فلمّا سمع بنو أبيرقٍ أتوا رجلًا منهم يقال له: أسير بن عروة فكلّموه في ذلك، فاجتمع في ذلك ناسٌ من أهل الدّار، فقالوا: يا رسول اللّه إنّ قتادة بن النّعمان وعمّه عمدا إلى أهل بيتٍ منّا أهل إسلامٍ وصلاحٍ، يرمونهم بالسّرقة من غير بيّنةٍ ولا ثبتٍ، قال قتادة: فأتيت الرسول صلى الله عليه وسلم فكلّمته، فقال: (عمدت إلى أهل بيتٍ ذكر منهم إسلامٌ وصلاحٌ ترميهم بالسّرقة على غير ثبتٍ وبيّنةٍ) .
قال: فرجعت، ولوددت أنّي خرجت من بعض مالي ولم أكلّم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأتاني عمّي رفاعة فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال: اللّه المستعان، فلم يلبث أن نزل القرآن بهذه الآيات 78.
وقد حفل القرآن الكريم بذكر جوانب عديدة من السماحة في الخصومات، بما يعزز جانب الأخلاق الرفيعة التي حظيت بها دعوة الإسلام.
باستعراض ما سبق يظهر أن روح السماحة كان في الجو العام للآيات القرآنية، وكان من الطبيعي أن يورث هذا الموضوع ثمرات لمن يلتزمون خط السماحة في دراستهم القرآنية، وفيما يأتي الحديث عن جزاء أهل السماحة في الدنيا والآخرة.
أولًا: الجزاء في الدنيا:
1.السمعة الطيبة، والمناقب الحسنة.
وهو ما يوضحه قوله تعالى: (پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ) [آل عمران: 159] .
فإن مفهوم المخالفة أن السمعة الطيبة والمناقب الحسنة، كانت بسبب سماحة الرسول صلى الله عليه وسلم، في تعامله مع المسلمين، رغم مخالفتهم لاجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم في قضية القتال داخل المدينة، أو خارجها يوم أحد، فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلمهم درسًا عمليًّا مؤلمًا بوجوب الالتزام بأمره صلى الله عليه وسلم، وعدم النزول عند آرائهم؛ لأنها النبوة، وما أن تكشّفت نتائج المعركة؛ حتى لان في القول، وأصبح يخفف عنهم، ويؤمر بالعفو عنهم والاستغفار، ومن ثمّ معاودة مشاورتهم؛ لكن إذا عقد العزم على القيام بالمهمة، فليقم بها، وليتوكل على الله تعالى وحده 79.
2.دفع الأذى بجميع مناحيه عن أهل السماحة.
ويوضح ذلك قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ) [الحجر: 94 - 95] .
فإن الصدع بالحق، والالتزام بما أُمر به النبي صلى الله عليه وسلم أكبر دليل على السماحة، فهم قد تجرؤوا في ارتكاب الباطل كثيرًا، والتبجح، ومع ذلك فالأمر للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالانضباط العالي بتعاليم الحق، والبشرى له صلى الله عليه وسلم بأن الله تعالى كفاه المستهزئين، فذلك ثمرة من ثمرات السماحة التي تحلى بها خير الخلق، وحبيب الحق محمد صلى الله عليه وسلم 80.
3.زيادة الإيمان في القلب.
فإن الصحابة رضي الله عنهم في حمراء الأسد حينما قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم، وهم كفار قريش، لم يضعف أملهم في الانتقام مما حدث في غزوة أحد، أو يداخلهم الرعب، وإنما لجأوا إلى الله تعالى، واكتفوا بالله تعالى حسيبًا ونصيرًا، فكانت النتيجة أنهم أصيبوا بالنعم الجمة، ولا يمسهم السوء، وأنهم هدوا إلى رضوان الله تعالى 81.
كما قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ?) [آل عمران: 173 - 174] .
الهداية إلى القول الحسن، كما قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ) [الحج: 23 - 24] .
4.الوقاية من المكر الذي يحيكه الكفار.
كما في قصة مؤمن آل فرعون.
ثانيًا: الجزاء في الآخرة:
4.الهداية إلى صراط الحميد، كما ذكرت الآية السابقة.
5.الدخول في الجنة، كما سبقت الإشارة في قصة حبيب النجار.
6.الرضا من الله تعالى، كما في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ) [البينة: 7 - 8] .
وغير ذلك من الفضائل التي تدلل على أن القرآن الكريم بيّن ثمرات أهل السماحة في الآخرة، كما بيّنها في الحياة الدنيا.
موضوعات ذات صلة:
الرحمة، العفو، اليسر
1 مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 99.
2 الصحاح، الجوهري 1/ 376.
3 تهذيب اللغة، الأزهري 4/ 201.
4 انظر: التعريفات، الجرجاني ص 121.
5 اليسر والسماحة في الإسلام ص 7.
6 انظر: الصحاح، الجوهري 2/ 422، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 499.
7 تاج العروس، الزبيدي 6/ 484.
8 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 4/ 56، جمهرة اللغة، ابن دريد 2/ 938.
9 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص 339.
10 انظر: الكليات، الكفوي ص 53، 598.
11 انظر: تاج العروس، الزبيدي 6/ 539.
12 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 457.
13 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 4/ 113.
14 انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي 2/ 23.
15 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/ 60.
16 انظر: لباب التأويل، الخازن 1/ 261.
17 انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 2/ 97، فتح القدير، الشوكاني 1/ 315.
18 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 682.
19 انظر: أسباب النزول، الواحدي ص 83.
20 انظر: نظم الدرر، البقاعي 11/ 258.
21 ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله أن هذا الحديث مرسل، ورجاله ثقات.
انظر: فتح الباري، ابن حجر 12/ 312.
وورد موصولًا في المستدرك للحاكم عن محمد بن عمار عن أبيه رقم 3362 قال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم.
22 أسباب النزول، الواحدي ص 281.
23 الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب 11/ 7001.
24 انظر: التفسير الحديث، محمد عزت دروزة 9/ 358.
25 أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب في السرية ترد على أهل العسكر، 3/ 80، رقم 2751، وابن ماجه في سننه، كتاب الديات، باب المسلمون تتكافأ دماؤهم، 2/ 895، رقم 2683.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، 2/ 1137، رقم 6712.
26 انظر: التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص 188.
27 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 3/ 134، الموسوعة القرآنية، إبراهيم الأبياري 9/ 204.
28 انظر: الاتقان، السيوطي 1/ 110.
29 انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 8/ 4212.
30 انظر: تفسير الشعراوي 2/ 938.
31 انظر: المصدر السابق 4/ 2257.
32 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 7/ 23.
33 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 222.
34 انظر: جامع البيان، الطبري 14/ 584، تفسير السمرقندي 2/ 100، تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم 6/ 1917.
35 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 10/ 353، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/ 137.
36 انظر: أسباب النزول، الواحدي ص 297، لباب النقول، السيوطي ص 130.
37 انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 3/ 263.
38 التحرير والتنوير، ابن عاشور 15/ 305.
39 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 257.
40 انظر: الموسوعة القرآنية، إبراهيم الأبياري 10/ 147.
41 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 22/ 339.
42 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك) ، 6/ 62، رقم 4648، ومسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب قوله: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) ، 4/ 2154، رقم 2796.
وانظر: المحرر في أسباب نزول القرآن، خالد المزيني 1/ 563.
43 انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 1/ 330.
44 انظر: النكت والعيون، الماوردي 3/ 404، تفسير القرآن، السمعاني 3/ 331.
45 انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي 1/ 292، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 7/ 232.
46 انظر: جامع البيان، الطبري 20/ 504، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 15/ 17، إرشاد العقل السليم، أبو السعود 7/ 164.
47 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/ 141.
48 انظر: زاد المسير، ابن الجوزي 4/ 36.
49 انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي 5/ 59، التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي 2/ 231.
50 انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 4/ 562، مدارك التنزيل، النسفي 3/ 214.
51 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 30/ 688، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 19/ 45.
52 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، 1/ 88، رقم 399.
53 انظر: أحكام القرآن، الجصاص 1/ 104، تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 1/ 183.
54 انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 12/ 190.
55 انظر: تفسير القرآن، العز بن عبد السلام 2/ 208، زاد المسير، ابن الجوزي 2/ 593، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 10/ 201، لباب التأويل، الخازن 3/ 107.
56 انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 2/ 178، لباب التأويل، الخازن 2/ 32.
57 زاد المسير، ابن الجوزي 4/ 499.
58 انظر: الصحيح المسبور، حكمت بن بشير بن ياسين 4/ 676، أوضح التفاسير، محمد الخطيب ص 764.
59 انظر: جامع البيان، الطبري 23/ 322، لطائف الإشارات، القشيري 3/ 572.
60 انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 1/ 295، الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، الواحدي 1/ 217.
61 انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 5/ 345.
62 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 10/ 137.
63 انظر: المصدر السابق.
64 انظر: جامع البيان، الطبري 2/ 290، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 2/ 13.
65 انظر: زاد المسير، ابن الجوزي 2/ 91، مفاتيح الغيب، الرازي 13/ 177.
66 انظر: الدر المصون، السمين الحلبي 5/ 218.
67 انظر: الدر المنثور، السيوطي 5/ 278.
68 انظر: لطائف الإشارات، القشيري 2/ 607.
69 انظر: تفسير القرآن، السمعاني 2/ 47، تفسير الراغب 4/ 379، الكشاف، الزمخشري 1/ 643.
70 انظر: السبعة في القراءات، ابن مجاهد ص 245، المبسوط في القراءات العشر، ابن مهران الأصبهاني ص 186.
71 انظر: معاني القراءات، الأزهري 1/ 334، الحجة في القراءات السبع، ابن خالويه ص 132، الحجة للقراء السبعة، أبو علي الفارسي 3/ 232.
72 انظر: جامع البيان، الطبري 22/ 297، تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 4/ 263.
73 انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 2/ 162، تفسير السمرقندي 1/ 576.
74 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: (أن النفس بالنفس) ، 9/ 5، رقم 6878، ومسلم في صحيحه، كتاب الأيمان، باب ما يباح به دم المسلم، 3/ 1302، رقم 1676.
75 انظر: جامع البيان، الطبري 17/ 440، أحكام القرآن، الكيا الهراسي 4/ 259.
76 انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 1/ 248.
77 انظر: المصدر السابق.
78 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة النساء، 5/ 244، رقم 3036.
وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي 3/ 226.
79 انظر: جامع البيان، الطبري 7/ 340، الكشف والبيان، الثعلبي 3/ 190.
80 انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 2/ 392.
81 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم 3/ 817.