قال الشوكاني: «وإني سميتها مريم عطف على إني وضعتها أنثى، ومقصودها من هذا الإخبار بالتسمية: التقرب إلى الله سبحانه، وأن يكون فعلها مطابقًا لمعنى اسمها، فإن معنى مريم خادم الرب بلغتهم، فهي وإن لم تكن صالحة لخدمة الكنيسة فذلك لا يمنع أن تكون من العابدات» 133.
وولدت مريم عليها السلام يتيمة، فقد توفي والدها عمران وهي في بطن أمها حنة بنت فاقوذا، فكانت أمها لا تستطيع تربيتها لكبر سنها، فكان كل شخص يريد أن يحظى بكفالتها؛ إما لأن عمران أبو مريم كان معلمهم ومن درسهم دينهم وذا فضل عليهم، وقيل: لأن أمها قد نذرتها لعبادة الله عز وجل، لذلك حرصوا على التكفل بها، فاتفقوا أن يقفوا على مجرى النهر ويرموا أقلامهم، فمن جرى قلمه على خلاف جري الماء فاليد له، ثم إنه حصل هذا المعنى لزكريا عليه السلام، فصار هو أولى بكفالتها.
قال تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) } [آل عمران:44] 134.
فكفلها زوج خالتها نبي الله زكريا، وكان هذا من رحمة الله بمريم ورعايته لها.
قال تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) } [آل عمران:37] .
وبنى لها زكريا محرابًا في المسجد وجعل بابها في الوسط لا يرقى إليها إلا بسلم، وكان لا يدخل عليها غيره، يأتيها بشرابها وطعامها ودهنها كل يوم، وإذا خرج يغلق عليها سبعة أبواب، وكلما زارها النبي زكريا، وجد عندها رزقًا، فكان يسأل عن مصدر هذا الرزق لأنه هو كافلها، فتقول: هو من عند الله عز وجل 135.
وجاء في فضل مريم عليها السلام: قال أبو هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخًا من مس الشيطان؛ غير مريم وابنها) 136.
ثم جاءت البشارة لمريم باصطفاء الله لها من بين سائر نساء عالمي زمانها.
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) } [آل عمران:42] .
يقول المفسرون: إن في هذه الآية اصطفاء وتطهير، واصطفاء على نساء العالمين، اصطفاء أنه تعالى قبل تحريرها مع أنها كانت أنثى.
وقيل: إن أمها لما وضعتها ما غذتها طرفة عين، بل ألقتها إلى زكريا، وكان رزقها يأتيها من الجنة، وأنه تعالى فرغها لعبادته، وخصها في هذا المعنى بأنواع اللطف والهداية.
وقيل: إنه أسمعها كلام الملائكة شفاهًا، ولم يحصل ذلك لأنثى غيرها، وأما التطهير فلأنه تعالى طهرها عن الكفر والمعصية، وطهرها عن مسيس الرجال.
وقيل: طهرها عن الحيض.
وقيل: طهرك من الأفعال الذميمة.
وقيل: طهرك عن مقالة اليهود وتهمتهم وكذبهم.
وأما الاصطفاء الثاني: فالمراد أنه تعالى وهب لها عيسى من غير أب، وأنطق عيسى حال انفصاله منها حتى شهد بما يدل على براءتها عن التهمة، وجعلها وابنها آية للعالمين 137.
قال عليه السلام: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) 138.
ولما خاطبتها الملائكة بالبشارة لها باصطفاء الله لها، وبأنه سيهب لها ولدًا زكيًا يكون نبيًا كريمًا طاهرًا مكرمًا مؤيدًا بالمعجزات، تعجبت من وجود ولد من غير والد، لأنها لا زوج لها، فأخبرتها الملائكة بأن الله قادر على ما يشاء إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون، فاستكانت لذلك وأنابت وسلمت لأمر الله، وعلمت أن هذا فيه محنة عظيمة لها، فإن الناس يتكلمون فيها بسببه، لأنهم لا يعلمون حقيقة الأمر، وإنما ينظرون إلى ظاهر الحال من غير تدبر ولا تعقل.
قال تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) } [آل عمران:45 - 47] .
فأرسل الله جبريل عليه السلام إلى مريم، فنفخ في جيب درعها، فولجت فيها تلك النفخة، فأنشأ الله منها تلك الروح الزكية، فكان روحانيًا نشأ من مادة روحانية، فلهذا سمى روح الله، وجعله الله أحد أولي العزم من المرسلين أصحاب الشرائع الكبار والأتباع، فلهذا كان من المقربين إلى الله 139.
ثم جاءت إرهاصات الولادة، عندها تمنت الموت؛ وذلك لأنها علمت أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها، بل يكذبونها حين تأتيهم بغلام على يدها، مع أنها قد كانت عندهم من العابدات الناسكات المجاورات في المسجد، المنقطعات إليه، المعتكفات فيه، ومن بيت النبوة والديانة، فحملت بسبب ذلك من الهم ما تمنت أن لو كانت ماتت قبل هذا الحال أو لم تخلق بالكلية 140.
قال عز وجل: {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) } [مريم:23] .
ثم ظهرت عناية الله عز وجل وحفظه لها، وبدأت كرامات الله تتوالى عليها من تيسير الحمل والولادة، وكفاها الناس بمعجزة عيسى عليه السلام.
قال تعالى: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) } [مريم:24 - 26] .
وكانت أولى معجزاته كلامه في المهد بتبرئة أمه.
قال تعالى: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) } [مريم:30] .
وبدأ الناس يقولون إنه ليس ببشر، واعتقدوه الرب، فجاء الرد قويًا من الله عز وجل.
قال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) } [المائدة:17] .
فلو أراد الله أن يهلك عيسى وأمه وجميع الخلق، -لا يقدر عيسى على رد ذلك، فكيف يكون إلهًا وهو لا يقدر على دفع الهلاك عن نفسه- فمن يستطيع أن يدفعه عن مقدوره ومراده 141.
ويقرر الله عز وجل في قوله تعالى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) } [المائدة:75] أن عيسى ابن مريم ما هو إلا رسول كغيره من الرسل، جاء برسالة، وأجرى على يديه المعجزات، وإن كان خلقه من غير أب، فذا آدم خلق من غير أب ولا أم، فهو القادر إذا أراد أمرًا فإنما يقول له كن فيكون، وأمه صديقة، وسميت بذلك: لأنها صدقت بآيات ربها وبكل ما أخبر عنه ولدها عيسى عليه السلام، أو لأنه تعالى لما أرسل إليها جبريل صدقته فوقع عليها اسم الصديقة 142.
ويؤكد الله عز وجل كونه بشرًا بقوله: {كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} .
والمقصود من ذلك: الاستدلال على فساد قولهم، لأنهما كانا محتاجين إلى الطعام أشد الحاجة، والإله هو الذي يكون غنيًا عن جميع الأشياء، فكيف يعقل أن يكون إلهًا 143.
فقد جعل الله عز وجل ولادة عيسى عليه السلام من غير أب آية من آياته، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50) } [المؤمنون:50] .
5.أم يحيى.
ورد ذكر أم يحيى في كتابه العزيز في قوله تعالى: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) } [مريم:5 - 9] .
وهي: أشاع بنت فاقود بن ميل، تزوجها زكريا عليه السلام، ولم تحمل منه، وكانت عاقرًا، وبلغت من العمر كثيرًا حتى انقطع حيضها، وكانت أكبر من أختها 144.
وقد استجاب الله عز وجل دعاء نبيه زكريا عليه السلام، وولدت يحيى عليه السلام، ولما صار له من العمر ثلاث سنين أتاه الله الحكم صبيًا، قرأ التوراة وهو صغير، وقيل: إن أشاع ولدت يحيى عليه السلام قبل ما ولدت مريم عليها السلام عيسى بستة أشهر 145.
ذكر القرآن الكريم مصطلح أمهات المؤمنين، وهو يطلق على زوجات النبي صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (6) } [الأحزاب:6] .
والرسول صلى الله عليه وسلم أب للمؤمنين كما جاء في مصحف أبي بن كعب «وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم» ، فهو يربيهم كما يربي الوالد أولاده، فترتب على هذه الأبوة، أن كان نساؤه أمهاتهم، في التعظيم والاحترام، والإكرام 146.
وعن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: (غارت أمكم) ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت 147.
ولهذه الأمومة آدابها برًا وإحسانًا، ولا يترتب عليها سوى حكم واحد وهو أن زوجات الرسول أمهات المؤمنين، لا يحللن لأحد من بعده، كما قال عز وجل: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا} [الأحزاب:53] .
قال الرازي: «والمعقول في جعل أزواجه أمهاتنا هو أن الله تعالى جعل زوجة الأب محرمة على الابن؛ لأن الزوجة محل الغيرة والتنازع فيها، فإن تزوج الابن بمن كانت تحت الأب يفضي ذلك إلى قطع الرحم والعقوق، لكن النبي عليه السلام أشرف وأعلى درجة من الأب وأولى بالإرضاء، فإن الأب يربي في الدنيا فحسب، والنبي عليه السلام يربي في الدنيا والآخرة، فوجب أن تكون زوجاته مثل زوجات الآباء.
فإن قال قائل: فلم لم يقل إن النبي أبوكم ويحصل هذا المعنى، أو لم يقل إن أزواجه أزواج أبيكم؟ فنقول: لحكمة، وهي: أن النبي لما بينا أنه إذا أراد زوجة واحد من الأمة وجب عليه تركها ليتزوج بها النبي عليه السلام، فلو قال: أنت أبوهم لحرم عليه زوجات المؤمنين على التأبيد، ولأنه لما جعله أولى بهم من أنفسهم والنفس مقدم على الأب» 148.
ولهن فضل ومزية عن بقية نساء المسلمين بنص القرآن الكريم.
قال عز وجل: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) } [الأحزاب:32] .
قال الرازي: «قوله تعالى: لستن كأحد من النساء يعني: فيكن غير ذلك أمر لا يوجد في غيركن، وهو كونكن أمهات جميع المؤمنين وزوجات خير المرسلين، وكما أن محمدًا عليه السلام ليس كأحد من الرجال، كما قال عليه السلام: (لست كأحدكم) ، كذلك قرائبه اللاتي يشرفن به وبين الزوجين نوع من الكفاءة» 149.
وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم عددًا كبيرًا من النساء، خص به دون أمته بجمع أكثر من أربع، والمجمع عليه من أزواجه إحدى عشرة امرأة وهن:
خديجة بنت خويلد، أول زوجة كانت له، ثم عائشة بنت أبي بكر، ثم سودة بنت زمعة، وحفصة بنت عمر بن الخطاب رضى الله عنهما، وزينب بنت خزيمة، وهي من بني عامر بن صعصعه، وأم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية، واسمها هند، وزينب بنت جحش الأسدية من بني أسد بن خزيمة، وأم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية، واسمها رملة، وجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار من بني المصطلق، وميمونة بنت الحارث، وصفية بنت حيي بن الأخطب 150.
قال ابن عبدالبر بعد ذكر المجمع عليه من زوجاته عليه السلام: «فهؤلاء أزواجه اللواتي لم يختلف فيهن، وهن إحدى عشرة امرأة، منهن ست من قريش، وواحدة من بني إسرائيل من ولد هارون، وأربع من سائر العرب. وتوفي في حياته منهن اثنتان خديجة بنت خويلد بن أسد بمكة، وزينب بنت خزيمة بالمدينة، وتخلف منهن تسع بعده صلى الله عليه وسلم.
وأما اللواتي اختلف فيهن ممن ابتنى بها وفارقها أو عقد عليها، ولم يدخل بها، أو خطبها ولم يتم له العقد منها، فقد اختلف فيهن، وفي أسباب فراقهن اختلافًا كثيرًا يوجب التوقف عن القطع بالصحة في واحدة منهن» 151.
وقد جمع العراقي زوجات النبي عليه السلام في أبيات من الشعر، حيث قال 152:
زوجاته اللاتي بهن قد دخل
ثنتا أو احدى عشرةٍ خلفٌ نقل
خديجة الأولى تليها سودة
ثم تلي عائشة الصديقة
وقيل: قبل سودةٍ، فحفصة
فزينب والدها خزيمة
فبعدها هندٌ؛ أي: أم سلمة
فابنة جحشٍ زينب المكرمة'
تلي ابنة الحارث أي: جويرية
فبعدها ريحانة المسبية
وقيل: بل ملك يمينٍ فقط
لم يتزوجها، وذاك اضبط
بنت أبي سفيان وهي رملة
أم حبيبةٍ، تلي صفية
من بعدها، فبعدها ميمونة
حلًا، وكانت كاسمها ميمونة
وابن المثنى معمرٌ قد أدخلا
في جملة اللاتي بهن دخلا
بنت شريحٍ واسمها فاطمة
عرفها بأنها الواهبة
ولم أجد من جمع الصحابة
ذكرها ولا ب أسد الغابة
وعلها التي استعاذت منه
وهي ابنة الضحاك بانت عنه
وغير من بنى بها، أو وهبت
إلى النبي نفسها، أو خطبت
ولم يقع تزويجها، فالعدة
نحو ثلاثين بخلفٍ أثبتوا
ثالثًا: أمهات الصالحين:
ذكر القرآن الكريم بعضًا من أمهات الصالحين، ومن الأمهات الاتي ذكرهن القرآن الكريم:
1.أم مريم.
قال تعالى: {يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) } [مريم:28] .
وذلك عندما حملت مريم، ولم تتزوج، فقال لها قومها: يا أخت هارون، وكان هارون عابدًا من عباد بني إسرائيل، شبهت به مريم في كثرة العبادة، فقيل لها أخته، وقيل: كان أخاها من أبيها، وكان رجلًا صالحًا، وقيل: هو هارون النبي أخو موسى وكانت من ذريته 153، وما كانت أمك وهي حنة بنت فاقوذا، بغية، فأم مريم عليه السلام هي زوجة عمران، وأخت زوجة زكريا عليه السلام، تزوجها عمران، ولم تحمل منه وأسنت، ولم يكن لها ولد فأبصرت يومًا طائرًا يطعم أفراخه، فتحركت لذلك نفسها، واشتاقت للولد، وتمنت أن يكون لها ولد حتى تحن عليه مثل هذا الطائر، فدعت الله أن يرزقها ولدًا، ونذرت أن تجعله لله، فأنجبت مريم، وذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) } [آل عمران:36] .
وقيل: إن عمرها لما ولدت مريم كان ستين سنة، وقيل: إنها توفيت وقد بلغت مريم من العمر عشر سنين 154. والله أعلم.
2.زوجة النبي موسى عليه السلام.
وقد جاء في كتابه العزيز قصة زواجها من نبي الله موسى عليه السلام، وكيف أنه عندما خرج من مصر بعدما قتل القبطي، وقصد مدين.
قال تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) } [القصص:23] .
فتقدم موسى عليه السلام وزاحم القوم وسقى غنم المرأتين ثم جلس تحت ظل شجرة من شدة الحر، وهو جائع، وذلك قوله تعالى: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص:24] .
فرجعت ابنتا شعيب عليه السلام بالأغنام إلى أبيهما سريعًا، فقال لهما: ما أعجلكما، وكانا إذا سقوا أغنامهم يبطئون، قالا وجدنا رجلًا رحمنا وسقى لنا، قال لإحداهما اذهبي فادعيه لي 155.
قال تعالى: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) } [القصص:25] .
فجاءت ابنته إلى موسى ودعته ليكلم أباها، وموسى الذي لا مأوى له، أصبح في ضيافة الشيخ الكبير، فلما رأى منه حسن الدين والخلق.
{قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) } [القصص:27] . فهو لم يحدد له واحدة بل ترك الخيار لموسى عليه السلام، والاتفاق، على أن يخدم موسى الشيخ ثمانى سنين في مقابل زواج ابنته 156.
فلما قضى موسى الأجل أراد العودة إلى مصر، وكانت ليلة باردة فرأى في طريقه نارًا، وقال لامرأته امكثي.
قال تعالى: {إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) } [طه:10] .
ولما عاد موسى عليه السلام من الطور وجد امرأته قد ولدت ابنًا، فحملها إلى مصر، وأقام بمصر يدعو فرعون إلى الإيمان وماتت في حياة موسى عليه السلام 157.
موضوعات ذات صلة:
الأبوة، الأخوة، البنوة، النساء
1 انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص 1076.
2 انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، 15/ 452، الصحاح، الجوهري، 5/ 1863، تاج العروس، الزبيدي، 31/ 230، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، 1/ 27.
3 انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، 15/ 452.
4 المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، 1/ 27.
5 بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 2/ 111، التوقيف، المناوي، ص 62.
6 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 5/ 108.
7 انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، ص 177.
8 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص 444، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص 141.
9 انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص 345.
10 انظر: لسان العرب، ابن منظور، 3/ 467.
11 انظر: التوقيف، المناوي، ص 340.
12 انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص 123.