ثم إن الجهاد في سبيل الله يحتاج إلى صبر ومصابرة فيصبر على الجراح وعلى الآلام وعلى ملاقاة الأعداء والتحام الصفوف، فالصبر ثم شرط للنصر، والفرار كبيرة.
وقد أثنى الله تعالى على الصابرين في ساعة القتال، فقال في آية البر: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ} [البقرة: 177] . أي: الفقر، {وَالضَّرَّاءِ} أي: المرض، {وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية؛ فإذا لقيتموهم؛ فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) ، ثم قال: (اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم) 160.
قال الإمام النووي رحمه الله: «فهذا حث على الصبر في القتال، وهو آكد أركانه، وقد جمع الله سبحانه آداب القتال في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 45 - 47] .
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) ، فمعناه ثواب الله، والسبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف في سبيل الله، ومشي المجاهدين في سبيل الله؛ فاحضروا فيه بصدق واثبتوا» 161.
وعندما تضطرب أمور المعركة، وتتطاير الرؤوس، ويسمع دوي الانفجارات، تكون الحاجة إلى الصبر أعظم وأشد، فالجنة تحت ظلال السيوف، والفرار من الزحف من أكبر الكبائر {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 15 - 16] .
والله مع الصابرين، ويحب الصابرين، فإن للمجاهد في سبيل الله إحدى الحسنيين، إما أن ينصره الله على العدو، ويرجع بالأجر والغنيمة، أو الشهادة في سبيل الله وثواب ذلك الجنة، وأعظم بها من منزلة ورفعة.
فمن المعلوم أن النفس البشرية قد جُبلت على حب الراحة والشهوات، والتفلت من القيود، والجنة حفت بالمكاره، والنار حفت بالشهوات، وقد هذب الله تبارك وتعالى النفس البشرية، وما خلق فيها من الغريزة الإنسانية، بهذا الدين الحنيف، فالإنسان عندما يتجنب ما حرم الله تبارك وتعالى عنه، والنفس تنازعه، وتميل إلى الشهوات المحرَمة، فهو يصبر على حبسها عن المحرمات، ويمسكها عنها، فالنفس أمارة بالسوء قال الله: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53] .
وشياطين الإنس والجن يدعون الإنسان إلى الشهوات والمحرمات ويرغِبونه ويحسنون له القبائح، فيحبس نفسه عن محارم الله، والصبر عن معصية الله كقصة يوسف عليه الصلاة والسلام مع امرأة العزيز؛ حيث دعته إلى نفسها ومع ذلك صبر وحبس نفسه عن معصية الله، ولجأ إلى الله عندما هددته بالحبس والسجن، فقال: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف: 33] .
وقد تقدم الإشارة إلى هذا في ما سبق: من خلال عرض القصص القرآني.
وهذا النوع من أنواع الصبر من أشدها؛ فالإنسان قد يصبر على الضراء والبلاء، لكن هذا النوع لا يصبر عنه إلا القليل، والصبرُ على الطاعات وعنِ المحرَماتِ أفضلُ من الصَبرِ على الأقدار المؤلمة، صرح بذلك السَلفُ، منهم: سعيدُ بنُ جبير، وميمون بن مهران كما قال ابن رجب رحمه الله 162.
والمؤمن مطالب بأن لا يطلق لنفسه العنان في الجري وراء شهواتها؛ لئلا يخرجه ذلك إلى البطر والطغيان وإهمال حق الله تبارك وتعالى فيما آتاه وبسط له حتى في الأمور المباحة إذا تسببت في التقصير.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المنافقون: 9] .
ويمكن للإنسان إذا أخذ بهذه الأمور أن تكون عونًا له على هذا النوع من أنواع الصبر وهي:
أولًا: أن يعلم أن الله تبارك وتعالى أوجده في هذه الحياة، واستخلفه فيها؛ ليقوم بعبادته، وابتلاه بالخير والشر، وأنه إليه راجع، فعليه أن يصبر والحياة قصيرة قال الله: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35] .
ثانيًا: أن لا يركن إليها، ولا يغتر بها، فالجنة حفت بالمكاره والنار حفت بالشهوات.
ثالثًا: أن لا يتطلع إلى ما عند الآخرين من متاع الدينا، وأن يعلم أن ما عند الله خير وأبقى قال الله: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131] .
وقال: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون: 55 - 56] .
وعلى الإنسان أن يعلم أنما هم فيه من الدنيا ظل زائل، وعارية مستردة، ولا يبالي بالمظاهر التي يتبجح بها الطغاة، والأثرياء، لقد قال الذين يريدون الحياة الدنيا لما رأوا قارون خرج على قومه في زينته: {يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [القصص: 79] .
فقال أهل العلم والإيمان فقالوا: {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} [القصص: 80] .
قال الطبري رحمه الله: « {إِلَّا الصَّابِرُونَ} يعني بذلك: الذين صبروا عن طلب زينة الحياة الدنيا، وآثروا ما عند الله من جزيل ثوابه على صالحات الأعمال على لذات الدنيا وشهواتها؛ فجدوا في طاعة الله، ورفضوا الحياة الدنيا» 163.
وقال السدي: «وما يلقى الجنة إلا الصابرون» 164.
وقال مقاتل: «لا يؤتاها، يعني الأعمال الصالحة، وقال الكلبي: لا يعطاها في الآخرة، وقيل: لا يؤتى هذه الكلمة، وهي قوله: {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ} إلا الصابرون على طاعة الله، وعن زينة الدنيا» 165.
رابعًا: أن يصبر على أداء حق الله تبارك وتعالى فيها، وذلك بحبس نفسه عن المحرمات، ولا يمكن نفسه من كل ما تريده؛ فإنها قد توقعه في الحرام، فإن احترز كل الاحتراز؛ أوقعته في المكروه.
والصبر عن المعاصي التي انتشرت وعمت؛ حتى أصبح التحرز منها أمرًا صعبًا، فالمعاصي في البيوت والأسواق، والمدارس، والعمل، وفي الهواتف والشاشات، والجرائد والكتب، ولربما بعض المساجد لا تخلو من المنكرات، فيحتاج الإنسان إلى أن يتحلى بالصبر على هذه المعاصي؛ لينال رضا الله تبارك وتعالى، ويتذكر عظم الأجر الذي أعده الله تبارك وتعالى للصابرين.
ثالثًا: الصبر على الشدائد والبلاء:
إن العيش في الحياة الدنيا لا يخلو من كدر ومنغصات، وشدائد ومكاره ومصائب، فلا أحد يخلو من هذا، فما من راحة إلا ويعقبها تعب، وما من لذة إلا ويتبعها منغص، وما من فرحة إلا ويتبعها حزن، والإنسان يمر في هذه الحياة للشدائد والمكاره والمحن، لكن عليه أن يلجأ إلى الله ويصبر، وإن الله مع الصابرين بنصره وتأييده، وقد تعرض السحرة الذين سجدوا لله تبارك وتعالى عندما جمعهم فرعون، وألقوا عصيهم، وألقى موسى عليه الصلاة والسلام عصاه؛ فتحولت حية تسعى؛ فالتقمت ما صنعوا، وتهددهم فرعون، وتوعدهم بتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف؛ فصبروا على هذا البلاء، وطلبوا العون من الله، وقالوا كما أخبر عنهم ربهم تبارك وتعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [الأعراف: 123 - 126] .
قال أبو حيان رحمه الله: «لما أوعدهم بالقطع والصلب؛ سألوا الله تعالى أن يرزقهم الصبر على ما يحل بهم -إن حل-، وليس في هذا السؤال ما يدل على وقوع هذا الموعد بهم، خلافًا لمن قال يدل على ذلك، ولا في قوله: {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} دليل على أنه لم يحلَ بهم الموعود خلافًا لمن قال يدل على ذلك؛ لأنهم سألوا الله أن يكون توفيهم من جهته، لا بهذا القطع والقتل وتقدم الكلام على جملة {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} سألوا الموت على الإسلام، وهو الانقياد إلى دين الله وما أمر به» 166.
وقال الخازن رحمه الله: « {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} أي: اصبب علينا صبرًا كاملًا تامًا؛ ولهذا أتى بلفظ التنكير، يعني: صبرًا وأي صبر عظيم {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} يعني: واقبضنا على دين الإسلام، وهو دين خليلك إبراهيم عليه الصلاة والسلام، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا في أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء» 167.
عن مجاهد: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} ، قال: كانوا أول النهار سحرة، وآخره شهداء» 168.
وقال موسى عليه السلام لقومه آمرًا لهم أن يستعينوا بالله وتعالى ويصبروا على أذى فرعون لهم: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128] .
يخبر الله تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة أن نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام حث قومه على الاستعانة على فرعون وقومه بالله العظيم، والصبر على أذى فرعون وقومه لبني إسرائيل؛ لأنه لا سبيل لهم مع فرعون وجنوده وقوته وكبريائه إلا الصبر والاستعانة بالله، ووعدهم أن العاقبة العظيمة التي يرضاها الله هي للمتقين.
وقال سبحانه حاكيًا عن رسله عليهم الصلاة والسلام حين صبروا على تكذيب قومهم لهم وأذيتهم لهم: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [إبراهيم: 12] .
قال ابن سعدي رحمه الله: «أي: ولنستمِرنَ على دعوتكم ووعظكم وتذكيركم، ولا نبالي بما يأتينا منكم من الأذى؛ فإنا سنوطن أنفسنا على ما ينالنا منكم من الأذى؛ احتسابا للأجر ونصحًا لكم؛ لعل الله أن يهديكم مع كثرة التذكير» 169.
وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على ما يقوله قومه له: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} [طه: 130] .
وقال الله سبحانه: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل: 10] .
قال ابن كثير رحمه الله: «أي: من تكذيبهم لك، {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ} يعني: صلاة الفجر، {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} يعني: صلاة العصر» 170.
أمرُ الله تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بالتسبيح بعد أمره له بالصبر على أذى الكفار فيه دليل على أن التسبيح يعينه الله به على الصبر المأمور به، والصلاة داخلة في التسبيح المذكور 171.
قال ابن سعدي رحمه الله: « {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} من الذم لك والتكذيب بما جئت به، واشتغل عنهم والْهَ بطاعة ربك وتسبيحه، أول النهار وآخره، وفي أوقات الليل، وأدبار الصلوات، فإن ذكر الله تعالى، مُسَلٍ للنفس، مؤنس لها، مهون للصبر» 172.
وقال الله تبارك وتعالى: {فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الحج: 34 - 35] .
قال ابن كثير رحمه الله: « {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} : قال مجاهد: المطمئنين، وقال الضحاك، وقتادة: المتواضعين، وقال السدي: الوجلين، وقال عمرو بن أوس: المخبتون: الذين لا يَظلمون، وإذا ظُلموا لم ينتصروا، وقال الثوري: المطمئنين الراضين بقضاء الله، المستسلمين له» 173.
وقال الشنقيطي رحمه الله: «أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبشر المخبتين أي: المتواضعين لله المطمئنين الذين من صفتهم: أنهم إذا سمعوا ذكر الله، وجلت قلوبهم أي: خافت من الله جل وعلا، وأن يبشر الصابرين على ما أصابهم من الأذى، ومتعلق التبشير محذوف؛ لدلالة المقام عليه أي: بشرهم بثواب الله وجنته» 174.
وقال ابن سعدي رحمه الله: « {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} بخير الدنيا والآخرة، والمخبت: الخاضع لربه، المستسلم لأمره، المتواضع لعباده، ثم ذكر صفات المخبتين فقال: {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} أي: خوفًا وتعظيمًا، فتركوا لذلك المحرمات؛ لخوفهم ووجلهم من الله وحده، {وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ} من البأساء والضراء، وأنواع الأذى، فلا يجري منهم التسخط لشيء من ذلك، بل صبروا ابتغاء وجه ربهم، محتسبين ثوابه، مرتقبين أجر» 175.
وأمر الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأمره بالصبر على ما يصيبه من أذى: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17] .
قال الإمام ابن جرير رحمه الله: «يقول: واصبر على ما أصابك من الناس في ذات الله، إذا أنت أمرتهم بالمعروف، ونهيتهم عن المنكر، ولا يصدنك عن ذلك ما نالك منهم {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} يقول: إن ذلك مما أمر الله به من الأمور عزما منه» 176.
وقال ابن كثير رحمه الله: «علم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يناله من الناس أذى؛ فأمره بالصبر، وقوله: {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} أي: إن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور» 177.
وقال الماوردي رحمه الله: «قوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} يحتمل وجهين:
أحدهما: على ما أصابك من الأذى في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
الثاني: على ما أصابك من البلوى في نفسك أو مالك» 178.
فأبشر أيها الصابر المحتسب بالأجر العظيم من الله، واعلم أن بعد العسر يسرًا، وبعد الشدة يأتي الفرج {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155] .
فالله تبارك وتعالى يبتلي عباده في هذه الدار بأنواع البلايا والمحن، فتارة يبتليه بالمرض، وتارة يبتليه بالغنى، وتارة يبتليه بموت قريب أو حبيب، قال الله تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186] .
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «أخبر تعالى أنه يبتلي عباده المؤمنين أي: يختبرهم ويمتحنهم، كما قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31] .
فتارة بالسراء، وتارة بالضراء من خوف وجوع، كما قال تعالى: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ} [النحل: 112] .
فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه؛ ولهذا قال: لباس الجوع والخوف، وقال هاهنا: {بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ} أي: بقليل من ذلك {وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ} أي: ذهاب بعضها {وَالْأَنْفُسِ} كموت الأصحاب والأقارب والأحباب {وَالثَّمَرَاتِ} أي: لا تُغِل الحدائق والمزارع كعادتها» 179.
فعلى الإنسان إن أصابه مرض أو أصابته مصيبة في ماله أو ولده أو في قريبه؛ فإنه يصبر ولا يجزع ويسلم لأمر الله تبارك وتعالى، فإن رضي بذلك؛ فإنه ينال أعظم الأجر عند الله تعالى، وإن تسخط ولم يصبر؛ فاته الأجر العظيم، فعن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجبًا لأمر المؤمن، إن أمرَه كله خيرٌ، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن؛ إنْ أصابتْه سرَاء شكر، فكانَ خيرًا لهُ، وإنْ أصابتْه ضرَاء صبَرَ، فكانَ خيرًا له) 180.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يزالُ البلاء بالمؤمن والمؤمنةِ في نفسه وولدِهِ ومَالهِ حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئةٌ) 181.
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَ عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإنَ الله تعالى إذا أحبَ قومًا ابتلاهُم، فمنْ رضي؛ فلهُ الرَضى، ومنْ سخط؛ فلهُ السَخط) 182.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه، فصبر؛ عوضته منهما الجنة) ، يريد عينيه» 183.
قال ابن بطال رحمه الله: «هذا الحديث أيضًا حجة في أن الصبر على البلاء ثوابه الجنة، ونعمة البصر على العبد -وإن كانت من أجل الله تعالى- فعوض الله عليها الجنة أفضل من نعمتها في الدنيا؛ لنفاذ مدة الالتذاذ بالبصر في الدنيا، وبقاء مدة الالتذاذ به في الجنة، فمن ابتلى من المؤمنين بذهاب بصره في الدنيا فلم يفعل ذلك به لسخط منه عليه، وإنما أراد تعالى الإحسان إليه إما بدفع مكروه عنه يكون سببه نظر عينيه لا صبر له على عقابه في الآخرة، أو ليكفر عنه ذنوبًا سلفت لا يكفرها عنه إلا بأخذ أعظم جوارحه في الدنيا؛ ليلقى ربه طاهرًا من ذنوبه، أو ليبلغ به من الأجر إلى درجة لم يكن يبلغها بعمله، وكذلك جميع أنواع البلاء، فقد أخبر عليه السلام أن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه 184» 185.
قال ابن القيم رحمه الله: «فإنه لا خلاف بين أهل العلم أن أظهر معاني الصبر: حبس النفس على المكرمة وأنه من أصعب المنازل على العامة وأوحشها في طريق المحبة، وإنما كان صعبًا على العامة؛ لأن العامي مبتدئ في الطريق، وليس له دربة في السلوك، وليس له تهذيب المرتاض بقطع المنازل، فإذا أصابته المحن؛ أدركه الجزع، وصعب عليه احتمال البلاء، وعز عليه وجدان الصبر؛ لأنه ليس في أهل الرياضة؛ فيكون مستوطنًا للصبر، ولا من أهل المحبة؛ فيلتذ بالبلاء في رضا محبوبه» 186.
وأثنى الله تبارك وتعالى على الصابرين على ما ابتلاهم به من السراء والضراء، وحين البأس، وأخبر بأن من كان كذلك فهو من الصادقين كما في قول رب العزة والجلال: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] .