فهرس الكتاب

الصفحة 1197 من 2431

يقول الله سبحانه وتعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 32] .

وكان هذا أيضًا من جملة ما لم يسلم من اعتراضهم واتخاذه مطعنًا على النبي صلى الله عليه وسلم، أنه لم ينزل عليه القرآن كما نزلت الكتب على الأنبياء السابقين، فجاء الجواب في هذه الآية مبينًا حكمةً من الحكم التي نزل القرآن من أجلها منجمًا، وليس هذا محل عد هذه الحكم، لكن الذي هو محل بحثنا نزول القرآن بذكر استهزاء الأمم برسلها وأنبيائها والحكمة منه، وعلى نفس الطريقة جاء ذكر الاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم ففيه تذكير للنبي صلى الله عليه وسلم أن الله مطلع عليهم، وفيه بيان لأتباع النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليطلعوا على ما مر به صلى الله عليه وسلم ليكون لهم أسوة، وفيه تسلية حتى لا يوقع الشيطان في قلوبهم أن الله عز وجل قد تخلى عنهم.

2.ذكر استهزاء الأمم السابقة بالرسل والأنبياء.

الإنسان موصوف بالجهل والظلم، ومن كمال رحمة الله جل جلاله وعدله أنه لم يتركه فريسة لظلمه وجهله، فتفضل عليه بإرسال الرسل والأنبياء؛ ليخرجوه من ظلمات الجهل إلى نور الهدى، ومن خلف قضبان الظلم إلى سعة الرحمة والعدل، لكن من غلب عليه وصفه الأصلي بسبب ما استمرأه من المعيشة في الظلام، واستعذبه من حياة الأسر في قبضة عدوه، لما جاءه من يناديه؛ ليتحرر من أسر العدو، ويفتح عينيه ليبصر نور الحق، ظن أن ما يدعوه إليه هو الأسر، وهو ما سيصيبه بالعمى، فإن قال له: هلم إلى النور. سخر! وقال: وهل هناك من نور؟! وإن دعاه إلى دار السعة والنعيم، استهزأ وقال: وهل غير هذه الدار دار؟! فهو من جنس من عطلوا حواسهم؛ فهم عمي لا يبصرون، وصم لا يسمعون، وجهلة لا يهتدون، وأعملوا شهواتهم، واتبعوا أهواءهم، وفيهم يقول الله سبحانه وتعالى: {يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [يس: 30] .

وذلك أن غلبة الهوى على الحكمة، وغلبة الشهوة على العقل عندهم جعلتهم يقتنعون بصحة منهجهم، فدعاهم ذلك لأن يستهزئوا بمخالفيهم إلى غيره، ومن يدعوهم إلى ما فيه خيرهم، وأي حسرة هي أعظم من هذه الحسرة على من هذه حالهم، فوصف حالهم مع الحق جاء في قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179] .

وقد جاءت على هذه الحال كل الأمم مع أنبيائها ورسلها، فلم يسلم نبي ولا رسول من مستهزئ 32.

3.نماذج من استهزاء الأمم السابقة بالأنبياء والمرسلين.

-نوح عليه السلام وقومه.

الرسول الأول الذي أرسله الله سبحانه وتعالى، والذي لم يسبق بمن سار على طريقه، ولم يأت بعده من مكث في قومه مثله، وبعد طول لبث، ومحاولة كل الطرق، وتجريب كل الوسائل، جاءه بعذابهم الخبر، وبصناعة السفينة قد أمر، فكانوا إذا مروا به استهزأوا ويقولون له: أصرت نجارًا بعد النبوة يا نوح، وتصنع السفينة في الصحراء وهي لا تجري إلا في البحر! فكان يجيبهم: إن تهزأوا منا اليوم فإنا سنهزأ بكم يوم القيامة، وقد أخبرنا بذلك كتاب الله عز وجل حيث يقول: (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ? قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) [هود: 38] .

وذاقوا وبال أمرهم، وسوء عاقبتهم في الدنيا، وما ينتظرهم يوم القيامة من الخزي أشد وأنكى 33.

وقد جاء التعبير عن فعلهم في النص القرآني بلفظ السخرية؛ لأن نوح يفعل أمرًا يقتضيها، وذلك من وجهة نظرهم، والحقيقة أن ما قام به نبي الله نوح عليه السلام كان بوحي من الله، وعليه فإن حقيقة فعلهم استهزاء وليس سخرية؛ لعلمهم أن نوحًا ليس من العابثين.

-إبراهيم عليه السلام والنمرود.

وذلك حينما ذهب إبراهيم عليه السلام كسائر الناس ليأخذ الميرة من عند الملك، وكان العام وقتها عام جدب وقحط، يقول الله جل جلاله ذاكرًا الموقف: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ? قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [البقرة: 258] .

فقد كان الملك لا يعطي أحدًا إلا سأله: من ربك؟ فيقول له: أنت، فيعطيه، فلما جاء إبراهيم عليه السلام قال له: من ربك؟ قال إبراهيم عليه السلام: ربي الذي يحيي ويميت، فأجابه سفاهةً واستخفافًا -كما فعل فرعون وقومه، إذ قال الله عز وجل فيهم: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ) [الزخرف: 54] -: وأنا أحيي وأميت، وأحضر رجلين حكم عليهما بالقتل، فقتل أحدهما، وأطلق الآخر! وقال: هذا أمته وهذا أحييته!، فجاءه إبراهيم عليه السلام بالرد المفحم بأن ربه يأتي بالشمس من المشرق، وتحداه أن يأتي بها من المغرب؛ فبهت الذي كفر 34.

-موسى عليه السلام وفرعون.

ذلك الطاغية الآخر الذي زعم أنه الرب الأعلى، كأنه قد قام باستفتاء في قومه يعرض عليهم أمره وأمر موسى عليه السلام، ذاكرًا ما فضل به على موسى عليه السلام، يقول الله جل جلاله في شأنه: (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ(50) وَنَادَى? فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَ?ذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ? أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَ?ذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ? إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) [الزخرف: 50 - 54] .

يقول: أنتم ترون فأنا أملك مصر وأنهارها، وموسى فقير ليس له شيء، وأنا صحيح المنطق، واضح البيان، وموسى لا يكاد يفهم كلامه لما في لسانه من لثغ، فإن كان صادقًا فلماذا لا ينزل له أسورة وحلي وزينة ومال من السماء؟ أو لماذا لا يظهر معه ملائكة يصدقونه ويؤيدونه فيما يدعي؟ وهذا استخفاف بقومه واستهزاء بموسى عليه السلام، فكان الرد من الله عليه وقومه أن الحمق الذي عندهم، كان سببًا لطاعتهم إياه، وهم في جملتهم فاسقون خارجون عن طريق الاستقامة 35.

4.الاستهزاء بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو النموذج الحي وقت نزول القرآن، ولأن الاستهزاء كان به وبما أنزله الله سبحانه وتعالى عليه، ولأن الاستهزاء به غالبًا ما يأتي بأسلوب استفهاميٍ ساخر، أو خطاب تهكميٍ سافر، وكان شأنه صلى الله عليه وسلم عند ربه عظيمًا، لم يرض سبحانه وتعالى أن يمره دون ردٍ عليه، وفضح قائليه، فيأتيهم الجواب من عند الجبار جل جلاله، بما يسوؤهم ويخزيهم، ويرفع قدره، ويجعل قدمه فوق نواصيهم، وسنعرض لثلاثة مواقف جاء خبرها في القرآن من الاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم وكيف جاء الرد القرآني عليها، وذلك فيما يأتي:

-النبي صلى الله عليه وسلم واستهزاء المشركين.

يقول الله تبارك وتعالى: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَ?ذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَ?نِ هُمْ كَافِرُونَ ?36?) [الأنبياء: 36] .

كان المشركين إذا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، استهزءوا به وقالوا: أهذا المحتقر-بزعمهم- الذي يسب آلهتكم ويذمها، ويقع فيها، هذا استهزاؤهم واحتقارهم له، يقرنونه بما هو سبب كماله صلى الله عليه وسلم، ألا وهو دعوته إلى توحيد الله جل جلاله، والكفر بكل معبود سواه، فالذي فعله التوحيد والدعوة إليه هو الأكمل والأفضل، والأبهى والأجمل، وذلك أنه أخلص العبادة لله سبحانه وتعالى، وذم كل ما يعبد من دونه وتنقصه، وذكر محله ومكانته، وعليه فالذي يستحق الازدراء والاستهزاء هؤلاء الكفار، الذين جمعوا كل خلق مذموم، ولو لم يكن منهم إلا كفرهم بالله وعدائهم لرسوله صلى الله عليه وسلم لكانوا بذلك من أخس الخلق وأرذلهم، وأبشعهم وأقبحهم 36.

فانظر كيف رد الله عليهم قولهم واستهزاءهم، فقد بين أن ما عابوا به النبي صلى الله عليه وسلم من ذكره لآلهتهم بسوء هو مدح له، وما يكون من فعلهم مقابلًا لفعله بكفرهم بالله أمر يستحقون به أفظع الشتم، وأشنع الذم، وأقذع الكلم.

-النبي صلى الله عليه وسلم واستهزاء اليهود.

يخبر الله عن خبث اليهود في التعريض بالكلام، من ذكر اللفظ المحتمل لأكثر من معنى -وإن لم يكن من لغتهم-؛ ليظهر للمستمع أنهم يريدون الحسن والمرضي من القول، والحقيقة أنهم يريدون القبيح الشنيع منه.

يقول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ? وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [البقرة: 104] .

ذكر الله استعمال اليهود للفظة (رَاعِنَا) التي يبدو منها أن مرادهم سؤال النبي صلى الله عليه وسلم الاستماع إليهم، فجعل المسلمون يستعملون هذه الكلمة، كما كان يستعملها أهل المدينة في هذا المعنى؛ لأنهم ظنوا أن اليهود يستعملونها على نفس المراد، غير أن الله نهاهم عن ذلك؛ لأن قصد اليهود التعريض واللمز بالرعونة التي هي ضد المروءة 37، ثم توعدهم بشدة العذاب على ذلك، وكشف صفة اليهود التي يحملونها للمسلمين ألا وهي حسدهم لهم وعدم حب الخير، وفيه من الذم ما فيه، وذلك أن من أقبح الصفات التي قد يتلبس بها الإنسان هي الحسد، وقد وقع بسببه ما وقع من لعن لإبليس بسبب كبره مع حسده لآدم، وقتل أحد ابني آدم لأخيه، فمن تحلى بها-وليس بمثلها يحلو-كان في رتبة أحدهما، والعياذ بالله.

-النبي صلى الله عليه وسلم واستهزاء المنافقين.

المنافقون هم قوم ظهر لهم الحق وعرفوه، لكنهم كانوا أسرى الشهوات، وأذناب الهوى، يقودهم لغير هدى، ويوردهم طرق الردى، ومع ذلك يسعون في فتنة من اتبع الهدى، يقول المولى جل جلاله -محذرًا من كيدهم، ومنبهًا على زيغهم وميدهم 38 -: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27] .

فقادهم الشيطان وهو إمامهم، واستنفرهم لمعاداة الأنبياء والمرسلين، واستفزهم ليسعوا في فتنة الهداة المصلحين، فكانوا إذا استمعوا إلى الحق استجهلوه سخريةً واستهزاءً 39، وأظهروا كأنهم ما سمعوه لا يستحق الاهتمام، ولا هو جدير بالاعتبار.

يقول الله سبحانه وتعالى واصفًا هذا الموقف: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [محمد: 16] .

وما كان منهم هذا التساؤل إلا على سبيل الاستهزاء، فأرجع الله استهزاءهم وعدم اعتبارهم، وقلة اهتمامهم إلى سفه عقولهم، وعقم فهومهم، والطبع على قلوبهم، واتباع شهواتهم، والانقياد لأهوائهم، فصدق فيهم قول المتنبي 40:

ومن يك ذا فمٍ مرٍ مريضٍ

يجد مرًا به الماء الزلالا

فكيف سيتلذذ بطعم العسل، من كان أصل المرار في فمه؟! وكيف سيبتلع الطعام الشهي من انتفخ بالورم الخبيث حلقه؟!

وفي قول آخر له 41:

وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا

وآفته من الفهم السقيم

فكيف سيسوغ لهؤلاء الذين مرضت قلوبهم وانتكست فطرهم أن يعقلوا أو يفهموا أو ينتفعوا بأحسن القول، الذي هو أصدق الحديث، وفصل الخطاب.

ثانيًا: الاستهزاء بالدعاة والمصلحين:

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظٍ وافرٍ) 42.

وجريًا على القاعدة الفقهية إن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وهي قاعدة شرعية إسلامية، غير أن لسان حال شريعة المنافقين-إن كان لهم شريعة- يقررها في معاداة الحق وأهله، فإن العداء الذي حملته قلوب أعداء الله لأنبيائه ما كانت إلا للعلم الذي جاءهم من عند الله، وقد ورث العلماء والدعاة والمصلحون هذا من أنبيائهم، فورثوا معه العداء من أعدائهم، ويذكر الله سبحانه وتعالى موقفًا من المواقف التي استهزأ فيها المنافقون من أولئك الورثة الكرام.

يقول عز وجل: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [التوبة: 64 - 68] .

يصف الله سبحانه حال المنافقين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن وقع منهم الاستهزاء بعلماء الصحابة رضي الله عنهم، وما فيه من الترقب لنزول القرآن بخبرهم، وذلك حين قالوا: «ما لقرائنا هؤلاء أرغبنا بطونًا وأكذبنا ألسنةً، وأجبننا عند اللقاء» 43.

فتفضح كفرهم الذي أضمروه، ولئن سئلوا عن القدح في حق النبي صلى الله عليه وسلم وحق أصحابه ليقولن: إنما كنا نتحدث على سبيل المزاح والمرح، فيأتي البيان في قول الله عز وجل أنهم كانوا يستهزئون بالله عز وجل وآياته ورسوله، ولا ينفعهم الاعتذار ولا يبرئهم، فقد وقع الكفر منهم بسبب هذه المقالة، وإن تفضل الله جل جلاله بالعفو عن بعضهم؛ لتوبتهم، فعاقبة الآخرين هي العذاب، ثم يأتيهم ما عجل لهم من هذه العقوبة، في بيان وصفهم الذي يكرهون، فيقول: المنافقون والمنافقات على شاكلة واحدة، وسنة فيهم متبعة في إعلانهم الإيمان واستبطانهم الكفر، فهم يأمرون بالكفر ويزينون المعصية، وينهون عن الإيمان والعمل الصالح، ولا ينفقون في سبيل الله، تركوا أمر الله، فتركهم من الهداية والرحمة، فلم يوفقهم إلى خير، والمنافقون هم الخارجون عن الإيمان بالله ورسوله.

ويذكر الله أن لهم وعيدًا عنده، وهو أن المنافقين والمنافقات والكفار متوعدون بأن يكون مصيرهم إلى نار جهنم خالدين فيها أبدًا، عقابًا على كفرهم بالله، وأن الله عز وجل طردهم من رحمته، ولهم عذاب دائم؛ لأن أفعالهم من الاستهزاء والكفر كأفعال الأمم السابقة التي كانت على جانب أشد منهم من القوة والمال والأولاد، ولكنهم اطمأنوا إلى الحياة الدنيا، واستهزأوا بأنبيائهم وصالحي أممهم، واستمتعوا بما أغراهم من المتاع الزائل، واستمتع المنافقون بنصيبهم من الشهوات الفانية كاستمتاع الذين من قبلهم بحظوظهم الفانية، أولئك الموصوفون بهذه الأخلاق هم الذين ذهبت حسناتهم في الدنيا والآخرة، وأولئك هم الخاسرون ببيعهم نعيم الآخرة بحظوظهم من الدنيا 44.

ثالثًا: الاستهزاء بالمؤمنين:

وهذا النوع من الاستهزاء هو الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة، حيث تقسيم الناس إلى مؤمن وكافر ومنافق.

يقول الله جل جلاله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [البقرة: 8 - 16] .

هؤلاء هم الصنف الأخطر في المستهزئين جميعًا، ذلك أنهم على اتصال مباشر ودائم بالمؤمنين، يفسدون في الأرض وهم يدعون أنهم مصلحون، مما يفهم منه أنهم دعاة إلى منهج يزعمون أنه منهج إصلاحي، بل إنهم لشدة وقاحتهم حصروا أنفسهم وأعمالهم في الإصلاح، بقولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} ويزينون ذلك للمؤمنين، ويعلنون أنهم مؤمنون إعلانًا يحقنون به دماءهم من المسلمين 45.

ولكنهم -على حد زعمهم- لهم رؤية مستنيرة حضارية متقدمة، ولا يقبلون لأنفسهم ما يتلبس به المؤمنون من حال ينعتونه بالرجعية والتخلف والسفه، فهم يريدون النهوض بالمسلمين، والتقدم والازدهار، والتمسك على طريقة المؤمنين -الذين هم في منظورهم سفهاء- مليء بالمعوقات التي يجب عليهم أن يتحرروا منها، فلا ينبغي للدين أن يحكم في كل شيء، فالدين لله والوطن للجميع، وحكم الشعب للشعب، وما دخل الدين في لباس المرأة الذي يجعل الغرب ينظرون إلينا نظرة تخلف، وطاعة العلماء والأمراء والرضا بحاكم واحد مستمر، هذا استبداد وقهر وظلم، وما دخل الدين في السياسة، وأخوة الإنسانية تجمعنا مع جميع الناس فلنترفع عن البغض.

وليكن الحب رحبًا برحابة السماء يسع الجميع، ولا فرق بين الناس في الجنس واللون والدين، والناس أحرار لهم الحرية المطلقة في فعل ما يشتهون، ولهم اليوم أن يدينوا بدين، ويغيرونه في الوقت الذي يحبون، وحرية الرأي والتعبير متاحة للجميع لا لتكميم الأفواه، ولا للحجر على العقول، والناس مختلفون في وجهات النظر، فلكل واحد أن يحكم على الله جل جلاله من وجهة نظره، وله أن يحاكم الرسول صلى الله عليه وسلم على دعوته وأفعاله وآرائه وأفكاره، فيخطئ ويصوب كيفما يحلو له، وينبغي أن نعتز بحضاراتنا القديمة، الفراعنة، والبابلية، والأمازيغية، والتركية، ... وغيرها، وعدم المساواة بين الرجل والمرأة يعد ظلمًا، الفسق فن، والفجور كسب مشروع، والإباحية تنوير، والتمسك بنصوص الكتاب والسنة تعقيد وتشدد وتنطع، والآخر غير المسلم صالح، ولكن الخلل في نظرتنا له، كلنا نؤمن بالله عز وجل يهود ونصارى ومسلمين، الجميع مؤمنون، بل وكل صاحب فكر ومعتقد مؤمن بفكره ومعتقده، فلا نقول: الكافر، بل نقول: الآخر، لا يجوز التكفير، بل ينبغي إلغاء هذا المصطلح، وطمسه إن استطعنا من القرآن والسنة، وإن لم نستطع فلنحمل اللفظ مدلولًا آخر، كأن يراد به فقط أبو لهب وأبو جهل، وكلنا سواسية.

كلمات مزخرفة، وعبارات مبهرجة، فهؤلاء هم من قال الله فيهم: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112] .

لينخدع بها ضعاف الإيمان، وهم في حقيقة الأمر لا يخدعون المؤمنين بالله حقًا، كما أن الله سبحانه وتعالى لا يخادع، فالخداع يقع منهم على أنفسهم، فلا يقتنع به إلا من هو مثلهم، وأما الذين آمنوا فمتمسكون وثابتون على ما هداهم الله إليه من الحق، وهؤلاء المنافقون لهم زعماء ورؤساء يخلون بهم، ويثبتون ولاءهم لهم، فيقدمون لهم الدعم، ويعطونهم من ألوان المعونات والملذات؛ ما يفتنون به الناس، وإذا أصابهم خوف من الفضيحة أعلنوا الإيمان، وخنسوا كما يخنس الشيطان.

وإن خافوا من أوليائهم ورؤسائهم، أخبروهم أن هذا من قبيل الاستهزاء والسخرية والإغراء للمؤمنين؛ لينخدعوا بهم، والحقيقة التي لا يعلمونها، أن الله عز وجل قد يذلل لهم العقبات ويسهل لهم الصعاب؛ ليزدادوا غيًا إلى غيهم، وذنوبًا إلى ذنوبهم، وخسرانًا إلى خسرانهم؛ ليتبعهم من في قلبه مرض، وهو في صف المسلمين ظاهرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت