فهرس الكتاب

الصفحة 613 من 2431

وانظر في قصة نبي الله يعقوب عليه السلام لما كان يرجو عودة ابنه يوسف عليه السلام كيف أمر أولاده بالسعي والبحث والتحسس من يوسف، ولم ييأس، بل قال لهم: {يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) } [يوسف: 87] .

والمقصود: أن الرجاء أعظم حادٍ يحدو إلى العمل، ويدفع إلى البذل، فليس الراجي كاليائس، فلو يأس يعقوب عليه السلام لما أمرهم بالذهاب ولا البحث ولا التحسس.

وهكذا في أمور الآخرة، فإن الرجاء في الحصول عليها يحدو إلى العمل، بل هي أشد من أمور الدنيا، ففي الدنيا ربما يحصل الإنسان على ما يرجو بغير عمل، بالوساطة مثلًا، أو بالرشوة، أو بالاحتيال، أما الرجاء فيما عند الله في الآخرة من الفضل والرضوان والرحمة والعفو، فإنه لا يكون إلا بالعمل والبذل والطاعة؛ ولهذا قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا} [الكهف: 110] .

فالعمل الصالح يعد وسيلةً لتحقيق الرجاء، وثمرةً له في نفس الوقت، وسيلةً من حيث أنه لا رجاء مأمولًا إلا بالعمل والبذل والسعي له، وثمرةً من ثمار الرجاء من حيث أن الرجاء دافع وحادي يحدو إلى العمل.

ثالثًا: الصبر:

ومن آثار الرجاء الصبر، فالراجون لما عند الله يوم القيامة من الأجر والثواب، هم أكثر الناس صبرًا؛ لما يصيبهم في الدنيا من اللأواء والبلاء والمصائب؛ ولهذا لما كان يعقوب يرجو من الله ثواب مصيبته، وعودة ابنه، قال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] .

والناظر في قصة يعقوب عليه السلام هذه يلحظ أنه بدأ بالبعيد زمنًا ورجاءً، الذي هو يوسف، الذي أكله الذئب -حسب زعمهم- من سنين طويلة، فرجاء عودة الميت مستبعدة، ثم ذكر القريب، وهو أخوه بنيامين، فقال: {يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ} [يوسف: 87] .

وهذا يدل على عظيم رجائه في عودته إليه، وعدم اليأس، فلم يفقد الأمل من عودة يوسف مع تعاقب السنين، ومرور الأعوام، وفي قضية ميؤوس منها، إنه الموت، ليس بعده عودة إلى الدنيا، وقد جاءوا على قميصه بدم كذب، فانتهت القضية، وانتهت معالمها، وغطاها غبار النسيان، إلا أنه لم ييأس، ولم يفقد الأمل.

فيا له من رجاء! ويا له من أمل! ما أوسعه! هكذا كان الأنبياء أوسع الناس رجاءً، وأوسعهم أملًا، وأبعدهم يأسًا وقنوطًا؛ ولهذا قال الله تعالى: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] .

ولهذا جاء في سياق القصة قوله تعالى: {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ} إلى أرض فلسطين، شم يعقوب ريح القميص، فقال: {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ} [يوسف: 94] ، أي: تسخرون مني، وتزعمون أن هذا الكلام صدر مني من غير شعور؛ لأنه رأى منهم من التعجب من حاله ما أوجب له هذا القول.

فوقع ما ظنه بهم فقالوا: {قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) } [يوسف: 95] ، أي: لا تزال تائهًا في بحر الحب، لا تدري ما تقول، حيث كنت مترجيًا للقاء يوسف، مترقبًا لزوال الهم والغم والحزن 101.

وانظر أيضًا إلى قصة أصحاب الجنة، كيف حداهم الرجاء بما عند الله أن صبروا على ما أصابهم من هلاك جنتهم، حيث قالوا: {عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) } [القلم: 32] .

راغبون في الأجر، راغبون في العوض، راغبون في العفو.

موضوعات ذات صلة:

الإيمان، التقوى، الخشية، الخوف

1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 2/ 494.

2 انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 11/ 124.

3 انظر: الصحاح، الجوهري 6/ 2352.

4 المفردات، ص 346.

5 الكليات ص 468.

6 التعريفات ص 109.

7 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص 304.

8 انظر: الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان ص 177، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص 308، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص 227 - 229.

9 انظر: فتح القدير، الشوكاني 1/ 251.

10 جامع البيان، الطبري 12/ 121.

11 انظر: الأضداد، ابن الأنباري ص 9.

12 مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 140.

13 العين، الخليل بن أحمد 8/ 347.

14 مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 140.

15 التوقيف على مهمات التعاريف ص 62.

16 المصدر السابق ص 174.

17 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 276 - 277.

18 الكليات، الكفوي ص 468.

19 انظر: التعريفات، الجرجاني ص 66، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 109.

20 الروح، ابن القيم ص 245.

21 مقاييس اللغة، ابن فارس، 2/ 230.

22 الوجوه والنظائر، أبو هلال العسكري، ص 203.

23 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 161.

24 الكليات ص 468.

25 إرشاد العقل السليم، 7/ 30.

26 فتح القدير، الشوكاني 4/ 222.

27 فتح القدير، الشوكاني 4/ 222.

28 الجامع لأحكام القرآن، 13/ 327.

29 تيسير الكريم الرحمن، ص 626.

30 في ظلال القرآن، سيد قطب 5/ 2558.

31 التحرير والتنوير 20/ 208.

32 مدارج السالكين 2/ 43.

33 المصدر السابق 2/ 54.

34 جامع البيان، الطبري 20/ 34.

35 إرشاد العقل السليم 7/ 39.

36 روح البيان، إسماعيل حقي 6/ 468.

37 التحرير والتنوير، ابن عاشور 20/ 247.

38 في ظلال القرآن، سيد قطب 5/ 2734.

39 تفسير ابن أبي حاتم 2/ 388.

40 أخرجه أحمد في مسنده، 18/ 297، رقم 11774.

وحسنه الألباني في صحيح الجامع، 1/ 498، رقم 2543.

41 انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 2/ 694.

42 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: {وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} ، 6/ 138، رقم 4850، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، 4/ 2186، رقم 2846.

43 تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الفاتحة والبقرة 3/ 64.

44 انظر: تفسير مقاتل بن سليمان 1/ 187، تفسير ابن أبي حاتم 2/ 388.

45 أخرجه أحمد في مسنده، 28/ 350، رقم 17123، والترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، 4/ 638، رقم 2459، وابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، 2/ 1423، رقم 4260.

وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ص 625، رقم 4305.

46 تفسير الراغب الأصفهاني 1/ 449.

47 مفاتيح الغيب، الرازي 6/ 395.

48 مدارك التنزيل، النسفي 2/ 262 - 263.

49 جامع البيان 14/ 627.

50 أنوار التنزيل، البيضاوي 1/ 137.

51 محاسن التأويل 2/ 109.

52 التفسير القرآني للقرآن، الخطيب 1/ 242.

53 في ظلال القرآن، سيد قطب 1/ 228.

54 تفسير مقاتل بن سليمان 1/ 404.

55 معالم النزيل، البغوي 1/ 698.

56 البحر المحيط، أبو حيان 3/ 353.

57 مفاتيح الغيب، الرازي 9/ 390.

58 زهرة التفاسير، أبو زهرة 4/ 1837.

59 محاسن التأويل 3/ 318.

60 تفسير القرآن، السمعاني 4/ 357.

61 تفسير يحيى بن سلام 2/ 787.

62 مفاتيح الغيب، الرازي 26/ 237.

63 المصدر السابق 26/ 236.

64 لباب التأويل، الخازن 1/ 423.

65 تفسير المراغي 5/ 145.

66 تفسير مقاتل بن سليمان 3/ 837.

67 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 776.

68 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 25/ 340.

69 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والمشركين أذى كثيرًا) ، 6/ 39، رقم 4566.

70 انظر: زاد المسير 4/ 390.

71 تفسير القرآن، السمعاني 6/ 140.

72 تفسير مقاتل بن سليمان 4/ 563.

73 انظر: جامع البيان، الطبري 24/ 168.

74 مفاتيح الغيب، الرازي 31/ 18.

75 تيسير الكريم الرحمن، ص 358.

76 تفسير الشعراوي 9/ 5749.

77 مفاتيح الغيب، 17/ 224.

78 التحرير والتنوير، ابن عاشور 11/ 99.

79 تفسير القرآن 4/ 180.

80 تفسير مقاتل بن سليمان 3/ 382.

81 البحر المحيط، أبوحيان 8/ 356.

82 السراج المنير، الشربيني 3/ 140.

83 إرشاد العقل السليم 7/ 39.

84 مراح لبيد، الجاوي 2/ 217.

85 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} ، 9/ 121، رقم 7405، ومسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى، 4/ 2061، رقم 2675.

86 كشف المشكل من حديث الصحيحين 3/ 323.

87 شرح النووي على صحيح مسلم 17/ 210.

88 جامع البيان، الطبري 4/ 320.

89 تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الفاتحة والبقرة 3/ 64.

90 أنوار التنزيل، البيضاوي 1/ 137.

91 الكشاف، الزمخشري 3/ 281.

92 انظر: الفصول في الأصول، الجصاص 2/ 101.

93 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 189.

94 أخرجه أحمد في مسنده، 28/ 350، 17123، الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، 4/ 638، رقم 2459، وابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، 2/ 1423، رقم 4260.

قال الترمذي: هذا حديث حسن.

وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ص 625، رقم 4305.

95 تفسير التستري ص 172.

96 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 489.

97 المصدر السابق ص 404.

98 تفسير مقاتل بن سليمان 4/ 407.

99 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 461.

100 المصدر السابق ص 720.

101 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 405.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت