وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيف بكم بزمان يوشك أن يأتي يغربل الناس فيه غربلة -يعني: يذهب خيارهم ويبقى شرارهم-، ثم تبقى حثالة من الناس، قد مرجت عهودهم وأمانتهم، فاختلفوا هكذا -وشبك بين أصابعه- فقالوا: كيف بنا يا رسول الله إذا كان ذلك؟ قال: تأخذون بما تعرفون، وتدعون ما تنكرون، وتقبلون على خاصتكم، وتذرون عوامكم) 140.
ويؤدي ضياع الأمانة في المجتمع إلى تفكك العلاقات، فحينما تفتقد الثقة بين أبناء المجتمع، وتتفشى منكرات القلوب من الغل والبغضاء والتناحر تتفكك العلاقات الاجتماعية، وتكثر مظاهر الخيانة، وإساءة الظن، وإنكار الحقوق، وغلبة الأنانية والفردية، وحب الأثرة، وبذا تنحل قاعدة المجتمع، وتنفصم عراه، وتكثر الإخفاقات، ويحدث التخلف الحضاري للمجتمع، وغياب العزة الإسلامية، وغلبة الذل على المسلمين، وتفرقهم، وتشتتهم وضعفهم اقتصاديًا، وتخلفهم علميًا، ووقوع فئات منهم في الهزيمة النفسية الداخلية؛ مما يسبب ذلك في تشويه صورة الإسلام والمسلمين، وغلبة الكذب والخيانة، والتناقض بين القول والعمل.
وقد صارت الأمة الإسلامية منذ زمن تعيش مسلسل السقوط والانحدار في إقصاء الأمناء والنصحاء من الحياة، وتملأ الفراغات في القيادات بالخائنين، وأصبح الناس يرون بأم أعينهم في كثير من بقاع العالم الإسلامي أن الأمور توسد إلى غير أهلها، ويؤتمن الخائن، ويخون الأمين، ويغدو الأمناء غرباء، نادرين يشار إليهم، ومع ندرة هؤلاء الأمناء يستبعدون ويولى غيرهم، وذلك من أسباب إضاعة الأمانة، وظهور الخيانة، وهو من علامات الساعة.
والمقصود أن الأمانة رمز السعادة، وعنوان الخير والمحبة؛ ولذا أمر الله بها عباده، وحلى بها ملائكته، وهي من أخص الفضائل والآداب التي يترتب عليها صيانة الأموال والأعراض، وحفظ المجتمع من غوائل الفوضى والفساد، فبين الأمانة والإيمان تلازم، فحيث يكون الإيمان تكون الأمانة، وحيث تكون الأمانة يكون الإيمان.
وإن القيام بأداء الأمانات فيه حفظ المجتمع من الزوال، وحفظ الأفراد من حلول العذاب، وبه يسود السلام، ويعم الأمن، وتنتشر الطمأنينة والسعادة في المجتمع، ولا يتسنى تعميق روح الأمانة في أفراد المجتمع، والوقاية من الخيانة إلا في ظل التقوى والإيمان، والالتزام الديني والأخلاقي.
وإن التزام الجميع بخلق الأمانة علامة على مكامن القوة في المجتمع، وإن تضييع الأمانة، وتوسيد الأمر إلى غير أهله علامة على مكامن الضعف والتفرقة وضياع طاقات ومقدرات الأمة؛ ولهذا فنحن في أمس الحاجة إلى التذكير بها في مجتمعاتنا المعاصرة.
لاشك أن الصدق والأمانة في المعاملات سبب لحصول الرزق وبركته، وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق 2 - 3] .
فرتب على التقوى التي أساسها الصدق وأداء الأمانة في المعاملة التيسير، والخروج من كل ما ضاق على الناس، وفتح أبواب الرزق، وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما) 141.
وإنما كان الصدق والبيان وأداء الأمانة في جميع المعاملات سببًا للبركة وتيسير أبواب الرزق لأمرين مهمين:
أحدهما: وعد الله ووعد رسوله، والله لا يخلف الميعاد، أن من سلك الطرق التي أمر بها، وتجنب ما نهى عنه، بارك الله له في سعيه، ورزقه من حيث لا يحتسب، وفتح له من خزائن جوده وكرمه، ما لا يناله الناس بسعيهم وجدهم وحذقهم، وهذا أمر رباني، وجزاء إلهي، مشاهد معلوم بالتجربة.