فهرس الكتاب

الصفحة 812 من 2431

ومن شكره لعبده: أن من ترك شيئا لله أعاضه الله خيرا منه، ومن تقرب منه شبرا، تقرب منه ذراعا، ومن تقرب منه ذراعا، تقرب منه باعا، ومن أتاه يمشي، أتاه هرولة، ومن عامله، ربح عليه أضعافا مضاعفة. ومع أنه شاكر، فهو عليم بمن يستحق الثواب الكامل، بحسب نيته وإيمانه وتقواه، ممن ليس كذلك، عليم بأعمال العباد، فلا يضيعها، بل يجدونها أوفر ما كانت، على حسب نياتهم التي اطلع عليها العليم الحكيم 43.

وقوله سبحانه وتعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 147] .

أي: مثيبًا موفيًا أجوركم. وأتى بصفة الشكر باسم الفاعل بلا مبالغة؛ ليدل على أنه يتقبل ولو أقل شيء من العمل وينميه، {عَلِيمًا} بشكركم وإيمانكم فيجازيكم. وفي قوله: {عَلِيمًا} ، تحذير وندب إلى الإخلاص لله سبحانه وتعالى. وقيل: الشكر من الله إدامة النعم على الشاكر 44.

سادسًا: من صور شكره سبحانه وتعالى لعبده:

فالله سبحانه وتعالى يشكر عبده بقوله، بأن يثني عليه بين ملائكته وفي ملئه الأعلى، ويلقى له الشكر بين عباده، ويشكره بفعله، فإذا ترك له شيئًا أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئًا رده عليه أضعافًا مضاعفة.

نماذج من شكره سبحانه وتعالى لعباده:

لما عقر سليمان عليه السلام الخيل غضبًا لله؛ إذ شغلته عن ذكره، فأراد ألا تشغله مرة أخرى، أعاضه عنها متن الريح، قال سبحانه وتعالى واصفًا شغل سليمان عن ذكره، ثم عقره للخيل: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} [ص: 31 - 33] .

ثم قال سبحانه وتعالى في تعويضه لسليمان بتسخير الريح: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ} [ص: 36] .

ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها في مرضاته، أعاضهم عنها أن ملكهم الدنيا وفتحها عليهم، قال سبحانه وتعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) } [النور: 55] .

وقد حقق لعباده هذا الوعد، ودانت لهم البلاد والعباد، وننتظر متعبدين أن يحقق الله ذلك للمؤمنين في هذا الزمان.

ولما احتمل يوسف الصديق ضيق السجن، شكر له ذلك بأن مكن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، قال سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 56] .

ولما بذل الشهداء أبدانهم له حتى مزقها أعداؤه، شكر لهم ذلك، بأن أعاضهم منها طيرًا خضرًا أقر أرواحهم فيها، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها إلى يوم البعث، فيردها عليهم أكمل ما تكون وأجمله وأبهاه، روى أبو داود بسند حسن عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما أصيب إخوانكم بأحدٍ، جعل الله أرواحهم في جوف طيرٍ خضرٍ، ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهبٍ معلقةٍ في ظل العرش) 45.

ولما بذل رسله أعراضهم فيه لأعدائهم، فنالوا منهم وسبوهم، أعاضهم من ذلك بأن صلى عليهم هو وملائكته، وجعل لهم أطيب الثناء في سماواته وبين خلقه، فأخلصهم بخالصة ذكرى الدار، قال سبحانه وتعالى: {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} [ص: 46] .

ومن شكره سبحانه وتعالى أن العبد من عباده يقوم له مقامًا يرضيه بين الناس، فيشكره له، وينوه بذكره، ويخبر به ملائكته وعباده المؤمنين، كما شكر لمؤمن آل فرعون ذلك المقام، وأثنى به عليه، ونوه بذكره بين عباده، قال سبحانه وتعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} [القصص: 20] .

وكذلك شكره لصاحب (يس) مقامه ودعوته إليه، قال سبحانه وتعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} [يس: 20] .

فهذه من صور شكره لعباده، والصور كثيرة لا يتسع المجال لاستقصائها.

للشكر أنواع ثلاثة، هي: شكر العمل، وشكر الاعتراف، وشكر التحدث.

أولًا: شكر العمل بالطاعة:

قال سبحانه وتعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13] .

أي: اعملوا بالطاعات في حال شكر منكم لله على هذه النعم، ويحتمل أن يكون نصبه على جهة المفعول، أي: اعملوا عملا هو الشكر، كأن الصلاة والصيام والعبادات كلها هي نفسها الشكر؛ إذ سدت مسده 46. وفي الآية دلالة على أن الشكر يكون بالفعل، كما يكون بالقول والنية 47، كما قال الشاعر:

أفادتكم النعماء مني ثلاثةً

يدي ولساني والضمير المحجبا

قال أبو عبد الرحمن الحبلي: الصلاة شكر والصيام شكر، وكل خير تعمله لله عز وجل شكر، وأفضل الشكر الحمد. وعن ثابت البناني قال: كان داود عليه السلام قد جزأ على أهله وولده ونسائه الصلاة، فكان لا تأتي عليهم ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي 48.

وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وأحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى) 49.

ثانيًا: شكر القلب بالاعتراف:

قال السعدي: «الشكر: اعتراف القلب بمنة الله تعالى وتلقيها افتقارًا إليها، وصرفها في طاعة الله تعالى وصونها عن صرفها في المعصية» 50.

ثالثًا: شكر باللسان بالتحدث بالنعمة:

قال سبحانه وتعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11] .

أي: أخبر بما أنعم الله عليك؛ اعترافًا بفضله 51، فإن التحدث بنعمة الله، داع لشكرها، وموجب لتحبيب القلوب إلى من أنعم بها؛ فإن القلوب مجبولة على محبة المحسن 52.

قال ابن القيم رحمه الله:

«في هذا التحديث قولان:

أحدهما: أنه ذكر النعمة والإخبار بها، وقول العبد: أنعم الله علي بكذا وكذا.

قال مقاتل: يعني: أشكر ما ذكر من النعم عليك في هذه السورة من الإيواء مع اليتم، والهدى بعد الضلال، والإغناء بعد العيلة. والتحدث بنعمة الله شكر، كما في حديث جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (من صنع إليه معروفٌ، فليجز به، فإن لم يجد ما يجزي به، فليثن عليه، فإنه إذا أثنى عليه، فقد شكره، وإن كتمه، فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط، كان كلابس ثوبين من زور) ٍ 53.

فذكر أقسام الخلق الثلاثة: شاكر النعمة المثني بها، والجاحد لها، والكاتم لها، والمظهر أنه من أهلها وليس من أهلها. فهو متحلٍ بما لم يفعله، قال النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر: (من لم يشكر القليل، لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس، لم يشكر الله. التحدث بنعمة الله شكرٌ، وتركها كفرٌ) 54.

والقول الثاني: أن التحدث بالنعمة المأمور به في هذه الآية، هو الدعوة إلى الله، وتبليغ رسالته، وتعليم الأمة. قال مجاهد: هي النبوة. وقال الزجاج: أي: بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك الله.

وقال الكلبي: هو القرآن، أمره أن يقرأه على الناس.

والصواب: أنه يعم النوعين، إذ كل منهما نعمة مأمور بشكرها، والتحدث بها، وإظهارها من شكرها» 55.

أخبر الله في كتابه أن الشكر من عباده قليل، وأن الشاكرين لنعمه قليل.

أولًا: الشكر قليل:

ورد في كتاب الله آيات تدل على أن الشكر قليل من العباد.

منها: قوله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الأعراف: 10] .

يقول جل جلاله: ولقد وطأنا لكم -أيها الناس- في الأرض، وجعلناها لكم قرارا تستقرون فيها، ومهادا تمتهدونها، وفراشا تفترشونها، وجعلنا لكم فيها معايش تعيشون بها أيام حياتكم، من مطاعم ومشارب، نعمة مني عليكم وإحسانا مني إليكم، وأنتم قليل شكركم على هذه النعم التي أنعمتها عليكم لعبادتكم غيري، واتخاذكم إلها سواي 56.

والخطاب للمشركين خاصة؛ لأنهم الذين قل شكرهم لله سبحانه وتعالى؛ إذ اتخذوا معه آلهة. ووصف قليل يستعمل في معنى المعدوم، ويجوز أن يكون على حقيقته، أي: إن شكركم الله قليل؛ لأنهم لما عرفوا أنه ربهم فقد شكروه، ولكن أكثر أحوالهم هو الإعراض عن شكره، والإقبال على عبادة الأصنام وما يتبعها، ويجوز أن تكون القلة كناية عن العدم على طريقة الكلام المقتصد؛ استنزالا لتذكرهم 57.

ومنها: قوله سبحانه وتعالى: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة: 9] .

وقوله سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ يُحْيِي وَيُمِيتُ تَشْكُرُونَ} [المؤمنون: 78] .

وقوله سبحانه وتعالى: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الملك: 23] .

يخبر سبحانه وتعالى بمننه على عباده الداعية لهم إلى شكره، والقيام بحقه، فقال: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ} ؛ لتدركوا به المسموعات، فتنتفعوا في دينكم ودنياكم، {وَالْأَبْصَارَ} ؛ لتدركوا بها المبصرات، فتنتفعوا بها في مصالحكم، {وَالْأَفْئِدَةَ} التي تدركون بها الأشياء، وتتميزون بها عن البهائم، فلو عدمتم السمع، والأبصار، والعقول، بأن كنتم صمًا عميا بكما، ماذا تكون حالكم؟ وماذا تفقدون من ضرورياتكم وكمالكم؟ أفلا تشكرون الذي من عليكم بهذه النعم، فتقومون بتوحيده وطاعته؟! ولكنكم قليل شكركم، مع توالي النعم عليكم 58.

ثانيًا: الشاكرون قليل:

قال سبحانه وتعالى مبينًا عداوة الشيطان للمؤمنين: {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 17] .

أي: من جميع الجهات والجوانب، ومن كل طريق يتمكن فيه من إدراك بعض مقصوده فيهم، ولما علم الخبيث أنهم ضعفاء قد تغلب الغفلة على كثير منهم، وكان جازما ببذل مجهوده على إغوائهم، ظن وصدق ظنه، فقال: {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} ، فإن القيام بالشكر من سلوك الصراط المستقيم، وهو يريد صدهم عنه، وعدم قيامهم به 59.

ولقد ظن إبليس ظنًا غير يقين أنه سيضل بني آدم، وأنهم سيطيعونه في معصية الله، فصدق ظنه عليهم، فأطاعوه وعصوا ربهم إلا فريقًا من المؤمنين بالله، فإنهم ثبتوا على طاعة الله، قال سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [سبأ: 20] .

ولقد اتبع كثير من الناس إبليس فأضلهم، فلا تجد أكثرهم شاكرين لنعمه الجمة.

قال سبحانه وتعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [البقرة: 243] .

أي: ألم تسمع بهذه القصة العجيبة الجارية على من قبلكم من بني إسرائيل، حيث حل الوباء بديارهم، فخرجوا بهذه الكثرة، فرارًا من الموت، فلم ينجهم الفرار، ولا أغنى عنهم من وقوع ما كانوا يحذرون، فعاملهم بنقيض مقصودهم، وأماتهم الله عن آخرهم، ثم تفضل عليهم، فأحياهم، إما بدعوة نبي، كما قاله كثير من المفسرين، وإما بغير ذلك، ولكن ذلك بفضله وإحسانه، وهو لا يزال فضله على الناس، وذلك موجب لشكرهم لنعم الله بالاعتراف بها وصرفها في مرضاة الله، ومع ذلك فأكثر الناس قد قصروا بواجب الشكر 60.

وأخبر سبحانه وتعالى أنه لذو فضل على خلقه؛ بتركه معاجلة من افترى عليه الكذب بالعقوبة في الدنيا وإمهاله إياه، ولكن أكثر الناس لا يشكرون الله على تفضله عليهم بذلك.

قال سبحانه وتعالى: {وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ} [يونس: 60] .

وأخبر سبحانه وتعالى أنه تفضل على عباده بنعمة التوحيد والإيمان، ولكن أكثر الناس لا يشكرون.

قال يوسف عليه السلام: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [يوسف: 38] .

وأخبر سبحانه وتعالى أنه وحده هو الذي جعل للناس الليل؛ ليسكنوا فيه، ويحققوا راحتهم، والنهار مضيئًا؛ ليصرفوا فيه أمور معاشهم، ولكن أكثرهم لا يشكرون.

قال سبحانه وتعالى: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ إِلَّا هُوَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [غافر: 61] .

وذمه سبحانه وتعالى الأكثر غير الشاكر دلالة على مدح الأقل الشاكر، الذين قال مثنيًا عليهم: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13] .

أي: قلنا ذلك لآل داود فعمل منهم قليل، ولم يعمل كثير، وكان سليمان من أول الفئة القليلة، والشكور: الكثير الشكر. وإذ كان العمل شكرًا أفاد أن العاملين قليل 61.

وهذا هو واقع البشر؛ لأن توفيقه الشكر نعمة تستدعي شكرًا آخر لا نهاية له؛ ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر 62.

فالشكر من العباد يكون «بقدر الطاقة البشرية هو الواقع وقليل فاعله، وأما الشكر الذي يناسب نعم الله فلا قدرة عليه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها» 63.

وقد سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلًا يقول: اللهم اجعلني من القليل، فقال له عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل: أردت قوله عز وجل: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} ، فقال عمر رضي الله عنه: «كل الناس أعلم من عمر» 64.

ثالثًا: منفعة الشكر عائدة إلى العبد:

قال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} [النمل: 40] .

أي: «ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم، فكل متقرب إلى الله بعمل صالح يجب أن يستحضر أن عمله إنما هو لنفسه يرجو به ثواب الله ورضاه في الآخرة، ويرجو دوام التفضل من الله عليه في الدنيا، فالنفع حاصل له في الدارين 65؛ إذ صان نفسه عن كفران النعمة، وفعل ما هو واجب عليه من شكر نعمة الله عليه» 66.

فالعبد عند شكره لربه «إنما هو محسن إلى نفسه بالشكر، لا أنه مكافئ به لنعم الرب، فالرب تعالى لا يستطيع أحد أن يكافئ نعمه أبدًا ولا أقلها ولا أدنى نعمة من نعمه، فإنه سبحانه وتعالى هو المنعم المتفضل الخالق للشكر والشاكر وما يشكر عليه» 67.

الذي لا يشكر الناس لا يشكر الله، فشكر الإنسان على ما قدم له من إحسان سمت الصالحين، وعدم انتظار الشكر من المحسن إليه صفة الأبرار المتقين:

أولًا: شكر المحسن:

من أحق الناس بالشكر الوالدان؛ ولذلك قرن سبحانه وتعالى بين شكره وشكرهما في كتابه.

قال سبحانه وتعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى أَنْ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14] .

يقول سيد قطب رحمه الله: «وتوصية الولد بالوالدين تتكرر في القرآن الكريم، وفي وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ترد توصية الوالدين بالولد إلا قليلا، ومعظمها في حالة الوأد، وهي حالة خاصة في ظروف خاصة؛ ذلك أن الفطرة تتكفل وحدها برعاية الوليد من والديه، فالفطرة مدفوعة إلى رعاية الجيل الناشئ لضمان امتداد الحياة، كما يريدها الله، وإن الوالدين ليبذلان لوليدهما من أجسامهما وأعصابهما وأعمارهما ومن كل ما يملكان من عزيز وغال، في غير تأفف ولا شكوى، بل في غير انتباه ولا شعور بما يبذلان! بل في نشاط وفرح وسرور، كأنهما هما اللذان يأخذان! فالفطرة وحدها كفيلة بتوصية الوالدين دون وصاة، فأما الوليد فهو في حاجة إلى الوصية المكررة؛ ليلتفت إلى الجيل المضحي المدبر المولى الذاهب في أدبار الحياة، بعد ما سكب عصارة عمره وروحه وأعصابه للجيل المتجه إلى مستقبل الحياة، وما يملك الوليد وما يبلغ أن يعوض الوالدين بعض ما بذلاه، ولو وقف عمره عليهما» 68.

وفي الآية دلالة على وجوب شكر الله على نعمة الإيمان، وشكر الوالدين على نعمة التربية.

وكل من أسدى من الخلق معروفًا استحق الشكر. روى أبو داود بسنده عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه) 69، أي: من أحسن إليكم أي إحسان فكافئوه بمثله، فإن لم تقدروا فبالغوا في الدعاء له جهدكم حتى تحصل المثلية 70.

ثانيًا: عدم انتظار المحسن شكر من أحسن إليه:

أثنى الله على المؤمنين المحسنين إلى خلقه، فقال سبحانه وتعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 8 - 9] .

قال ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهما في قوله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} : على قلته وحبهم إياه وشهوتهم له 71، وقال مجاهد رحمه الله في قوله: {لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} : إنهم لم يقولوا ذلك، لكن علمه الله منهم، فأثنى عليهم ليرغب في ذلك الراغبين 72، ألا ترى أنهم كانوا يطعمون الأسارى، ولا يطمع من الأسارى المجازاة والشكر؛ ليعلم أنهم لم يقصدوا بها إلا وجه الله تعالى والتقرب إليه 73.

إن سبب ما فعله هؤلاء للمحتاجين «الرحمة الفائضة من القلوب الرقيقة الرفيقة، التي تتجه إلى الله تطلب رضاه، ولا تبتغي بها جزاء من الخلق ولا شكرًا، ولا تقصد بها استعلاء على المحتاجين ولا خيلاء، كما تتقي بها يومًا عبوسًا شديد العبوس، تتوقعه وتخشاه، وتتقيه بهذا الوقاء» 74.

تنوعت مجالات الشكر في القرآن الكريم، ومنها:

أولًا: مجال الإيمان:

قال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 19] .

يقول عز وجل: من أراد الآخرة وإياها طلب، ولها عمل عملها الذي هو طاعة الله وما يرضيه عنه، وهو مؤمن مصدق بثواب الله، وعظيم جزائه على سعيه لها، كان عملهم بطاعة الله مشكورا، وشكر الله إياهم على سعيهم ذلك حسن جزائه لهم على أعمالهم الصالحة، وتجاوزه لهم عن سيئها برحمته 75.

فالذي يريد الآخرة لا بد أن يسعى لها سعيها، فيؤدي تكاليفها، وينهض بتبعاتها، ويقيم سعيه لها على الإيمان، وليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، والسعي للآخرة لا يحرم المرء من لذائذ الدنيا الطيبة، إنما يمد بالبصر إلى آفاق أعلى، فلا يكون المتاع في الأرض هو الهدف والغاية، ولا ضير بعد ذلك من المتاع حين يملك الإنسان نفسه، فلا يكون عبدا لهذا المتاع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت