فهرس الكتاب

الصفحة 1764 من 2431

كله من عظمته عليه الصلاة والسلام.

وقوله: {عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ} أي: عند صاحب العرش وهو الله جل وعلا، فذو العرش هو الله.

وقوله: {مَكِينٍ} أي: ذو مكانة، أي أن جبريل عند الله ذو مكانة وشرف؛ ولهذا خصه الله بأكبر النعم التي أنعم بها على عباده، وهو الوحي.

{مُطَاعٍ ثَمَّ} أي: هناك، فجبريل هو المطاع فمن الذي يطيعه؟ قال العلماء: تطيعه الملائكة؛ لأنه ينزل بالأمر من الله فيأمر الملائكة فتطيع، فله إمرة وله طاعة على الملائكة.

{أَمِينٍ} على ما كلف به 97.

ثانيًا: ميكائيل عليه السلام:

وهو الموكل بالقطر والنبات.

قال تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) } [البقرة:98] .

قال ابن كثير في قوله تعالى: {وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} : «وهذا من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة، ثم خصصا بالذكر؛ لأن السياق في الانتصار لجبريل وهو السفير بين الله وأنبيائه، وقرن معه ميكائيل في اللفظ؛ لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوهم وميكائيل وليهم، فأعلمهم أنه من عادى واحدًا منهما فقد عادى الآخر وعادى الله أيضًا، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، ذاك بالهدى وهذا بالرزق» 98.

وأما ابن عثيمين يقول في هذه الآية: «وقوله تعالى: {وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} معطوف على قوله تعالى: {وَمَلَائِكَتِهِ} من باب عطف الخاص على العام، وعطف الخاص على العام يدل على شرف الخاص؛ فجبريل موكل بالوحي من الله إلى الرسل.

و {وَمِيكَالَ} هو ميكائيل الموكل بالقطر والنبات وخص هذين الملكين؛ لأن أحدهما موكل بما تحيى به القلوب وهو جبريل؛ والثاني موكل بما تحيى به الأرض وهو ميكائيل» 99.

وفي الآية دليل على مكانتهم وفضلهم، وهما من رؤساء الأملاك، كما قال ابن القيم: ورؤساؤهم الأملاك الثلاثة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل 100.

وكان النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) 101.

فتوسل إليه سبحانه بربوبيته العامة والخاصة لهؤلاء الأملاك الثلاثة الموكلين بالحياة، فجبريل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل موكل بالقطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الخلق بعد مماتهم، فسأله رسوله بربوبيته لهؤلاء أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، لما في ذلك من الحياة النافعة 102.

ثالثًا: مالك عليه السلام:

وهو خازن النار.

قال تعالى: {وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) } [الزخرف:77] .

قال ابن كثير: «وهو خازن النار {لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} أي: ليقبض أرواحنا فيريحنا مما نحن فيه، فإنهم كما قال تعالى: {لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا} [فاطر:36] .

فلما سألوا أن يموتوا أجابهم مالك {قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} » 103.

قال ابن عباس: مكث ألف سنة، ثم قال: إنكم ماكثون 104.

قال السعدي في قوله تعالى {إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} : «أي: مقيمون فيها، لا تخرجون عنها أبدًا، فلم يحصل لهم ما قصدوه، بل أجابهم بنقيض قصدهم، وزادهم غمًا إلى غمهم» 105.

وفي الآية لطائف:

الأولى: أن عذاب الآخرة ليس كعذاب الدنيا، إما أن يفني وإما أن يألفه البدن، بل هو في كل زمان شديد، والمعذب فيه دائم.

الثانية: أن العذاب في الآخرة لا يفتر ولا ينقطع ولا بأقوى الأسباب وهو الموت، حتى يتمنوه ولا يجابون، كما قال تعالى: {وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف:77] . أي: بالموت.

الثالثة: ذكر في المعذبين الأشقياء بأنه لا ينقص عذابهم، ولم يقل: يزيدهم، وفي المثابين قال: {وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء:173] .106.

رابعًا: ملك الموت عليه السلام:

وهو الموكل بقبض الأرواح.

قال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) } [السجدة:11] .

قال الشنقيطي: «ظاهر هذه الآية الكريمة أن الذي يقبض أرواح الناس ملك واحد معين، وهذا هو المشهور» 107.

وقد سمي في بعض الآثار بعزرائيل 108.

ولم يرد في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن عثيمين: «وقد اشتهر أن اسمه عزرائيل، لكنه لم يصح، إنما ورد هذا في آثار إسرائيلية لا توجب أن نؤمن بهذا الاسم، فنسمي من وكل بالموت بـ (ملك الموت) كما سماه الله عز وجل في قوله: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) } » 109.

قال المراغي في تفسير هذه الآية: «وأصل التوفي أخذ الشيء وافيًا كاملًا، أي: قل لهؤلاء المشركين: إن ملك الموت الذي وكل بقبض أرواحكم يستوفي العدد الذي كتب عليه الموت منكم حين انتهاء أجله، ثم تردون إلى ربكم يوم القيامة أحياء كهيئتكم قبل وفاتكم، فيجازي المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته، وفى هذا إثبات للبعث مع تهديدهم وتخويفهم، وإشارة إلى أن القادر على الإماتة قادر على الإحياء» 110.

فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [الزمر:42] .

وبين قوله: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ} [السجدة:11] .

وبين قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} [الأنعام:61] .

والجواب: أن المتوفي في الحقيقة هو الله تعالى، وملك الموت هو القابض للروح بإذن الله تعالى، ولملك الموت أعوان وجنود من الملائكة ينتزعون الروح من سائر البدن، فإذا بلغت الحلقوم قبضها ملك الموت 111.

وقد جاء في حديث البراء بن عازب الطويل المشهور: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فيه: (أن ملك الموت إذا أخذ روح الميت أخذها من يده بسرعة ملائكة فصعدوا بها إلى السماء) 112.

وقد بين فيه صلى الله عليه وسلم ما تعامل به روح المؤمن وروح الكافر بعد أخذ الملائكة له من ملك الموت حين يأخذها من البدن.

والحاصل: أن حديث البراء المذكور دل على أن مع ملك الموت ملائكة آخرين يأخذون من يده الروح حين يأخذه من بدن الميت 113.

وقال قتادة في تفسير هذه الآية: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} قال: ملك الموت يتوفاكم ومعه أعوان من الملائكة 114.

خامسًا: هاروت وماروت:

وهما ملكان سماهما الله تعالى باسم هاروت وماروت 115.

قال تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) } [البقرة:102] .

قال الماتريدي مبينًا سبب نزول هذه الآية: «والآية في موضع الاحتجاج على اليهود؛ لأنهم ادعوا أن الذي هم عليه أخذ عن سليمان عليه السلام، فإن كان كفرًا فقد كفر سليمان، فأخبر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم: أن سليمان ما كفر، ولكن الشياطين كفروا بما علموا الناس من السحر» 116.

ويبدو من سياق الآية أن الله بعثهما فتنة للناس في فترة من الفترات، وقد نسجت حولهما في كتب التفسير وكتب التاريخ أساطير كثيرة، لم يثبت شيء منها في الكتاب والسنة، فيكتفى في معرفة أمرهما بما دلت عليه الآية الكريمة 117.

هاروت وماروت ملكان من ملائكة الله امتحن الله بهما عباده، وكانا بأرض بابل في العراق، يعلمان الناس السحر ابتلاءً من الله لعباده؛ ولهذا كانا ينصحان من يريد تعلم السحر بقولهما: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} .

فينصحانه بأن السحر كفر فلا تتعلمه، فينهيانه عن السحر، وتعليم الملكين امتحانًا مع نصحهما؛ لئلا يكون لهم حجة، فاليهود يتبعون السحر الذي تعلمه الشياطين، والسحر الذي يعلمه الملكان، فتركوا علم الأنبياء والمرسلين وأقبلوا على علم الشياطين، وكل يصبو إلى ما يناسبه، ثم ذكر الله مفاسد السحر {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} .

وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة، وأنه يضر بإذن الله، أي: بإرادة الله، ثم ذكر الله أن علم السحر مضرة محضة، ليس فيه منفعة لا دينية ولا دنيوية، بل هو موجب للعقوبة 118.

والله تعالى قد ييسر أسباب المعصية فتنةً للناس، أي: ابتلاءً وامتحانًا، وتعلم السحر، وتعليمه كفر إذا كان السحر عن طريق الشياطين.

والأسباب وإن عظمت لا تأثير لها إلا بإذن الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} .

وتعلم السحر ضرر محض، ولا خير فيه؛ لقوله تعالى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} فأثبت ضرره ونفى نفعه 119.

سادسًا: إسرافيل عليه السلام:

لم يرد اسم إسرافيل بالقرآن صريحًا، وإنما ورد في السنة في أحاديث صحيحة منها حديث عائشة -السابق- وهو الملك الموكل بالنفخ في الصور، وجاء ذكره في الأحاديث النبوية منها: حديث دعاء قيام الليل السابق. وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه المتقدم هؤلاء الثلاثة من الملائكة مما يدل على فضلهم ومكانتهم وعظمة ما وكل به.

والمشهور عند المفسرين أن إسرافيل عليه السلام موكل بالنفخ في الصور، والصور قرن ينفخ إسرافيل فيه. وقد ورد ذكر الصور في آيات كثيرة منها قوله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون:101] .

وقال تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) } [الزمر:68] .

الأولى فيهلك من في السماوات إلا من شاء الله أن يستثنيهم من الموت بهذه النفخة، ثم ينفخ فيه النفخة الثانية للبعث إلى الحياة بعد الموت 120.

قال القرطبي: «والأمم مجمعة على أن الذي ينفخ في الصور إسرافيل عليه السلام» 121.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنا جبهته، وانتظر أن يؤذن له. قالوا: كيف نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا) 122.

الإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان، لا يتم إيمان العبد إلا به، وقد أخبر الله تعالى في محكم كتابه بأن من كفر بالملائكة فقد ضل، ووصف ضلاله بأنه بعيد.

قال تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء:136] .

وهذا يدل على منزلة الإيمان بالملائكة وأهميته؛ ولذا فقد كلف الله جل وعلا جميع عباده الإيمان بهم والتصديق بوجودهم وبما يقومون به؛ لأن ذلك من جملة عقائد الإيمان التي أمرهم الله بها وفرضها عليهم في محكم كتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم عباد مكرمون، وهذا يدل على فضلهم وشرفهم، فكان لزامًا علينا توقيرهم وعدم أذيتهم لما يقومون به من مهام وأعمال فيها خير وسعادة الإنسان، وسوف يكون حديثنا في هذا المبحث عن الإيمان بوجودهم ووظائفهم، وواجبنا تجاه هذه المخلوقات العظيمة، وذلك في النقاط الآتية:

أولًا: الإيمان بوجودهم ووظائفهم:

إن موقف المؤمن من الملائكة أن يؤمن بوجودهم ووظائفهم جملة وتفصيلًا، فقد كلف الله العباد الإيمان بهم والتصديق بوجودهم؛ لأن ذلك من جملة أركان الإيمان الستة التي لا يصح إيمان العبد ولا يقبل إلا بتحقيقه.

والقرآن مملوء بذكرهم وبأصنافهم ومراتبهم ووظائفهم، حتى إن سورة (فاطر) تسمى بسورة الملائكة 123، وسميت بعض السور بصفاتهم وأعمالهم المنوطة بهم؛ كالصافات، والمرسلات، والنازعات.

والله سبحانه تارة يقرن اسمه باسمهم في كتابه، ويجعل الإيمان به مستلزمًا للإيمان بهم، وأن البر لا ينال إلا بالإيمان بهم حيث يقول سبحانه: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ} [البقرة:177] .

وتارة يبين أن الرسول ومن آمن معه مؤمنون مصدقون بما أنزل إليهم من ربهم ومن ذلك الإيمان بالملائكة.

قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة:285] .

وتارة يقرن شهادته بشهادتهم لبيان عظم شهادتهم فيقول سبحانه: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ} [آل عمران:18] .

والسنة مثل القرآن مليئة بأخبارهم وأحوالهم، ومن ذلك: حديث جبريل المشهور وفيه: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر) 124.

وقد حكم الله بكفر من أنكرهم وجحدهم، وجعل الكفر بهم كفرًا به سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء:136] .

فالإيمان بهم بالتفصيل: هو أن نؤمن بمن سمي لنا منهم كجبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، ومالك، وهاروت وماروت.

ونؤمن بما ذكر من أصنافهم كحملة العرش، وخزنة الجنة والنار والزبانية، نؤمن بوظائفهم الموكلة بهم، ونؤمن بصفاتهم الحميدة وأفعالهم الرشيدة، وهذا كله دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة التي مرت معنا في المباحث السابقة.

وأما من لم يرد ذكرهم في الكتاب والسنة الصحيحة فنؤمن بهم بصورة إجمالية، وهو معتقد أهل السنة والجماعة وسائر من ينتسب إلى الإسلام، ولم يخالف في وجودهم إلا الفلاسفة وغلاة المبتدعة 125.

ونؤمن بأن ليس لهم من علم الغيب من شيء: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء:26 - 28] .

وقال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن:26] .

والإيمان بهم من جملة الإيمان بالغيب بالنسبة لعامة الناس، أما بالنسبة للأنبياء والمرسلين فهو غيب نسبي، غيب فيمن لم يشاهدوا من الملائكة في العالم العلوي وغيرهم، وإيمان بالشهادة فيمن شاهدوا كجبريل عليه السلام، أو غيره من الملائكة، ويقاس على الأنبياء في هذا من ورد به النص: كمريم عليها السلام حين رأت جبريل، وتمثل لها بشرًا سويًا، وهذا مثل الإيمان بالمعجزات، فهي بالنسبة لمن شاهدوها إيمان بشيء شاهدوه، وبالنسبة لغيرهم إيمان بالغيب 126.

ثانيًا: تكريمهم:

الملائكة أهل طاعة مطلقة، وأنصح خلق الله وأنفعهم لبني آدم، وعلى أيديهم حصل لهم كل سعادة وعلم وهدى، يستغفرون لمسيئهم، ويثنون على مؤمنيهم، ويدعون لهم، ويعينونهم على أعدائهم 127.

والمؤمن الذي يعبد الله، ويتبع رضوانه لا مناص له من أن يتولى الملائكة بالحب والتوقير، ويتجنب كل ما من شأنه أن يسيء إليهم ويؤذيهم، ومن ذلك 128:

1.البعد عن الذنوب والمعاصي.

فأعظم ما يؤذي الملائكة الذنوب، والمعاصي، والكفر، والشرك؛ ولذا فإن أعظم ما يهدى للملائكة ويرضيهم أن يخلص المرء دينه لربه، ويتجنب كل ما يغضبه؛ ولذا فإن الملائكة لا تدخل الأماكن والبيوت التي يعصى فيها الله تعالى، أو التي يوجد فها ما يكرهه الله ويبغضه، كالأنصاب، والتماثيل، والصور، والكلاب 129.

وقد جاء ما يؤكد على ذلك في الأحاديث الصحيحة منها:

عن أبي طلحة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب، ولا صورة تماثيل) 130.

2.الملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم.

ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فهم يتأذون من الرائحة الكريهة، والأقذار، والأوساخ 131، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أكل من هذه البقلة، الثوم - وقال مرة: من أكل البصل والثوم والكراث- فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) 132.

3.النهي عن البصاق عن اليمين في الصلاة.

نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن البصاق عن اليمين في أثناء الصلاة؛ لأن المصلي إذا قام يصلي يقف عن يمينه ملك، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكًا، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه فيدفنها) 133.

ثالثًا: موالاة الملائكة كلهم:

وعلى المسلم أن يحب جميع الملائكة، فلا يفرق في ذلك بين ملكٍ وملك؛ لأنهم جميعًا عباد الله عاملون بأمره، تاركون لنهيه، وهم في هذا وحدة واحدة، لا يختلفون ولا يفترقون، فمن عادى واحدًا منهم فقد عادى الله وجميع الملائكة.

قال تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) } [البقرة:98] 134.

وقد بينا فيما سبق أن سبب نزول هذه الآية كان جوابًا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل ولي لهم 135.

قال أبو الطيب في هذه الآية: «فالعداوة من العبد هي صدور المعاصي منه لله تعالى والبغض لأوليائه، والعداوة من الله للعبد هي تعذيبه بذنبه وعدم التجاوز عنه والمغفرة له، قال الكرماني: وقدم الملائكة على الرسل، كما قدم الله على الجميع؛ لأن عداوة الرسل بسبب نزول الكتب، ونزولها بتنزيل الملائكة، وتنزيلهم لها بأمر الله، فذكر الله ومن بعده على هذا الترتيب، وإنما خص جبريل وميكائيل بعد ذكر الملائكة؛ لقصد التشريف لهما والدلالة على فضلهما» 136.

فعلينا أن نشعر بوجود هؤلاء الملائكة الكرام الذين هم معنا يكتبون الأعمال، والأقوال ويحفظونها.

قال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) } [الانفطار:10 - 12] .

وعلينا أن نجلهم ونوقرهم ونكرمهم ونستحي منهم، فالملك ضيف الإنسان وجاره، والإحسان إلى الجار، وإكرام الضيف من لوازم الإيمان، والملائكة المرافقون للإنسان أكرم ضيف وأعز جار 137، فهم عنوان خير وبركة عند نزولهم الأرض، فلنغتنم هذه الأوقات والمناسبات بالأعمال الصالحة؛ رجاء بركتهم.

قال تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5) } [القدر:3 - 5] .

قال المراغي: هذه الليلة تحفها الخير بنزول القرآن، وشهود ملائكة الرحمن، ليلة كلها سلامة وأمن، من مبدئها إلى نهايتها 138.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت