فهرس الكتاب

الصفحة 1846 من 2431

واهتم القرآن بهذا اللون البلاغي لما له من قوة على النفس البشرية تطغى على انفعالاتها، وتوجه فكرها وتحركه؛ ليستبين التشخيص الحسي للأمر المجرد عبر صور بيانية ذات طابع فني تحقق المقصود؛ من تصحيح للعقائد، وتهذيب للسلوك، واكتساب للأخلاق، والتزام بالنهج الصحيح، بأبلغ معنى، وأوجز عبارة، يتحرك خلالها الفكر لتجلية معانيها، قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43] .

فكان واجبًا على تالي كتاب الله أن يتمعن في أمثاله، ويفهمها، ويعرف المراد الله منها باستخراجه للحكم المقصودة منها، وارتبطت الأمثال بموضوع التفكر في خمس آيات كريمات؛ وذلك لدقة معانيها الخفية التي تتطب جهدًا وتركيزًا؛ لاستبيانها.

فالآية الأولى هي آية سورة البقرة عند قوله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) } [البقرة: 266] .

وهذه الآية جاءت في سياق الحديث عن مجموعة أمثال ساقها الله في موضوع الإنفاق في سبيله، واختلفت أقوال المفسرين في مضرب هذا المثل، فمنهم من يعد أن هذا المثل ضرب للمنفق المرائي 38، ومنهم من يقول: ضرب مثلًا للمرائي بأعماله 39، ومن المفسرين من يعده ضرب للذي عمل بالطاعة في حياته ثم ختمها بعمل سيئ أذهب ما كان يعمل 40.

وأخرج البخاري في صحيحه عن عبيد بن عمير قال: قال عمر رضي الله عنه يومًا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيم ترون هذه الآية نزلت: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} [البقرة: 266] .

قالوا: الله أعلم، فغضب عمر، فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس رضي الله عنه: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، قال عمر: يا أخي قل، ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس: ضربت مثلًا لعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعمل، قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة الله عز وجل، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله» 41.

وقد بدأ هذا المثل باستفهام إنكاري في قوله: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} والود هو محبة الشيء الكاملة مع تمنيه، وجاء بصيغة أحدكم؛ ليدل أن الخطاب فردي لكل إنسان؛ لأن الإنسان أناني بطبعه، ولا يوجد من لا يحب لنفسه أن يمتلك مثل هذه الجنة، والتي وصفها الله سبحانه وتعالى بأعظم صفات الجنان؛ فقد حوت أكرم الشجر من نخيل وأعناب وأكثرهما نفعًا، مياهها تجري أنهارًا، وفيها من كل صنوف الثمار؛ ليأتي بعدها على وصف حال صاحبها بأشد صفات الحاجة والحرص؛ فقد أصابه الكبر، وكان له عيال صغار لا يقدرون على كسب قوتهم، وكانت هذه الجنة مورد رزقهم فعظم حرصه لجني ثمارها، فإذا هم كذلك حتى أصاب الجنة إعصار شديد، وفي جمع الإعصار مع النار معنى آخر: «فلو اقتصر على ذكر الإعصار لكان كافيًا، ولكن لما علم الله سبحانه أن مجرد الإعصار لا تحصل به سرعة الهلاك، كما يحصل إذا كان فيه نار، قال سبحانه: {فِيهِ نَارٌ} [البقرة: 266] .

ثم أخبرنا باحتراقها؛ لاحتمال أن تكون النار ضعيفة لا يقوم احراقها بإطفاء أنهارها، وتجفيف أوراقها وثمارها، فأخبر بإحراقها؛ احتراسًا من ذلك؛ وهذا أحسن استقصاء وأتمه، بحيث لم يبق في المعنى موضع استدراك» 42.

والتفكر في مورد المثل ومضربه يوحي لنا بالتشابه الكبير بين الحالتين من ناحية وجه الشبه، وهو حصول الخيبة في وقت انتظار الحصاد؛ ولهذا قال الحسن: «هذا مثل قل والله من يعقله من الناس شيخ كبير ضعف جسمه، وكثر صبيانه أفقر ما كان إلى جنته، وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا» 43.

وختم الله هذا المثل بالدعوة للتفكر فيما بينه الله من حكم وعبر فيه، ولكي يحسن الناس التفكر في عواقب الأعمال ونتائجها وأسبابها وغاياتها؛ ولهذا سأل عمر عنها من حضره من الصحابة؛ ليثير انتباههم للتفكر فيه.

والمثل الثاني الذي يدعو الله فيه عباده للتفكر في معانيه قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الأعراف: 184] .

وهو مثل خاص بموضوع النبوة، ورد في معرض الحديث عن الذين يكذبون بآيات الله المنزلة على نبيه، فأمر الله الرسول أن يقول لهم أن ما يطلبونه منه ليس في مقدوره، «ولأن أمر الرسالة في خيالهم ينافي البشرية التي حقرها في أنفسهم جهلهم وسوء حالهم وفساد أعمالهم» 44. فنفى عن نفسه قدرة التصرف في خزائن العطاء والإحاطة بالعلم الغيب، وما خفي من أمورهم في المستقبل مما هي من خصائص الإله، ثم نفى خصائص الملك وقدرته على الخوارق مما ليس في إمكان البشر؛ ليبين لهم أن حقيقة الرسالة تكمن في كونه بشرًا أرسل إلى بشر؛ يعايش واقعهم، ويحس بهم، ويكون قدوة وأسوة لهم حتى يلتزموا ما جاءهم به، فهو رسول يتبع ما جاءه من عند الإله العظيم، وإذا بدت هذه الحقيقة فمن أعرض عنها فهو مثل الأعمى، «وهذا تمثيل لحال المشركين في فساد الوضع لأدلتهم وعقم أقيستهم، ولحال المؤمنين الذين اهتدوا ووضعوا الأشياء مواضعها، أو تمثيل لحال المشركين التي هم متلبسون بها، والحال المطلوبة منهم التي نفروا منها؛ ليعلموا أي الحالين أولى بالتخلق» 45.

والمثل الثالث جاء في سورة يونس في قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24] .

وهو مثل ساقه الله بعدما ذكر بغي الناس في الأرض وإفسادهم فيها، وهوان الآخرة في قلوبهم مقابل عظم الدنيا وزينتها عندهم، واستعمل المثل؛ لأنه أبلغ في الوصف وأقرب لإصابة المعنى، وأكثر تأثيرًا في النفوس، فالحديث عن الدنيا والآخرة من الأمور المجردة التي لا يستطيع الإنسان استحضارها أو تصورها، لذلك فالكلام عنها لا يقنع كما يقنع تصويرها بالأرض التي هي بين ناظريهم يوميًا، وهي حقيقة يدركها الكبير والصغير.

واستهل المثل بقصر دورة هذه الحياة الدنيا على دورة حياة النبات بكلمة (إنما) وهي «هنا لتشير إلى أن قصر الحياة الدنيا على هذا المثل المصور لبدايتها ونهايتها، أمر واضح معلوم لا يجوز لذي عقل أن ينكره، فما أشد جهل أولئك الغافلين عن هذه الحقيقة، المطمئنين لهذه الحياة الدنيا» 46.

وتم تشبيه الماء النازل من السماء بالخبرات والنعم النازلة من عند المولى، ووجه الشبه بين الصورتين أن الماء هو سبب حياة النبات، وكانت النعم التي أعطاها الله للناس من مال وجاه وعلم وصحة وشباب هي سبب افتتان الناس بالدنيا، قال ابن عاشور: «شبه به ابتداء أطوار الحياة من وقت الصبا؛ إذ ليس ثمة سوى الأمل في نعيم العيش ونضارته، فذلك الأمل يشبه حال نزول المطر من السماء في كونه سبب ما يؤمل منه من زخرف الأرض ونضارتها» 47.

فاختلط هذا الأمل الناتج عن هذه النعم بحياة الناس، فازدهرت وطاب عيشهم بسرعة، وامتزجت هذه النعم بحياة الناس بحيث لم تعد منفصلة عن حقيقة الدنيا، وبدت مظاهر زينة لها، كاختلاط الماء بالنبات بحيث لم يعد يظهر أمام نضارة النبات.

وقوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فيه وصف لنمو النبات ونضوجه وتكاثره وتنوعه «وذلك؛ لأن التزخرف عبارة عن كمال حسن الشيء، فجعلت الأرض آخذة زخرفها على التشبيه بالعروس إذا لبست الثياب الفاخرة من كل لون» 48. وتزينت؛ لتحلو في عين زوجها، وعظم رجاء أصحاب الأرض فيها، وظنوا أن خيراتها لهم ولن يمنعهم منها أحد، وفي هذا إشارة إلى زخرف الدنيا وملذاتها وبهجتها وتزينها في عين طلابها حتى ظنوا أنه لا حائل بينهم وبين التمتع الدائم بها، ونسوا العمل للدار الآخرة، فلما جاء أمر الله بالهلاك أصبحت كالأرض المحصودة؛ حتى إذا رأيتها كأنها لم تكن ذات بهجة، ما أصاب صاحبها بالحسرة والندامة، ومثلها الدنيا إذا جاء أمر الله بإهلاكها، وقيام القيامة وتغيرت حالها، وتقلبت شئونها، ولم يجد صاحب الدنيا حينئذٍ ما ينفعه، وجملة: {كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ} تشير إلى قصر مدة التمتع بها، ولو كانت في نظر الإنسان طويلة.

لمثل هذه الحكم والعبر ختم الله الآية بالدعوة للتفكر في هذا المثل بعد أن فصل الآيات؛ ببيان مراحل نمو النبات من بداية النشأة إلى عاقبته، فقوله: « {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ} يعني: نبين علامات غرور الدنيا وزوالها؛ لكيلا يغتروا، ونبين بقاء الآخرة؛ ليطلبوها، {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} بأمثال القرآن ويعتبرون بها» 49.

والمثل الرابع الذي ورد بشأنه التفكر هو قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف 175 - 176] .

وهي قصة العالم الذي لم ينفعه علمه وهو مثل «من آتاه الله آياته فكان عالمًا بها حافظًا لقواعدها وأحكامها، قادرًا على بيانها والجدل بها، ولكنه لم يؤت العمل مع العلم، بل كان عمله مخالفًا لعلمه تمام المخالفة فسلبها» 50.

وتشبيه هذا العالم بالكلب؛ لتشابههما في الحال، فالكلب دائم اللهاث في حال الإعياء أو الراحة عادة وطبيعة فيه، يقول الرازي: «وهو مواظب عليه كعادته الأصلية، وطبيعته الخسيسة، لا لأجل حاجة وضرورة، فكذلك من آتاه الله العلم والدين أغناه عن التعرض لأوساخ أموال الناس، ثم إنه يميل إلى طلب الدنيا، ويلقى نفسه فيها، كانت حاله كحال ذلك اللاهث، حيث واظب على العمل الخسيس، والفعل القبيح، لمجرد نفسه الخبيثة وطبيعته الخسيسة، لا لأجل الحاجة والضرورة» 51.

واختيار الكلب للتشبيه؛ لأنه «من أخبث الحيوانات وأوضعها قدرًا، وأخسها نفسًا، وهمته لا تتعدى بطنه، وأشدها شرهًا وحرصًا، ومن حرصه أنه لا يمشي إلا وخطمه 52 في الأرض يتشمم» 53، وبهذا يشبهه العالم الحريص على اتباع هواه واللاهف على الدنيا، وذيلت الآية بالدعوة للتفكر «رجاء أن يتفكروا فيه فيحملهم سوء حالهم، وقبح مثلهم على التفكر والتأمل، فإذا هم تفكروا في ذلك تفكروا في المخرج منه، ونظروا في الآيات وما فيها من البينات بعين العقل والبصيرة، لا بعين الهوى والعداوة، ولا طريق لهدايتهم غير هذه» 54؛ لأن هذا المثل هو أسوأ الأمثال المضروبة والتي لا يطيقها أي بشر.

أما المثل الخامس فجاء في قوله تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21] .

وهو مثل ضربه الله لإيقاظ القلوب الغافلة عن التدبر في معاني كتابه الجليل، يتمثل فيه عظم الجبل وصلابته مع قلة تأثره بما ينزل عليه، يتشقق ويتصدع لما في هذا القرآن من المواعظ وعلو شأنه مقابل إهمال الإنسان له، والغرض منه «توبيخ الإنسان على قسوة قلبه، وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن، وتدبر قوارعه وزواجره» 55.

فالجبل بشموخه وانتصابه يخشع لنزول القرآن عليه، فيذل ويستكين ويخشع، يقول ابن عاشور: «الخشوع: التطأطؤ والركوع، أي: لرأيته ينزل أعلاه إلى الأرض» 56. كما فيه إشارة إلى أن الجبل لو تميز بمكرمة الإنسان في العقل، وأدرك ما في هذا القرآن لتصدع وانهار؛ لشدة عظمته، ما يوحي أن الذي لا يلين قلبه لهذا الذكر هو غير عاقل أبدًا، ولا يختلف عن الأشياء التي لا تعقل، وقد استعمل الله تعالى ملمح الجبل؛ لتظل الصورة ثابتة في الأذهان على مر الزمن لجميع الأجيال، كونها صورة موجودة في كل عصر، وكون حقيقة الإعراض عما في القرآن موجودة في كل زمان.

ثالثًا: أسلوب الاستفهام:

الاستفهام في اللغة: «طلب الإفهام، والإفهام تحصيل الفهم ... وقد يكون الاستفهام لفظًا وهو في المعنى توبيخ أو تقرير» 57.

والاستفهام في القرآن «إنما يقع في خطاب الله تعالى على معنى أن المخاطب عنده علم ذلك الإثبات، أو النفي حاصل فيستفهم عنه، ونفسه تخبره به؛ إذ قد وضعه الله عندها ... ، فإن الرب تعالى لا يستفهم خلقه عن شيء، وإنما يستفهمهم؛ ليقررهم ويذكرهم أنهم قد علموا حق ذلك الشيء، فهذا أسلوب بديع انفرد به خطاب القرآن، وهو في كلام البشر مختلف» 58.

فكل استفهام في القرآن لا يقصد الله به انتظار الإجابة من الناس، بل هو تقرير لما وقر في أنفسهم وعلموه.

وجاء أسلوب الاستفهام في القضايا التي فيها آيات وبراهين ظاهرة للعيان وبادية للعقل، «فلكي يبلغ تأثيرها مبلغه من قلب المخاطب، ويثير عواطفه ورغبته في التفكر والتأمل، جاءت على شكل أسئلة تتحدى فكره وتثير انفعالاته، وتفتح بصيرته أو تعينه على الاستبصار والتعلم بجهده الذاتي ... ؛ لذلك تركت النصوص القرآنية الشريفة مجالًا للمتأمل؛ ليجيب بنفسه عن أسئلة القرآن الكريم، ويكون جوابه مرة من المقدمات البرهانية ... ، وتارة يصل بجوابه إلى النتيجة المطلوبة في الاستدلال أو البرهان؛ ليجد لذة وقناعة» 59.

لذلك استعمل أسلوب الاستفهام الإنكاري عادة كتقريع لأفعال المشركين، وتوبيخًا لهم على أعمالهم، وعدم استخدام عقولهم وتفكرهم في القضايا المطروحة بين أيديهم، وقد ورد مرتين بصيغة {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا} في سورة الأعراف الآية (184) ، وفي سورة الروم الآية (8) ، وورد بصيغة {أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} مرة واحدة في سورة الأنعام الآية (50) ، وجاءت هذه الصيغة الاستفهامية موجهة للمشركين؛ للتفكر في أمور قد عاينوا حقيقتها بأنفسهم، وكانت مدركة لهم، وموصولة بحياتهم، وهي أمور عظيمة بالنسبة لعدم تفكرهم فيها، فآيتا الأعراف والأنعام أثارتا استفهامًا حول قضية الوحي، وإنزاله على الرسول صلى الله عليه وسلم، واستنكرت معاداتهم له.

ففي آية الأنعام جاء الخطاب للرسول؛ ليبين لقومه ماهية رسالته وطبيعة بعثته، فأمره الله أن ينفي لهم ما طالبوه به من معجزات وخوارق، وقرنه بمثل ضربه لبعد الاستواء بين الأعمى والبصير؛ ليدلل على الفرق الشاسع بين من يسمع الحجج فيخضع، وبين من تأخذه العزة بالإثم فيعمى عن رؤية الحق؛ لذا ختم الآية بسؤال على وجه التبكيت والتقريع لعدم تفكرهم واستخدامهم عقولهم بالنظر في أمر النبوة، ولم يكن ينتظر منهم الجواب، فالجواب واضح وضوح الشمس لمن تأمل في صورة الاستواء بين الأعمى والبصير، «فإن قالوا: نعم، كابروا الحس، وإن قالوا: لا، قيل: فمن تبع هذه الآيات الجليات فهو البصير، ومن أعرض عنها فهو الأعمى، ومن سوى بين الخالق وبين شيء من خلقه فهو أعمى العمي؛ ثم أمره بعد الإنكار للتسوية بينهما بأن ينكر عليهم فساد نظرهم وعمى فكرهم بقوله: {أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام: 50] . أي: فيردكم فكركم عن هذه الضلالات» 60.

ومثلها آية الأعراف التي جاءت؛ لتوبيخ الكافرين على اتهام الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنون، قال الطبري: «أولم يتفكر هؤلاء الذين كذبوا بآياتنا، فيتدبروا بعقولهم، ويعلموا أن رسولنا الذي أرسلناه إليهم لا جنة به ولا خبل، وأن الذي دعاهم إليه هو الرأي الصحيح، والدين القويم، والحق المبين» 61.

وورود الاستفهام؛ تعجبًا للطريقة التي ينظرون بها إلى الأمور بها، فهذا الذي ولد منهم وعاش بينهم، وعرفوا حاله، وخبروا معدنه وصفاته ورزانته، ثم يصفونه بالجنون كبرًا وعنادًا: {وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} [الحجر: 6] .

وقال تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ} [الدخان: 14] .

وهو الذي بعث؛ لينذرهم يوم الحساب، ويبين لهم العقاب والعذاب المقدر لكفرهم، «وفي هذا استغباء أو تسفيهٌ لهم بأن حاله لا يلتبس بحال المجنون للبون الواضح بين حال النذارة البينة، وحال هذيان المجنون، فدعوى جنونه إما غباوة منهم بحيث التبست عليهم الحقائق المتمايزة، وإما مكابرة وعناد وافتراء على الرسول» 62.

وفي آية الروم جاء الاستفهام بصيغة التعجب، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} [الروم: 8] .

وهذه الآية وردت في غفلة الناس عن يوم القيامة، والانشغال بالدنيا، قال ابن عاشور: «والاستفهام تعجيبي من غفلتهم وعدم تفكرهم، والتقدير: هم غافلون، وعجيب عدم تفكرهم، ومناسبة هذا الانتقال أن لإحالتهم رجوع الدالة إلى الروم بعد انكسارهم سببين: أحدهما: اعتيادهم قصر أفكارهم على الجولان في المألوفات دون دائرة الممكنات؛ وذلك من أسباب إنكارهم البعث، وهو أعظم ما أنكروه لهذا السبب، وثانيهما: تمردهم على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن شاهدوا معجزته، فانتقل الكلام إلى نقض آرائهم في هذين السببين» 63.

«وجاءت هذه الآية؛ للتدليل على قضية البعث، وهي من أهم قضايا العقيدة التي جاء القرآن يدعو للتفكر في مقدماتها الظاهرة في حياة الناس؛ وذلك بالتفكر في النفس البشرية وغاية وجودها ومحلها بعد نهاية أجلها، ومن بعدها النظر في السموات والأرض، أين سيدرك أن لكل شيء في هذا الوجود نهاية، ويتفطن بعدها إلى حقيقة اللقاء الأخروي والحساب والجزاء، هذه الحقيقة التي يسعى الناس لإنكارها؛ لظنهم الخلود في دار الدنيا؛ لذا قال الألوسي: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا} إنكار واستقباح لقصر نظرهم على ما ذكر من ظاهر الحياة الدنيا مع الغفلة عن الآخرة» 64.

وبهذا يظهر هدف استخدام أسلوب الاستفهام الانكاري كمحرض على التفكر كونه شديدًا على أنفس الكافرين، ويحمل في طياته الإنذار بالوعيد، وبهذا يمنحهم فرصة للتفكر العميق، ثم الإجابة السليمة عن هذه الأسئلة الموجهة إليهم بعدها الاستجابة التلقائية لنداء الفطرة وداعي الحق.

رابعًا: الثناء على المتفكرين:

«اعتمد القرآن أسلوب المدح في إثارة عملية التفكر؛ لأنه أسلوب محبب للنفوس، فالإنسان بطبيعته يحب المدح والثناء والظهور في مظهر حسن خلقًا وخلقًا؛ ليثير إعجاب من حوله، كما أن الإنسان لا يميل إلى الأسلوب المباشر في النصح والإرشاد؛ لأنه يحب دائمًا أن يشعر أنه عندما يأتي فعلًا طيبًا، فإنما يفعل ذلك بدافع داخلي لا بناء على أوامر ونواهٍ» 65. والله تعالى يخاطب النفس على ما جبلت عليه؛ فذلك أدعى للاستجابة؛ لهذا جاء الثناء على المتفكرين من أولي الألباب، هذه الفئة التي استحقت الثناء بجدارة؛ لأنها عملت بوصايا ربها، فوصلت إلى أعلى منازل السالكين إليه، فكانت بحق قدوة وجب التأسي بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت