:» أرني كيف» طلب مشاهدة الكيفية» 53.

وقال ابن عاشور: «فإن إبراهيم لفرط محبته الوصول إلى مرتبة المعاينة في دليل البعث رام الانتقال من العلم النظري البرهاني، إلى العلم الضروري، فسأل الله أن يريه إحياء الموتى بالمحسوس» 54.

وما وقع لخليل الله إبراهيم عليه السلام من إجابة الله دليل واقعي على البعث بعد الموت، قال السعدي: «وهذا فيه أيضا أعظم دلالة حسية على قدرة الله وإحيائه الموتى للبعث والجزاء، فأخبر تعالى عن خليله إبراهيم أنه سأله أن يريه ببصره كيف يحيي الموتى، لأنه قد تيقن ذلك بخبر الله تعالى، ولكنه أحب أن يشاهده عيانا ليحصل له مرتبة عين اليقين.

فلهذا قال الله له: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} وذلك أنه بتوارد الأدلة اليقينية مما يزداد به الإيمان ويكمل به الإيقان ويسعى في نيله أولو العرفان، فقال له ربه {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} أي: ضمهن ليكون ذلك بمرأى منك ومشاهدة وعلى يديك. {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا} أي: مزقهن، اخلط أجزاءهن بعضها ببعض، واجعل على كل جبل، أي: من الجبال التي في القرب منه، جزء من تلك الأجزاء {ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا} أي: تحصل لهن حياة كاملة، ويأتينك في هذه القوة وسرعة الطيران، ففعل إبراهيم عليه السلام ذلك وحصل له ما أراد» 55.

«فأخذ هذه الطير حسب ما أمر وذكاها، ثم قطعها قطعًا صغارًا، وخلط لحوم البعض إلى لحوم البعض مع الدم والريش حتى يكون أعجب، ثم جعل من ذلك المجموع المختلط جزءًا على كل جبلٍ، ووقف هو من حيث يرى تلك الأجزاء وأمسك رءوس الطير في يده، ثم قال: تعالين بإذن الله، فتطايرت تلك الأجزاء وطار الدم إلى الدم والريش إلى الريش حتى التأمت مثل ما كانت أولًا وبقيت بلا رءوسٍ، ثم كرر النداء فجاءته سعيًا، أي عدوًا على أرجلهن. ولا يقال للطائر: (سعى) إذا طار إلا على التمثيل، قاله النحاس. وكان إبراهيم إذا أشار إلى واحدٍ منها بغير رأسه تباعد الطائر، وإذا أشار إليه برأسه قرب حتى لقي كل طائرٍ رأسه، وطارت بإذن الله. وقال الزجاج: المعنى ثم اجعل على كل جبلٍ من كل واحدٍ جزءًا» 56.

وقال الألوسي: «وفي الآية دليل لمن ذهب إلى أن إحياء الموتى يوم القيامة بجمع الأجزاء المتفرقة وإرسال الروح إليها بعد تركيبها وليس هو من باب إعادة المعدوم الصرف لأنه سبحانه بين الكيفية بالتفريق ثم الجمع وإعادة الروح ولم يعدم هناك سوى الجزء الصوري والهيئة التركيبية دون الأجزاء المادية» 57.

5.ما أجراه الله تعالى على يد المسيح عليه السلام.

ومن تلك الوقائع التي حدث فيها إحياء الموتى ما أجراه الله تعالى على يد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام معجزة له، وقد حكى القرآن الكريم ذلك.

قال تعالى: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 49] .

«وإحياء الموتى معجزةٌ للمسيح أيضًا، كنفخ الروح في الطير المصور من الطين، فكان إذا أحيا ميتًا كلمه ثم رجع ميتًا، وورد في الأناجيل أنه أحيا بنتًا كانت ماتت فأحياها عقب موتها. ووقع في إنجيل متى في الإصحاح السابع عشر أن عيسى صعد الجبل ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا أخوه وأظهر لهم موسى وإيلياء يتكلمان معهم، وكل ذلك بإذن الله له أن يفعل ذلك» 58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت