وأما الكفار فيطفئ نار حربهم، وحقد قلوبهم بإلقاء الرعب في قلوبهم، فتكون هزيمتهم من داخل قلوبهم، كما قال عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (2) } [الحشر:2] .
3.خذلان الله تعالى للمفسدين في الأرض.
إن الله تعالى لا يرضى تسلط المفسدين على أوليائه المؤمنين، فيتولى بنفسه الدفاع عنهم، فيرد كيد عدوهم فيبوء بالخيبة.
قال تعالى: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) } [الأحزاب:25] .
فبعد أن يطفئ نارهم ويتشتت أمرهم، وتظهر خفايا قلوبهم لا تراهم إلا أذلاء مستضعفين منحسرين.
4.نصر الله تعالى لأوليائه.
تكفل الله عز وجل بنصر أوليائه فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47) } [الروم:47] .
ومع ذلك فقد تكون للمفسدين كرة على المؤمنين، عقوبة للمؤمنين لتقصير في طاعة، أو تركهم الأخذ بأسباب القوة، فيسلط الله عليهم عدوهم ليعودوا لدينهم، فإن عادوا رد كيد عدوهم وإطفاء ناره.
قال تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء:141] .
وخلاصة القول: أن الله تعالى يتصدى لأعدائه بذاته القدسية، فيبطل كيدهم، ويطفي نيران باطلهم، ويشتت كلمتهم، فلا يكادون يجمعون على أمر إلا ويجعل الله فيه مفسدة تعود عليهم، فتكون لظى نارهم سببًا في حرق قلوبهم.
ومن لطائف القول في هذا الشأن أن يهود كانت تتوعد أهل المدينة من الأوس والخزرج قبل أن يلتقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيقولون: إن نبيًّا سيبعث، وقد أطل زمانه، سنتبعه، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم نفرًا من أهل المدينة في الموسم، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله إنه للنبي الذي توعدكم به اليهود، فلا تسبقنكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه، وصدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام 31.
فكان توعد اليهود لأهل المدينة يشعل في قلوبهم نار الخوف من مستقبل لا يبشر بخير، فجعل الله من هذا التهديد سببًا لسرعة قبول أهل المدينة لدعوته صلى الله عليه وسلم قبل أن تسبقهم يهود إليه، فآمنوا به، فأطفأ الله نار الخوف من قلوب أهل المدينة، ورد كيد اليهود إلى نحرهم.
-الكافرون والملحدون والمنافقون ومن عاونهم أعلنوا الحرب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، والله أعلن الحرب عليهم، وأعدّ لهم عذابًا أليمًا في الدنيا والآخرة، وبيان ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: المحاربون لله تعالى ولرسوله:
قال تعالى: (چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گگ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں) [المائدة:33] .
يفهم سياق قوله تعالى: (? ? ?) في الآية الكريمة على المعنى المجازي، فالله عز وجل لا يحارب كما يحارب الناس بعضهم بعضًا، لذا فإنه يطلق لفظ المحاربين لله ورسوله على صنفين من الناس، يمكن بيانهما كما يأتي:
الأول: الذين يخرجون من ديارهم مجاهرين بحمل السلاح لقطع الطريق والإفساد في الأرض، أو الخروج على السلطان المسلم، الذي يحتكم إلى شريعة الله 32.
فهؤلاء محاربون لله ورسوله، لمّا كان فعلهم هذا مخالفًا لما جاءت به شريعة الله، فسموا محاربين تشبيهًا لهم بالمحاربين من الناس 33.
الثاني: الذين يحاربون رسل الله وأولياءه، كما قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک) [الأحزاب:57] .
أي: يؤذون أولياء الله عز وجل، وقد يصح إطلاق لفظ المحاربة لله ولرسوله على من عظمت جريرتهم، وجاهروا بالمعصية، وإن كانوا من أهل الملة 34.
ومما تقدم يمكن القول بأن المحاربين لله ورسوله هم:
-من حملوا السلاح لقطع الطريق، وترويع الآمنين من الناس.
-الخارجون على الإمام المسلم الذي يحكّم شرع الله في رعيته بحمل السلاح داخل البلد وخارجه.
-الحاملون السلاح للصد عن دين الله، والحيلولة دون ممارسة الناس لشعائرهم الدينية والقيام بواجب الدعوة إلى الله.
-من يجاهرون بالمعاصي والذنوب، ويدعون لغير منهج الإسلام الذي هو دين الله في الأرض، وكل من يعتدون على شرع الله بتغييره وتحريفه 35.
ثانيًا: المعاونون للمحاربين لله تعالى ولرسوله:
قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ٹ ٹ ٹ ٹ ? ?) [التوبة:107] .
إن أعداء الله ورسوله يحركون سواد الناس من سفهاء وبسطاء ويغرونهم بالمال ورغد العيش، ليسيروا على نهجهم، ويكونوا تحت أمرهم وطوع إرادتهم، فهؤلاء جميعًا قادة وجند، محاربون لله ورسوله، وهم عند الله ظلمة خاطئون.
قال تعالى: (? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ?) [القصص:8] .
ففرعون من تزعم محاربة الله ونبيه موسى عليه السلام، وهامان قائده، والجند هم الحاشية والرعية الذين كانوا أداة ظلمه وبطشه، جميعهم في ميزان الله خاطئون.
قال الطبري في تفسيره: «إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا بربهم آثمين» 36.
ومعاونة الظالمين والمحاربين لا تتوقف عند تنفيذ أمرهم، بل تتعداه إلى صور كثيرة، نذكر منها ما يأتي:
1.التخابر لصالح المحاربين وإبداء المودة لهم.
قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ?) [الممتحنة:1] .
ففي سياق الآية الكريمة ينهى الله المؤمنين عن التخابر مع الأعداء، المحاربين لله ورسوله، بل ما هو أقل من ذلك وهو إظهار المودة وهي درجة من درجات المحب ورتبه.
وقد بين سبحانه وتعالى أن من يسرّ من المؤمنين إلى المشركين بالمودّة فقد ضلّ، أي: فقد جار عن قصد السبيل التي جعلها الله طريقًا إلى الجنة وسببًا لبلوغها 37.
2.التمهيد للمحاربين وتهيئة المناخ لهم.
قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ٹ ٹ ٹ ٹ ? ?) [التوبة:107] .
فقد قام نفر من المنافقين ببناء مسجدٍ لاستقبال أبي عامر الكافر، الذي كفر بالله، وكذَّب نبيه، ولحق بالروم يحزّب الأحزاب لقتاله، وكتب إلى أهل مسجد الضّرار يطلب منهم تتمة بناء المسجد، وإعداد ما استطاعوا من السلاح لمحاربته صلى الله عليه وسلم، فأمر الله تعالى نبيه بهدم مسجدهم، ووصفهم بالمحاربين، والكاذبين في دعوى إرادتهم الحسنى 38، وهذا بيان واضح، ودليل دامغ على أن كل من يمهد للمحاربين لله هو محارب تجب محاربته، والتصدي له حتى يكف أذاه.
3.موالاة المحاربين.
قال تعالى في بيان منع موالاة أعداء الأمة من اليهود والنصارى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة:51 - 52] .
فمن يوالى المحاربين لله ورسوله كان في صفهم، فهو منهم، قال الزمخشري: لا تتخذوهم أولياء فتنصرونهم أو تستنصرونهم، ثم علل النهي بقوله: (? ? ?) أي: إنما يوالي بعضهم بعضًا لاتحاد ملتهم واجتماعهم في الكفر 39، وهذا أمر من اللّه في وجوب مجانبة المحاربين للأمة والمتربصين بها.
4.الدعاية للفكر الهدام والانحلال الخلقي.
لم تعد الحرب في هذا الزمان مقتصرة على المعارك العسكرية، فقد غدت الحرب الإعلامية والنفسية، ونشر الانحلال الخلقي والتشكيك في دين الله من أهم وسائل الكفار في محاربة الأمة وعقيدتها؛ لذا فإن الذين يسهمون في بث الرذيلة، ومحاربة الفضيلة لا يقل خطرهم عن خطر العسكريين المحاربين للأمة.
وقد حذر الله تعالى من خطر هؤلاء وتوعدهم بالعذاب فقال: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النور:19] .
وقال صلى الله عليه وسلم: (من دعا إلى هدًى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالةٍ، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا) 40.
ثالثًا: جزاء المحاربين لله تعالى ورسوله عليه السلام ومعاونيهم:
إن الله يغضب لدينه أن تنتهك محارمه، ويغضب لأوليائه أن يعتدى عليهم، والمحاربون ظلمة ومعتدون، ينتهكون كل الحرمات، ويؤذون ويقتلون من يأمر بالقسط من الناس، والله تعالى يتولى أولياءه، ويرد عنهم كيد عدوهم، وقد عاقب المحاربين لدينه في الدنيا والآخرة، ويمكن بيان ذلك فيما يلي:
1.العقوبة والعذاب في الدنيا.
إن من نصر الله لأوليائه ودفاعه عنهم أن كتب على عدوهم الهزيمة والعذاب في الحياة الدنيا، وليكون هؤلاء المحاربين لله ودينه عبرة لمن بعدهم.
قال تعالى في حق فرعون: (? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ) [يونس:92] .
وجعل عذابهم بثلاث وسائل يمكن بيانها كما يأتي:
الوسيلة الأولى: إهلاكهم بالسنن الكونية.
قال تعالى: (? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ?) [العنكبوت:40] .
وسنن الله ماضية وباقية في أعدائه المحاربين لأوليائه وشرعه، لا تتبدل ولا تتغير.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحزاب:62] .
الوسيلة الثانية: أخذهم بأيدي المؤمنين
أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمحاربة الكفار والمنافقين ومنازلتهم، والغلظة عليهم، وجعل قتالهم من أعظم العبادات التي يتقرب بها إلى الله تعالى، وجاء السياق القرآني في قتال المحاربين لله على النحو الآتي:
-الأمر بقتال المحاربين لله.
قال تعالى: (ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة:5] .
وبين السمرقندي في تفسيره أن هذه الآية نسخت سبعين آية في القرآن من الصلح، والعهد، والكف، والصبر على الأذى الذي لحق بالمؤمنين من الكفار المعتدين، وأمرت المؤمنين بملاحقتهم وأسرهم، والتشديد عليهم، ورصدهم بكل طريق 41.
وأمر الله المؤمنين بقتالهم لإلحاق الهزيمة بهم والخزي في الدنيا.
قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ?) [التوبة:14] .
-أمر بقتال كافة المحاربين الذين يتربصون بالأمة.
قال تعالى: (? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة:36] .
وقال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة:123] .
وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الجهد، فقاتل أعداء الله، وحمل الصحابة اللواء من بعده، حتى غدى دين الله عزيزًا، وحق في هذه الأمة قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران:110] .
-التكفل بهزيمة المحاربين.
تكفل الله بهزيمة الكفار، وإزهاق أرواحهم وأموالهم، وجعلها حسرة عليهم، قال تعالى: (? ? ? ? ?) [القمر:45] .
(? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک) [الأنفال:36] .
(? ? ? ? ? ? چچ چ چ ?) [آل عمران:12] .
فمجمل الآيات الكريمة يبين أن الهزيمة والحسرة واقعة بمن يحاربون الله ورسوله، رغم كثرة أموالهم وعددهم وعدتهم.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑڑ ک ک ک) [آل عمران:196 - 197] .
-إقامة الحد على المحاربين.
قال تعالى: (چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گگ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں) [المائدة:33] .
فهذ عقوبة رادعة لكل من يعلن الحرب على الله ورسوله، بالقتل والنفي والقطع حدًّا على جرائمهم، واعتدائهم على الحرمات، وترويع الآمنين.
2.العقوبة يوم القيامة.
وكما توعد الله تعالى أعداءه بالأخذ في الدنيا، توعدهم بعذاب في الآخرة، وآيات القرآن الكريم كثيرة في هذا السياق نجمل بعضها فيما يأتي:
-العذاب العظيم.
قال تعالى: (چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گگ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں) [المائدة:33] .
-العذاب الأليم.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران:21] .
وقال: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الحج:25] .
وقال: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النور:19] .
-العذاب المهين.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المجادلة:5] .
-الخلد في النار.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ?) [التوبة:63] .
-المصير السيّء.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ?) [النساء:115] .
-الحسرة والندم.
قال تعالى: (? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک) [الأنفال:36] .
أمرنا الله سبحانه وتعالى بالإعداد والتجهيز بكل ما نستطيع من قوة مادية ومعنوية لنرهب به عدو الله، ونكون أشداء على الكافرين والمنافقين، وحثنا على الشورى فيما بيننا، والتوكل على الله، وما النصر إلا من عند الله، وبيان ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: إعداد القوة المعنوية والمادية:
إن النفس البشرية والفطرة السليمة التي فطر الله عليها هذه النفس لتميل إلى السلم والموادعة، وتعاف من القتال والحروب، وتستشعر ثقلها ومشاقّها، والقرآن الكريم يفصح عن خفايا هذه النفس، وما تحويه من خير وشر، لا ينكر عليها هذا الشعور والإحساس، قال تعالى: (? ? ? ? ? پپ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹٹ ٹ ٹ ? ? ? ?) [البقرة:216] .
فنجد أن القرآن الكريم بدأ في إعداد هذه النفس البشرية للقتال، وقد كان ذلك بالخطوات الآتية:
وفيه مسألتان:
المسالة الأولى: الترغيب في الجهاد:
-الجهاد أفضل الأعمال التي يبتغى بها وجه الله.
جاءت النصوص القرآنية تحث المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، وقد قال الصحابة: لو علمنا أحبّ الأعمال إلى الله لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا فأخبروا بذلك 42 في قوله: (ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الصف:4] .
وقوله تعالى: (ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة:35] .
ففي الآيات بيان أن الجهاد هو أفضل سبيل لنيل مرضات الله والفوز بكراماته 43.
-أمر الله نبيه بتحريض المؤمنين على القتال.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ?) [الأنفال:65] .
أي: بالغ في حثهم على القتال حتى لا يكونوا من الهالكين بعدوان الكافرين عليهم، وظلمهم لهم إذا رأوهم ضعفاء مستسلمين 44، ففي ذلك مصلحة للأمة يجب أن تحرص عليها.
-فضل الله المجاهدين على القاعدين.
قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء:95] .
فالآية فيها ما لا يخفى من بيان فضل المجاهدين.
-الجهاد سبيل النصر والتمكين.
قال تعالى: (ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الصف:10 - 13] .
-الجهاد ينهي الشرك والحروب.
قال تعالى: (? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة:193] .
أي: حتى لا يكون شرك ويكون الدين خالصًا لله، فإن انتهوا عن شركهم فلا تعتدوا على المنتهين، فلا يحسن أن يظلم من تاب وأناب 45.
والأمة اليوم تعيش حالةً من المذلة بسبب تركها للجهاد، فحلت بنا النكبات، ولن يدفع عنا ذلك إلا الجهاد.
-الجهاد سبيل الخلد والفوز بالجنان.
قال تعالى: (گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران:169 - 170] .
روى الإمام مسلم بسنده عن مسروق، قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: (أرواحهم في جوف طيرٍ خضرٍ، لها قناديل معلّقةٌ بالعرش، تسرح من الجنّة حيث شاءت، ثمّ تأوي إلى تلك القناديل، فاطّلع إليهم ربّهم اطّلاعةً) ، فقال: (هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أيّ شيءٍ نشتهي ونحن نسرح من الجنّة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرّاتٍ، فلمّا رأوا أنّهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا ربّ، نريد أن تردّ أرواحنا في أجسادنا حتّى نقتل في سبيلك مرّةً أخرى، فلمّا رأى أن ليس لهم حاجةٌ تركوا) 46.
-الجهاد بالنفس والمال ثمن الجنان.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة:111] .
فالآية ترغب المؤمنين في الجهاد، ببيان فضله، بعد بيان حال المتخلفين عنه، فعبر السياق عن قبول ما بذل المؤمنون من نفس ومال في سبيله عز وجل 47.
المسألة الثانية: الترهيب من القعود عن الجهاد:
-الترهيب من القعود وعدم النفير.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ?) [التوبة:38 - 39] .
أي: إن قعدتم عن إنفاذ أوامر الله، وعلى رأسها نصرة الله ورسوله، فسيهلككم بالعذاب، ويأت بعدكم بقوم آخرين، ليسوا من أصلابكم، وفي ذلك تأكيد الوعيد، والتشديد في التهديد بالدلالة على المغايرة الوصفية والذاتية، المستلزمة للاستئصال للدلالة على شدة السّخط 48.
-التحذير من الغفلة عن السلاح.
قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ گ) [النساء:102] .
ففي قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) يتمنى الكفار لحظة، تغفلون بها عن أسلحتكم ومتاعكم، فيحملون عليكم حملة واحدة، وأنتم منشغلون بصلاتكم عن السلاح والمتاع، فيقتلونكم ويستبيحون عسكركم، فيحذر جل ذكره من الانشغال بالصلاة حال حضورها عن أخذ الحذر والحيطة وترك السلاح والغفلة عنه 49.
وأعداء الأمة اليوم يحرصون على تجريد المسلمين من كل قوة، بعد أن غفلنا عن سلاحنا، وهم قد مالوا علينا، ومزقوا البلاد، واستباحوا المقدسات، وهتكوا الأعراض، وكل ذلك بسبب القعود واجب الجهاد والغفلة عن السلاح.
-التحذير من الوهن والضعف الاستكانة.
قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) } [آل عمران:146] .
«أي: فما فتروا، ولم ينكسر جندهم لأجل ما أصابهم من قتل نبيهم أو بعضهم، وما ضعفوا عن جهاد عدوهم، ولا عن دينهم، وما استكانوا، أي: خضعوا لعدوهم» 50.
وكأنه سبحانه يقول للمؤمنين: هذا هو حال من قبلكم، فلا تكونوا أقل منهم، بوهنكم وضعفكم واستكانتكم.
القعود عن القتال انقياد للشيطان، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) } [آل عمران:155] .
«قيل المعنى: إن الذين تولوا المشركين يوم أحد {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ} استدعى زللهم بإلقاء الوسوسة في قلوبهم {بِبَعْضِ} أي: بشؤم بعض {مَا كَسَبُوا} من الذنوب التي منها مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم» 51.
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: إعداد الجنود جسديًّا.
قال تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) } [البقرة:247] .