والمراد هو الرؤية الحقيقية، لأن الماء النازل من السماء يرى بالعين، واخضرار النبات على الأرض مرئي، وإذا أمكن حمل الكلام على حقيقته فهو أولى 47.
2.لفظ (بصر) ومشتقاتها.
وردت الرؤية البصرية بلفظ (البصر) ومشتقاتها في قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4) } [الملك:3 - 4] .
قال الماوردي: « {فَارْجِعِ الْبَصَرَ} قال قتادة: معناه: فانظر إلى السماء، {هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} فيه أربعة أوجه:
أحدها: من شقوق، قاله مجاهد والضحاك.
الثاني: من خلل، قاله قتادة.
الثالث: من خروق، قاله السدي.
الرابع: من وهن، قاله ابن عباس.
{ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} أي: انظر إلى السماء مرة بعد أخرى، ويحتمل أمره بالنظر مرتين وجهين:
أحدهما: لأنه في الثانية أقوى نظرًا وأحد بصرًا.
الثاني: لأنه يرى في الثانية من سير كواكبها واختلاف بروجها ما لا يراه من الأولى، فيتحقق أنه لا فطور فيها.
وتأول قوم بوجه ثالث: أنه عنى بالمرتين قلبًا وبصرًا» 48.
وقوله تعالى: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) } [القلم:5] .
والمعنى: فسترى يا محمد، ويرى مشركو قومك الذين يدعونك مجنونًا 49.
{بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) } أي: ستبصر يا محمد ويبصر الكفار إذا تبين الحق وانكشف الغطاء، وذلك يوم القيامة، {بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) } ، أي: أيكم المفتون بالجنون 50.
والخلاصة: ستبصر ويبصرون غلبة الإسلام، واستيلاءك عليهم بالقتل والأسر، وهيبتك في أعين الناس أجمعين، وصيرورتهم أذلاء صاغرين 51.
3.لفظ (نظر) ومشتقاتها.
وقد وردت في الآيات الآتية:
قال تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) } [الحجر:16] .
أي: وزينا السماء بالكواكب لمن نظر إليها وأبصرها 52.
والمعنى: أي ولقد خلقنا في السماء نجومًا كبارًا، ثوابت وسيارات، وجعلناها وكواكبها بهجة لمن تأمل وكرر النظر فيما يرى من عجائبها الظاهرة، وآياتها الباهرة التي يحار الفكر في دقائق صنعتها، وقدرة مبدعها 53.
قال تعالى: {وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) } [الشعراء:33] .
والمراد: الرؤية البصرية 54.
والمعنى: أخرج يده من درعه بعد ما أدخلها فيه فإذا هي بيضاء تتلألأ من غير برص ولا مرض، كما قال تعالى: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [النمل:12] .
قال ابن عباس: {مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} يعني: من غير برص، ثم أعادها إلى كمه فعادت إلى لونها الأول، وكذا قال مجاهد وغير واحد 55.
قوله تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) } [محمد:20] .
أي: أن المنافقين يشخصون نحوك بأبصارهم، وينظرون نظرًا شديدًا، كما ينظر الشاخص بصره عند الموت، وإنما ذلك لأنهم منافقون، يكرهون القتال 56.
وكذلك قوله تعالى: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (45) } [الشورى:45] .
ومعنى: {يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} أي: لا يرفعون أبصارهم للنظر رفعًا تامًا؛ لأنهم ناكسو الرؤوس، والعرب تصف الذليل بغض الطرف، كما يستعملون في ضده حديد النظر إذا لم يتهم بريبة، فيكون عليه منها غضاضة، وقال قتادة والسدي والقرظي وسعيد بن جبير: يسارقون النظر من شدة الخوف، وقيل: المعنى ينظرون من عين ضعيفة النظر، وقال يونس: {مِنْ} بمعنى الباء، أي: ينظرون بطرف خفي، أي: ضعيف من الذل والخوف، ونحوه عن الأخفش، وقال ابن عباس رضي الله عنه: بطرف ذابل ذليل، وقيل: أي: يفزعون أن ينظروا إليها بجميع أبصارهم لما يرون من أصناف العذاب 57.
ثانيًا: الرؤية العلمية:
إن الرؤية العلمية في القرآن وردت في العديد من الآيات منها:
قوله تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) } [البقرة:128] .
{وَأَرِنَا} أي: علمنا وبصرنا مناسكنا، أي: شرائع ديننا وأعلام حجنا 58.
وقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) } [النساء:105] .
قوله: {بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} معناه: بما أعلمك الله، وسمي ذلك العلم بالرؤية؛ لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جاريًا مجرى الرؤية في القوة والظهور 59.
وقال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) } [فصلت:53] .
وقال سبحانه: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93) } [النمل:93] .
وهذه الإراءة في الآيتين المراد بها الإراة العلمية 60.
قال ابن جرير: «إن الله عز وجل وعد نبيه صلى الله عليه وسلم أن يري هؤلاء المشركين الذين كانوا به مكذبين آيات في الآفاق، وغير معقول أن يكون تهددهم بأن يريهم ما هم راءوه، بل الواجب أن يكون ذلك وعدًا منه لهم أن يريهم ما لم يكونوا رأوه قبل من ظهور نبي الله صلى الله عليه وسلم على أطراف بلدهم وعلى بلدهم، فأما النجوم والشمس والقمر، فقد كانوا يرونها كثيرًا قبل وبعد، ولا وجه لتهددهم بأنه يريهم ذلك.
وقوله: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} يقول جل ثناؤه: أري هؤلاء المشركين وقائعنا بأطرافهم وبهم حتى يعلموا حقيقة ما أنزلنا إلى محمد، وأوحينا إليه من الوعد له بأنا مظهرو ما بعثناه به من الدين على الأديان كلها، ولو كره المشركون، وقوله: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} يقول تعالى ذكره: أولم يكف بربك يا محمد أنه شاهد على كل شيء مما يفعله خلقه، لا يعزب عنه علم شيء منه، وهو مجازيهم على أعمالهم، المحسن بالإحسان، والمسيء جزاءه» 61.
بين القرآن الكريم أن في الوجود أشياء لا تدركها أبصارنا، ولا نستطيع أن نراها بأعيننا، ومن ذلك:
أولًا: الملائكة:
إن الملائكة أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السموات، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون 62.
قال ابن عاشور عن الملائكة: «أجسام لطيفة نورانية أخيار ذوو قوة عظيمة، ومن خصائصهم القدرة على التشكل بأشكال مختلفة، والعلم بما تتوقف عليه أعمالهم، ومقرهم السماوات، ما لم يرسلوا إلى جهة من الأرض» 63.
«ومن الأصول المعتبرة في القرآن: الإيمان بالملائكة، كما قال تعالى: {كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ} [البقرة:285] .
والقرآن يشتمل على شرح صفاتهم تارة على سبيل الإجمال، وأخرى على طريق التفصيل، أما بالإجمال فقوله: {وَمَلَائِكَتِهِ} ، أما بالتفصيل فمنها: ما يدل على كونهم رسل الله، قال تعالى: {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا} [فاطر:1] .
ومنها: أنها مدبرات لهذا العالم، قال تعالى: {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5) } [النازعات:4 - 5] .
وقال تعالى: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) } [الصافات:1] .
ومنها: حملة العرش، قال: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة:17] .
ومنها: الحافون حول العرش، قال: {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ} [الزمر:75] .
ومنها: خزنة النار، قال تعالى: {عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6] .
ومنها: الكرام الكاتبون، قال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) } [الانفطار:10 - 11] .
ومنها: المعقبات، قال تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد:11] .
وقد يتصل بأحوال الملائكة أحوال الجن والشياطين» 64.
والقوة البشرية لا تقوى على رؤية الملك في صورته، قال عز وجل: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9) } [الأنعام:9] .
أي: لو أرسلنا إليهم ملكًا لم نرسله إلا في صورة إنسان؛ لأن الملك فيما قيل لو نظر إليه ناظر على هيئته لصعق، وكانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة الإنس 65.
فقدكان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي رضي الله عنه، فعن أبي هريرة، وأبي ذر رضي الله عنه، قالا: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل ... ثم قال:(لا والذي بعث محمدًا بالحق هدًى وبشيرًا، ما كنت بأعلم به من رجل منكم، وإنه لجبريل عليه السلام نزل في صورة دحية الكلبي) 66.
وجاء الملكان إلى داود عليه السلام في صورة رجلين على قول في تفسير قوله عز وجل: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) } [ص:21] ؛ لأنهما وردا على داود، وهما ملكان في صورة رجلين يختصمان إليه، ومنه أن الملائكة أتت إبراهيم في صورة الضيفان: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) } [الذاريات:24 - 25] .
وكذلك أتت لوطًا عليه السلام {فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) } [الحجر:61 - 62] .
فلذلك قال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9) } [الأنعام:9] 67.
ولم تر الملائكة على حقيقتها التي خلقها الله عليها إلا جبريل عليه السلام، فقد رآه النبي عليه السلام على حقيقته.
قال تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) } [النجم:13 - 14] .
يعني: رأى جبريل في صورته التي خلق عليه نازلًا من السماء نزلة أخرى، وذلك أنه رآه في صورته مرتين، مرة في الأرض، ومرة في السماء 68.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: (رأى جبريل عليه السلام في صورته مرتين) 69.
وعن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) } [النجم:18] . قال: (رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح) 70.
أما في الآخرة فإن المؤمنين يرون الملائكة، قال سبحانه: {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75) } [الزمر:75] .
والمعنى: أن الرائي يراهم بهذه الصفة في ذلك اليوم، حال كونهم مسبحين لله متلبسين بحمده، وقيل: معنى يسبحون: يصلون حول العرش شكرًا لربهم، والحافين: أي: محدقين حول العرش، {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ} أي: بين العباد بإدخال بعضهم الجنة وبعضهم النار 71، {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} أي: وترى أيها الرائي الملائكة محيطين بجوانب العرش، قائمين بجميع ما يطلب منهم، فيسمع لحفوفهم صوت التسبيح والتقديس، ويصلون حول العرش، شكرًا لربهم وتنزيهًا له عن كل نقص 72.
وهذه الآية كقوله سبحانه: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) } [الرعد:23 - 24] .
كما قال تعالى: {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103) } [الأنبياء:103] .
وكذلك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) } [فصلت:30 - 31] .
وأما عن رؤية المجرمين للملائكة، فقد قال تعالى: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22) } [الفرقان:22] .
«يقول تعالى ذكره: يوم يرى هؤلاء الذين قالوا: {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا} بتصديق محمد الملائكة، فلا بشرى لهم يومئذ بخير {وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} يعني: أن الملائكة يقولون للمجرمين: حجرًا محجورًا، حرامًا محرمًا عليكم اليوم البشرى أن تكون لكم من الله» 73.
«وأعلم الله عز وجل أن الوقت الذي يرون فيه الملائكة هو يوم القيامة، وأن الله قد حرمهم البشرى في ذلك الوقت» 74.
المعنى في هذه الآية: أن الكفار لما قالوا {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22) } [الفرقان:21 - 22] .
أخبر الله تعالى أنهم يوم يرون الملائكة إنما هو يوم القيامة، وقد كان أول الآية يحتمل أن يريد يوم تفيض أرواحهم، لكن آخرها يقتضي أن الإشارة إلى يوم القيامة، ومعنى هذه الآية أن هؤلاء الذين تمنوا نزول الملائكة لا يعرفون ما قدر الله في ذلك، فإنهم يوم يرون الملائكة هو شر لهم، ولا بشرى لهم، بل لهم الخسار ولقاء المكروه يومئذ 75.
ثانيًا: الجن:
الجن مخلوقات نارية لا ترى، أصل خلقهم من النار 76، من شأنها التشكل بأشكال مختلفة 77.
وقد بين الله تعالى أن الجن لا ترى في قوله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) } [الأعراف:27] .
فقوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} جنوده، قال مجاهد: يعني: الجن والشياطين، ابن زيد: (قبيله) نسله، وقيل: جيله، من حيث لا ترونهم، قال بعض العلماء: في هذا دليل على أن الجن لا يرون، لقوله {مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} وقيل: جائز أن يروا؛ لأن الله تعالى إذا أراد أن يريهم كشف أجسامهم حتى ترى 78.
قال النحاس: «في قوله: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف:27] .
يدل على أن الجن لا يرون إلا في وقت نبي ليكون ذلك دلالة على نبوته؛ لأن الله جل وعز خلقهم خلقًا لا يرون فيه، وإنما يرون إذا نقلوا عن صورهم، وذلك من المعجزات التي لا تكون إلا في وقت الأنبياء صلى الله عليهم وسلم» 79؛ لأن الله تعالى خلق في عيون الجن إدراكًا، فهم به يرون الإنس؛ والإنس لا يرونهم؛ لأنه تعالى لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس 80.
كما تدل الآية على أن الإنس لا يرون الجن على العموم في ذلك؛ لأن قوله: {مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص 81.
ويؤيد ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن عفريتًا من الجن جعل يفتك علي البارحة، ليقطع علي الصلاة، وإن الله أمكنني منه فذعته، فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد، حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون-أو كلكم- ثم ذكرت قول أخي سليمان: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ(35) } [ص:35] ، فرده الله خاسئًا) 82.
ووجود الجن معلوم من هذه الشريعة، كما أن الملائكة أيضًا معلوم وجودهم من هذه الشريعة، وقد قام البرهان العقلي القاطع على وجوده وقد صح تصورهم في الأجسام الكثيفة ورؤية بني آدم لهم في تلك الأجسام، كالشيطان الذي رآه أبو هريرة رضي الله عنه حين جعل يحفظ تمر الصدقة 83، والعفريت الذي رآه الرسول وقال فيه: (لولا دعوة أخي سليمان لربطته إلى سارية من سواري المسجد) 84، وكحديث خالد بن الوليد حين سير لكسر ذي الخلصة، وكحديث سواد بن قارب مع رئيه من الجن 85 إلا أن رؤيتهم في الصور الكثيفة نادرة، كما أن الملائكة قد تبدو في الصور الكثيفة كحديث جبريل، وحديث الملك الذي أتى الأعمى والأقرع والأبرص 86، وهذا أمر قد استفاض في الشريعة، فلا يمكن رد تصورهم في بعض الأحيان في الصور الكثيفة 87.
وعالم الجن، أو الشيطان، وإن يكن غير منظور لنا، فإن علينا الإيمان به، وأنه يعيش معنا على هذه الأرض، ويرانا من حيث لا تراه، كما يقول تعالى عن الشيطان: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف:27] .
«وهذا العالم غير المرئي، هو عدو لنا، متربص بنا، أشبه بجراثيم الأمراض التي لا ترى بالعين المجردة، وإن كان يمكن رؤيتها بأجهزة خاصة، كما يمكن أن يرى الشيطان لكثير من المؤمنين بعين البصيرة لا الإبصار، فلنحذر هذا العدو الراصد، كما نحذر الوباء، كما يقول سبحانه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر:6] .
وإنه ليس علينا أن نبحث عن كنه الشيطان، ولا عن حياته الخاصة في عالمه، ولا عن طعامه، شرابه، وتزاوجه، وتوالده، وإنما الذي علينا أن نعلمه، هو أنه عدو غير مرئى لنا، وأنه يتدسس إلى مشاعرنا، ومدركاتنا، وعواطفنا، ويحاول جاهدًا أن يؤثر فيها، وأن يخرج بها عن جادة الحق والخير، إلى طريق الغواية والضلال، فيزين لنا الشر، فنراه خيرًا، والضلال، فتراه هدى! والشيطان، ليس هو النفس الأمارة بالسوء، كما يرى ذلك بعض الناس، وإنما هو كائن له وجوده المستقل خارج العالم الإنسانى، وله حياته الخاصة، شأنه في هذا شأن الكائنات والعوالم غير المرئية التي تعيش معنا، كالجراثيم، والهواء، بل والإنسان الذي يلبس ثوب الوسواس، فإنه شيطان غير مرئي» 88.
أشار القرآن الكريم إلى هناك رؤية موهومة، يرى الرائي شيئًا، والحقيقة تختلف عما يراه.
ومن تلك النماذج التي أشار إليها القرآن الكريم:
أولًا: رؤية الجبال:
قال تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) } [النمل:88] .
وقد اختلف المفسرون في الرؤية الواردة في الآية هل هي في الدنيا أو في الآخرة؟ على قولين: