الصلوات الخمس هن فرض الله تعالى على عباده، وعماد هذا الدين، وقد جاء في الصحيح (أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس، يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وصيام رمضان قال: هل علي غيره؟ قال: لا، إلا أن تطوع، قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق) 75.
وقد ذكرت الصلوات المفروضة في القرآن الكريم في أكثر من موضع، من ذلك قول المولى عز وجل: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) } [البقرة:238] .
وفي الآية أمر بالمحافظة على إقامة تلك الصلوات، وقد ذكر الطبري أن المقصود بالصلاة الوسطى هي صلاة العصر 76، وتخصيصها لأنها في وقت راحة الناس وقد يغفل عنها أو يسهو عن وقتها بعض الناس، أو لفضلها 77.
وقيل: هي صلاة الصبح؛ لأن القنوت المذكور في آخر الآية لا يكون إلا في صلاة الصبح 78، أو هي صلاة الظهر، لكن الأظهر أنها صلاة العصر؛ لأن قبلها صلاتي نهار وبعدها صلاتي ليل؛ لذلك وصفت بالوسطى 79.
وقد نص القرآن الكريم على صلاة العشاء والفجر في قوله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} [النور:58] .
وجاء الأمر بإقامة الصلاة لدلوك الشمس وغسق الليل والفجر في قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) } [الإسراء:78] .
وفي دلوك الشمس تأويلان:
الأول: أن دلوكها هو غروبها فتكون الصلاة المقصودة هي صلاة المغرب.
والثاني: زوالها فتكون المقصودة هي صلاة الظهر.
وفي غسق الليل تأويلان، أنها صلاة المغرب، أو صلاة العشاء 80.
ولا يلزم كثير من الترجيح في هذا الجانب؛ فالمؤمن يحافظ على جميع الصلوات، ويجتهد في استرضاء المولى عز وجل بإخلاص التوجه إليه في كل الفرائض، فكلها طاعة وبركة وبأدائها دون انتقاص يحصل الرضا والغفران ودخول الجنان.
ثانيًا: صلاة الجمعة:
ليوم الجمعة وصلاتها خصوصية وفضل عظيم، وقد أمر الله عباده بالامتناع عن البيع والشراء والانشغال بالدنيا إذا بدأت صلاة الجمعة وذلك حتى انتهائها.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) } [الجمعة:9 - 10] .
وفي الآية نادى الله عباده بصفة الإيمان، لتحريك الإخلاص في قلوبهم، ولتحريضهم على المسارعة إلى صلاة الجمعة، إذ يلزم المؤمن القوي أن يكون مطيعا لما يأمره خالقه به، والنداء الوارد هو الأذان الخاص بصلاة الجمعة، والسعي المأمور به في الآية هو الاجتهاد في الذهاب إلى الصلاة دون إفراط في السرعة 81؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي قتادة، قال: (بينما نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة رجال، فلما صلى قال: ما شأنكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة؟ قال: فلا تفعلوا إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) 82.
وصلاة الجمعة هي الصلاة التي يجتمع فيها المسلمون كل أسبوع ليشهدوا خطبتها، ويستنيروا ببركتها، ولعظمتها ومكانتها أقسم بها المولى عز وجل في قوله تعالى: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) } [البروج:3] .
فالشاهد -على الراجح- هو يوم الجمعة، والمشهود هو يوم عرفة 83.
قال الشنقيطي: «ففي كل منهما نداء، وأذان الحج صلاة وسعي وإتيان وذكر لله، ثم انتشار وإفاضة مما يربط الجمعة بالحج في الشكل وإن اختلف الحجم، وفي الكيف وإن تفاوتت التفاصيل، وفي المباحث والأحكام كثرة وتنويع من متفق عليه ومختلف فيه، مما يجعل مباحث الجمعة لا تقل أهمية عن مباحث الحج، وتتطلب عناية بها كالعناية به» 84.
وقد أمر الله تعالى بترك البيع في وقت صلاة الجمعة، والبيع هو صفقة سريعة رابحة محببة إلى قلب البائع، وخص البيع دون الشراء؛ لأن البائع يبيع راغبًا منتظرًا للمال أما المشتري فقد يشتري وهو كاره، ومن السهل أن يؤجل الشراء، فالحق سبحانه حينما يأمرنا بترك البيع -على سرعة إتمامه غالبًا- فترك غيره من الأعمال أولى 85.
ثالثًا: صلاة الجماعة:
أمر القرآن الكريم بصلاة الجماعة في عدة مواضع، منها قول الله عز وجل: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء:102] .
فقد تحدثت الآية الكريمة عن صلاة الخوف، وتضمنت أمرا مباشرا بتأدية صلاة الجماعة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء الأمر له عليه السلام بالصلاة مع فئة من المجاهدين، بحيث يكون باقي الجيش في حراستهم، وبعد الانتهاء يأتي من كان في الحراسة للصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك يعني أهمية صلاة الجماعة، ففي أمر الله بإقامة الجماعة في حال الخوف دليل على أن ذلك في حال الأمن أوجب 86.
وقد استدل بعض العلماء على وجوب صلاة الجماعة بقول المولى عز وجل: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) } [البقرة:43] .
فقد ذكرها ابن عثيمين في فوائد الآية، ولكنه أشار إلى أن الآية قد لا تدل على الجماعة؛ لأنها وردت في قوله تعالى: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) } [آل عمران:43] .
وصلاة الجماعة غير واجبة في حق المرأة 87.
ومما يدل على وجوب صلاة الجماعة ما جاء في الحديث عن أبي هريرة، قال: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى، فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى، دعاه، فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب) 88، وهذا شأن الأعمى، فما بالنا بالبصير!
رابعًا: الصلاة على الميت:
من الدلالات القرآنية على صلاة الميت قول المولى عز وجل: {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83) وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) } [التوبة:83 - 84] .
فقد تحدثت الآيات الكريمة عن المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم للقتال، وأمر الله نبيه عليه السلام ألا يصلي على من مات منهم وألا يتولى وضعه في القبر أو تكفينه 89، وبمفهوم المخالفة هناك دلالة على لزوم الصلاة على المسلم، نحو قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) } [المطففين:15] .
يعني: أن الكفار محجوبون، فدل على أن غير الكفار يرونه وهم المؤمنون، فذلك مثله، وقد وردت أدلة من السنة على صلاة الميت وأجمع عليها الأئمة. 90.
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) 91.
خامسًا: صلاة الخوف:
وردت صلاة الخوف في قول الله عز وجل: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102) } [النساء:102] .
ومعنى الآية: إذا كنت بحضرة العدو وحضرت الصلاة فلتقم فئة من المؤمنين للصلاة معك، وليأخذوا سلاحهم معهم، أو وليأخذ أسلحتهم من بقي بإزاء العدو، فإذا صلوا ركعة فلينصرفوا إلى موضع العدو، وليقفوا هناك ولتأت الفئة التي لم تصل، وكانوا بإزاء العدو فليصلوا معك ركعة أخرى، ولم يذكر في الآية لكل طائفة إلا ركعة واحدة ولكن ذكر في الخبر عن عبد الله بن عمر وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم حين صلى صلاة الخوف صلى بالطائفة الأولى ركعة، وبالطائفة الأخرى ركعة كما ذكر في الآية، ثم جاءت الطائفة الأولى وذهبت هذه الطائفة إلى موضع العدو، حتى قضت الطائفة الأولى الركعة الأخرى وسلموا، ثم جاءت الطائفة الأخرى، وقضوا الركعة الأولى وسلموا، حتى صارت لكل طائفة ركعتان، وهذا اختيار الجمهور في صلاة الخوف 92.
واختلف أهل العلم في الأمر بصلاة الخوف هل خص به النبي صلى الله عليه وسلم؟ على قولين: أحدهما: أنه خاص له وليس لغيره من أمته أن يصلي في الخوف كصلاته؛ لأن المشركين عزموا على الإيقاع بالمسلمين إذا اشتغلوا بصلاتهم، فاطلع الله نبيه على سرائرهم وأمره بالتحرز منهم، والقول الثاني: أن ذلك عام للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره من أمته إذا كان على مثل حاله في خوفه؛ لأن ذكر السبب الذي هو الخوف يوجب حمله عليه متى وجد كما فعل الصحابة بعده حين خافوا وهو قول الجمهور 93.
سادسًا: صلاة السفر:
ذكرت صلاة السفر في مواضع عدة من القرآن الكريم، من ذلك قول المولى عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43) } [النساء:43] .
وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) } [المائدة:6] .
والآيات فيها دلالة صريحة على وجوب أداء الصلاة في حالة السفر، سواء توضأ بالماء حال وجوده، أو تيمم بالتراب، ولا يعفى من الصلاة أحد يعقل، وإنما يتاح للمسافر أن يقصر الصلاة تخفيفًا عنه؛ لأن السفر مظنة المشقة.
قال السرخسي: «والقصر في السفر في الظهر والعصر والعشاء؛ لأن القصر عبارة عن سقوط شطر الصلاة، وفي هذه الصلاة بعد سقوط الشطر تبقى صلاته كاملة بخلاف الفجر، فإن بعد سقوط الشطر منها لا يبقى إلا ركعة وهي لا تكون صلاة تامة، وكذلك في المغرب بعد سقوط شطر منها لا تبقى صلاة تامة؛ فلهذا لم يدخلها القصر، والسنن والتطوع لا يدخلها القصر» 94.
سابعًا: صلاة المريض:
أمر المولى عز وجل بإقامة الصلاة في حال المرض الذي لا يزول معه العقل، أما ما كان معه زوال العقل أو الإغماء فلا صلاة فيه، بدلالة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر) 95.
ودل على وجوب إقامة الصلاة للمريض قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6] .
وقد أجمع أهل العلم على أن من لا يستطيع القيام له أن يصلي جالسًا، فإن عجز عن الصلاة جالسًا فإنه يصلي على جنبه مستقبل القبلة بوجهه، والمستحب أن يكون على جنبه الأيمن، فإن عجز عن الصلاة على جنبه صلى مستلقيًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: (صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب) 96.
ومن قدر على القيام وعجز عن الركوع أو السجود لم يسقط عنه القيام، بل يصلي قائمًا فيومئ بالركوع ثم يجلس ويومئ بالسجود؛ لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] .
ومن لم يقدر على الإيماء برأسه كفاه النية والقول، ولا تسقط عنه الصلاة ما دام عقله ثابتًا بأي حال من الأحوال، ومتى قدر المريض في أثناء الصلاة على ما كان عاجزًا عنه من قيام أو قعود أو ركوع أو سجود أو إيماء، انتقل إليه وبنى على ما مضى من صلاته، ولا يجوز ترك الصلاة بأي حال من الأحوال، بل يجب على المكلف أن يحرص على الصلاة أيام مرضه أكثر من حرصه عليها أيام صحته، فعليه أن يؤديها في وقتها حسب استطاعته، فإن شق عليه ذلك فليجمع، فإذا تركها عامدًا وهو عاقل عالم بالحكم الشرعي مكلف يقوى على أدائها ولو إيماءً فهو عالم، وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى كفره بذلك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) 97.
ثامنًا: صلاة الضحى:
أشار المولى تبارك وتعالى إلى صلاة الضحى في عدة آيات، لما لها من فضل عظيم، قال تعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) } [ص:18] .
والمقصود بالآية هو نبي الله داوود عليه السلام حيث إن الله تعالى سخر الجبال يسبحن معه بالعشي، وذلك من وقت العصر إلى الليل، والإشراق وذلك بالغداة وقت الضحى 98.
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: طلبت صلاة الضحى في القرآن فوجدتها {بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} [ص:18] 99.
وقد ذكر الطبري في تفسيره أن الموعودين بالمغفرة في قوله عز وجل: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء:25] .
هم التائبون أو من يصلون الضحى، فهم الأوابون 100.
وصلاة الضحى سنة مؤكدة عن النبي صلى الله عليه وسلم، بين فضلها في قوله عليه السلام: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) 101.
وقد وصانا بها كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر) 102.
تاسعًا: الركعتان بعد المغرب:
ذكرت ركعتا المغرب في قول المولى عز وجل: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40) } [ق:39 - 40] .
قال مقاتل: « {وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق:40] .
يعني: الركعتين بعد صلاة المغرب، وقتهما ما لم يغب الشفق» 103، وقد قال بذلك كثير من المفسرين 104.
وفي الوقت بعد صلاة المغرب إلى العشاء بركة كبيرة يجب أن يستغلها الإنسان في الطاعات وصلة الأرحام والجلوس في حلقات الذكر وتحفيظ القرآن الكريم والاجتماع بالأسرة وتذكر الله تعالى وتسبيحه إتباعا لأمر الله تعالى وطمعًا في تحصيل مثوبته عز وجل.
عاشرًا: ركعتا الطواف:
ورد ذكر ركعتي الطواف في قول المولى عز وجل: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة:125] .
والمعنى: اتخذوا من مقام إبراهيم مكانًا تصلون فيه بعد طوافكم 105.
قال ابن عاشور: «اتخاذ مقام إبراهيم مصلى كان من عهد إبراهيم عليه السلام ولما جاء الإسلام بقي الأمر على ذلك إلى أن كان عام حجة الوداع أو عام الفتح دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الحرام ومعه عمر بن الخطاب ثم سنت الصلاة عند المقام في طواف القدوم» 106.
«وجمهور أهل العلم على أن ركعتي الطواف لا يشترط في صحة صلاتهما أن تكون خلف المقام، بل لو صلاهما في أي موضع غيره صح ذلك» 107، قال ابن عادل: «وليس للصلاة تعلق بالحرم، ولا بسائر المواضع إلا بهذا الموضع» 108.
الحادي عشر: صلاة العيد:
جاء ذكر صلاة العيد في قول الله عز وجل: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) } [الكوثر:2] .
فالصلاة المذكورة قبل النحر كما قال قتادة: «هي صلاة الأضحى» 109.
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينحر يوم الأضحى قبل الصلاة، فأمره الله تعالى أن ينحر بعدها 110، وهذا جمع عظيم بين العبادة البدنية القلبية والعبادة المالية 111.
وصلاة العيد سنة مؤكدة عن النبي صلى الله عليه وسلم يخرج لها الصغير والكبير والمرأة والرجل، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتخرج العواتق ذوات الخدور - أو العواتق وذوات الخدور -، والحُيَّض فيشهدن الخير ودعوة المسلمين، ويعتزل الحُيَّض المصلى) 112.
ولصلاة العيد ونحره خصوصية عظيمة؛ فقد ذكرا بعد ذكر الله تعالى لنهر الكوثر الذي أعده الله للمؤمنين، وقد من الله تعالى بفضله ثم أمر بالصلاة والنحر، تحفيزًا وحثًا لهم على الطاعة.
قال الرازي: «قال أولا: إنا أعطيناك، ثم قال ثانيا: فصل لربك وانحر، وهذا يدل على أن إعطاءه للتوفيق والإرشاد سابق على طاعاتنا، وكيف لا يكون كذلك وإعطاؤه إيانا صفته وطاعتنا له صفتنا، وصفة الخلق لا تكون مؤثرة في صفة الخالق إنما المؤثر هو صفة الخالق في صفة الخلق» 113.
وفي قوله تعالى: {لِرَبِّكَ} [الكوثر:2] تأكيدٌ وتنبيهٌ على ضرورة إخلاص الصلاة لله تعالى، وكذلك النحر وسائر العمل، وأمر لذوي الألباب بالبعد عن الرياء والتصنع والتظاهر، فهو وحده عز وجل العالم بما في قلوب عباده المجازي لهم بما يستحقون.
الصلاة هي عمود الدين؛ لذلك أمر الله تعالى في كثير من المواضع بإقامتها، فمن ذلك قوله جل وعلا: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) } [البقرة:238] .