فهرس الكتاب

الصفحة 1316 من 2431

كما عد الله تعالى الاتصاف بالوفاء بالعهود من الأخلاقيات الملازمة للأبرار، فقال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] .

وقد رفع الله تعالى من قدر خلق الوفاء بالعهد لما له من أهمية بالغة في إعلاء شأن المؤمنين، وإعطاء الصورة المشرقة عن الإسلام، ولكي يعد الوفاء بالعهد من أوجه البر الأمور الآتية:

1.الوفاء بالعهود مع الله تعالى.

والتي في مقدمتها الإيمان بوحدانية الله تعالى في ألوهيته وربوبيته وأسماءه وصفاته، وقد أخذ الله تعالى على بني آدم العهد والميثاق على ذلك، وهذا ما ورد في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى? أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ? قَالُوا بَلَى? ? شَهِدْنَا ? أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَ?ذَا غَافِلِينَ) [الأعراف: 172] .

ويقود هذا العهد العباد إلى الإيمان بوحدانية الله تعالى في ألوهيته وأسمائه وصفاته، وبيان ذلك أن الآية ذكرت إقرار بني آدم عليه السلام جميعًا بربوبية الله تعالى، وتوحيد الربوبية لله تعالى أساس لتوحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية يشمل الاعتقاد بأن الله تعالى هو الذي خلق ورزق وأنعم، وهذا الفضل والإنعام يستوجب الطاعة والانقياد ممن انتفع وتنعم، وبعبارة أخرى فإن الرب جل وعلا الذي خلق العباد ورزقهم وتكفل بجميع شؤونهم ليستحق منهم حسن الطاعة والانقياد وهذا هو جوهر توحيد الألوهية، كما من المعلوم أنه لا يليق لمن اتصف بالألوهية والربوبية إلا أن تكون أسماؤه حسنى، وصفاته صفات كمال، وبهذا يكون الإيمان بالله تعالى مكتمل الأركان، وبالتالي يعتبر من أعمال البر التي تقرب العباد من ربهم جل وعلا.

2.الوفاء بالعهود التي تكون بين المؤمنين والمؤمنين.

وتشمل هذه العهود كافة أنواع التعاملات المشروعة التي يجريها المؤمنون مع بعضهم البعض.

3.الوفاء بالعهود المشروعة التي تكون بين المؤمنين وغير المؤمنين.

والضابط لهذه العقود أن يلتزم بها الكفار، قال تعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 7] .

ويلاحظ من الآية مجيء فاصلتها «إن الله يحب المتقين» جملة تعليلية عللت ما قبلها من تشريع، فتبين بذلك أن الاستقامة على العهود مع الملتزمين بها من غير المسلمين من التقوى التي يحب الله تعالى من اتصف بها.

خلق الصبر من أجمل ما يتصف به العبد المؤمن، وسر جمال هذا الخلق الرفيع يكمن في أمرين، الأول: أن الله تعالى حث عليه وأعد الأجر العظيم لمن اتصف به، والثاني: أن الصبر من أبرز ما اتصف به الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، أما بالنسبة لحث الله تعالى.

فقد قرر سبحانه معيته وتأييده للصابرين، وذلك كما في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] .

وأما بالنسبة لعظم أجر الصابرين قال تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] .

وأما بالنسبة لاتصاف الأنبياء بهذه الصفة الخلقية الرفيعة قال تعالى على لسان رسله عليهم السلام: {وَمَا لَنَا أَلَّا اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [إبراهيم: 12] .

وهذا القول من الرسل لأقوامهم يثبت صبرهم على ما جوبهوا به من قبل أقوامهم ردًا على دعوتهم لهم 60، وحتى يكون الصبر من أعمال البر التي تقرب العبد من ربه جل وعلا لابد من الاتصاف بأنواعه الثلاثة وهي:

1.الصبر على طاعة الله تعالى.

قال تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ? لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ? نَحْنُ نَرْزُقُكَ ? وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى? ?132?) [طه: 132] .

والمعنى واصبر على أدائها على أتم وجه، والمداومة على إقامتها في مواعيدها، والدعوة إليها 61، وينطبق على سائر الطاعات ما ينطبق على الصلاة.

2.الصبر عن المعصية.

ومعلوم أن النفس الأمارة بالسوء والشيطان لا يكفان عن الدعوة لاقتراف ما نهى الله تعالى عنه.

وهذا يتطلب من العبد مجاهدة كبيرة لعدم الانجرار إلى تلك الدعوة، وفي هذا المضمار يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات) 62.

وهذا الحديث يبث الأمل في نفس المؤمن فهو يعلم أن صبره على عدم الانجرار خلف الأهواء والشهوات لن يضيع هباءًا منثورًا، وإنما سيجزيه الله تعالى الجزاء الأوفى على صبره يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

3.الصبر على المحن والمصائب.

وفي هذا المقام يقول الله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157] .

وبشارة الله تعالى للمؤمنين الصابرين تتضمن حسن الثواب في الآخرة.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي، فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده، فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد) 63.

تعود قصة الأمر بإتيان البيوت من أبوابها إلى ما كان يقوم به الأنصار إذا أحرموا من الامتناع عن دخول البيوت من أبوابها، وإذا لزمهم دخول البيوت فإنهم يعمدون إلى ثقب في ظهر البيت فيدخلون من خلاله، ويعدون ذلك من البر.

فنبههم الله تعالى إلى أن ذلك ليس من البر، والبر هو أن يأتوا البيوت من أبوابها سواء أكانوا محلين أو محرمين.

وذلك في قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة: 189] .

وقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: (نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا، لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجلٌ من الأنصار، فدخل من قبل بابه، فكأنه عير بذلك، فنزلت: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} ) 64.

ويفهم من سبب النزول أن البر في تقوى الله تعالى، وطاعته فيما أمر ونهى لا في العدول عن تشريعاته 65.

وقد وضع الإسلام لقبول العمل الذي يبتغى فيه وجه الله تعالى الكريم شرطين أساسيين:

الأول: الإخلاص لله تعالى 66.

وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5] .

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه) 67.

والشرط الثاني: موافقة العمل لما جاء به الشرع.

وفي ذلك يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو ردٌ) 68.

جعل الله تعالى قيام الأمة بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أبرز أسباب خيرتها وأفضليتها على من سواها من الأمم، فقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110] .

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهمة الأنبياء، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التقاعس عن أداء هذه المهمة العظيمة فقال (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم) 69.

وحتى يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم القربات إلى الله تعالى لابد أن تراعى فيه الأمور الآتية:

1.مراعاة أحوال المدعوين أثناء أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.

وقد علم الله تعالى عباد المؤمنين كيف يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يظهر ذلك في عدة مواضع من كتاب الله تعالى منها:

قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ? أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ? فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) [التوبة: 38] .

وتبرز هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قد راعى أحوال المؤمنين عندما أمرهم بالجهاد في سبيله، فالناس يميلون الراحة وعدم الخروج لملاقاة العدو، خصوصًا إذا كانت أوضاع الناس المعيشية في حالة من الرغد والسعة.

وقد نزلت هذه الآية في الحر الشديد حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهز لغزو الروم، فأراد الله تعالى أن يشحذ همم المؤمنين للجهاد في سبيله من خلال بيان أن النعيم الدنيوي الذي يثبطهم عن الخروج للجهاد في سبيل الله تعالى قليل بالنسبة لنعيم الآخرة 70.

وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) [الحجرات: 2] .

تنهى الآية الكريمة المؤمنين عن رفع الأصوات فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الجهر له بالقول كما يجهر الواحد من المؤمنين لغيره من الناس.

ويعبر هذا النهي من الله تعالى لعباده المؤمنين عن مدى المراعاة لأحوالهم فهم على مقربة شديدة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا التقارب إضافة إلى تواضع النبي صلى الله عليه وسلم في معاملته لهم، وطبيعة تعامل المؤمنين مع غيرهم من الناس أثناء محادثتهم قد يؤدي إلى اعتقاد المؤمنين بجواز رفع الصوت فوق مستوى صوته صلى الله عليه وسلم أثناء محادثته، أو الجهر إليه بالقول كما يجهر لغيره من عامة الناس، فجاء التنبيه الإلهي ليحول دون وقوع ذلك الأمر الذي يتسبب في إحباط أعمال المؤمنين الصالحة. 71

2.الحلم والتلطف مع المدعوين خلال أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.

وقد أثنى الله تعالى على رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم لاتصافه باللين في تعامله مع الناس.

فقال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ? وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ? فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ? فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران: 159] .

وبالتالي فلا يكفي الداعية أن يكون حاملًا للحق، وإنما يجب عليه أن يمتلك الوسيلة الحسنة ليقنع الناس بإتيان الحق، وترك الباطل، ومما يمثل لبراعة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في هذا الميدان، موقفه من الرجل الذي بال في المسجد فاجتمع إليه الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم ليزجروه، فينهاهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (لا تزرموه دعوه فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيءٍ من هذا البول، ولا القذر إنما هي لذكر الله عز وجل، والصلاة وقراءة القرآن) 72.

وربما لو لم يتدخل الرسول صلى الله عليه وسلم حينها ليمنع الناس من زجره، لترك الإسلام أو لوقع في نفسه البغض للمسلمين، وهذا مالا يرضي ربنا جل وعلا.

3.الشجاعة والجرأة في قول الحق.

وقد ذكر القرآن الكريم قصصًا لدعاةٍ أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر بكل جرأة وشجاعة فبذلوا في سبيل ذلك الغالي والنفيس، ومن هذه القصص، قصة الرجل المؤمن الذي دعا قومه لاتباع الرسل فقتلوه.

قال تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} [يس: 20 - 27] .

يتضح من الآيات الكريمة أن الرجل المؤمن قد تحلى بشجاعة وإقدام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأمر قومه باتباع الرسل عليهم السلام، وأظهر لهم إيمانه فقتلوه بسبب ذلك، فادخله الله تعالى الجنة. 73

ويستفاد من تلك القصة أنه على الداعية الذي يقوم بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون شجاعًا جريئًا لا يخاف في الله لومة لائم، فيقول الحق مهما كان الثمن لقوله.

يعمد الناس إلى التناجي في حال أرادوا التحدث بكلام لبعض الأشخاص دون غيرهم في جماعة واحدة، ونظرًا للأثر السلبي الذي تخلفه النجوى على المستثنين من سماع الكلام الذي يدور من خلال النجوى فقد وضعت الشريعة الإسلامية ضوابط وآداب تضمن لمن التزمها في نجواه تجنب التأثير السلبي للنجوى، وتتمثل هذه الضوابط والآداب بما يأتي:

1.عدم التناجي إلا بالبر والتقوى.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى? ? وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) [المجادلة: 9] .

وبناءًا على ما جاء في هذه الآية من النهي عن التناجي بالإثم والعدوان، فإن المؤمن لا ينزعج إذا رأى إخوة له يتناجون دون إشراكه في سماع ما يدور بينهم من حديث؛ لعلمه بأن ما يتناجون به خير ليس فيه شيء مما نهى الله تعالى عنه.

2.إذا كانت الجماعة مكونة من ثلاثة أشخاص فلا يتناج اثنان دون الثالث.

قال صلى الله عليه وسلم: (إذا كنتم ثلاثةً، فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس، أجل أن يحزنه) .74

من حكمة الله تعالى أن جعل الإسلام دين جماعة، يظهر ذلك جليًا في النصوص الشرعية الواردة في القرآن الكريم والسنة المطهرة، والتي يتوجه فيها الخطاب للجماعة كالأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وغيرها، وتعزيزًا لذلك أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالتعاون على البر والتقوى، فقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2] .

ويشمل التعاون على البر والتقوى جميع مجالات التعاون في ما أباح الله تعالى اتيانه والتعاون في تأديته كالبناء، وصناعة الأشياء المباحة، وعمل الشركات، وتصنيف الكتب النافعة ونشرها، وغير ذلك.

أثنى الله تعالى على عباده الملازمين للبر في عقائدهم وعباداتهم وأخلاقهم بأنهم صادقون.

فقال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] .

كما أن خلق الصدق من الأخلاق الحميدة التي دعا إليها الله تعالى في كتابه العزيز، وذلك كما في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] .

وأمر الله تعالى المؤمنين بتقواه ولزوم الصدق في النية والقول والعمل فيه دلالة على رفعة منزلة الصدق في أخلاق المؤمنين الأتقياء.

وفي هذا الشأن يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب كذابًا) 75.

والعبد إذا كتب عند الله تعالى من الصديقين لملازمته الصدق في القول والفعل والمعتقد، فإنه يكتب عند الله تعالى مع الذين أنعم عليهم.

قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] .

1.أنعم الله تعالى على البشرية بأن خلق آدم وخلق منه زوجه حواء؛ ليسكن إليها، ويأنس بها، قال تعالى: (ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ?) [الروم: 21] .

كما أنعم الله تعالى على الناس بأن جعلهم يتناسلون ويتكاثرون، قال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [النحل: 72] .

ومن المعلوم أن الله تعالى قد خلق الإنسان ليؤدي مهمة الخلافة في الأرض، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] .

ولأداء هذه المهمة العظيمة لابد للفرد من أن يعمل ضمن الجماعة، ولإيجاد الجماعة لابد من ترابط الأفراد.

وقد ربط الله تعالى بين الأفراد بأمرين أساسيين:

الأول: العبادات.

والثاني: المعاملات.

ومما تتضمنه المعاملات الإسلامية الصلات الاجتماعية التي تقوي الروابط بين مكونات المجتمع، كما لم يغفل التشريع الإسلامي الروابط والصلات التي تربط المجتمع المسلم بغيره من المجتمعات، فشرع أنواع من التعاملات التي تربط المجتمع المسلم بالمجتمعات الأخرى.

وقد جعل الله تعالى البر هو العنوان الرئيس لكافة العلاقات والروابط، سواء أكانت بين الأفراد في المجتمع المسلم، أو كانت بين المجتمع المسلم وغيره من المجتمعات الأخرى، وبيان ذلك فيما يأتي:

أولًا: البر وصلة الرحم:

من فضل الله تعالى على عباده أنه أوجدهم وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، ومن أعظم هذه النعم نعمة الوالدين والأقارب.

وتكمن عظمة هذه النعمة في أن كلًا من الوالدين والأقربين يمثلون الحاضنة التي توفر للإنسان ما يحتاجه من الرعاية التي لا غنى له عنها في أي مرحلةٍ من مراحل حياته.

وبالتالي فينبغي على الإنسان أن يشكر الله تعالى الذي من عليه بهذه النعمة العظيمة، وذلك من خلال أمرين:

الأول: بر الوالدين والإحسان إليهما.

الثاني: الإحسان إلى الأقارب.

أما الأمر الأول وهو بر الوالدين والإحسان إليهما، فقد قال الله تعالى فيه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23 - 24] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت