1.الفلاح في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] .
ففي الآية السابقة حثٌ لأتباع أمة النبي محمد على الأمر بالمعروف والنهي والمنكر، والمراد بالأمة هنا الطائفة من الناس التي تصلح لمباشرة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والمعروف ما حسنه الشرع، وتعارف العقلاء على حسنه، والمنكر ضد ذلك، كما أن الآية تومئ إلى الحث على الدعوة إلى ما يصلح من شأن الناس، من خلال أمرهم بالتمسك بالتعاليم وبالأخلاق التي توافق الكتاب والسنة والعقول السليمة، ونهيهم عن المنكر الذي يأباه شرع الله، وتنفر منه الطباع الحسنة؛ ولقد أعد الله لمن يفعلون ذلك الفلاح في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي: هؤلاء هم المختصون بالفلاح الكامل، فقد ختم سبحانه الآية الكريمة بتبشير هؤلاء {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} والفلاح هو الظفر، وإدراك البغية، أي: وأولئك القائمون بواجب الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هم الكاملون في الفلاح والنجاح، ولا يمكن أن يفلح سواهم ممن لم يقم بهذا الواجب الذي هو مناط عزة الجماعات والأفراد، وأساس رفعتهم وقوتهم وسعادتهم 97.
وقد روى الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) 98.
2.الصلاح.
قال تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 114] .
يقول الإمام النسفي: «وأولئك الموصوفون بما وصفوا به من الصالحين، أي: من المسلمين، أو من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله، ورضيهم، واستحقوا رضاه وثناءه» 99.
وهذا غاية المدح من وجهين:
الأول: أن الله مدح بهذه الصفة أكابر الأنبياء، فقال بعد ذكر إسماعيل وإدريس وذي الكفل وغيرهم: {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنبياء: 86] .
وقال: {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} [التحريم: 4] .
الثاني: أن الصلاح ضد الفساد، فكل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد، سواء أكان ذلك في العقائد أم في الأعمال، وإذا كان كذلك كان كل ما ينبغي أن يكون صلاحًا، فكان الصلاح دالًا على أكمل الدرجات 100.
قال القفال: ولا يبعد أن يقال: المراد: كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فسماهم الله بأهل الكتاب، كأنه قيل: أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب حالهم وصفتهم تلك الخصال الذميمة، والمسلمون الذين سماهم الله بأهل الكتاب حالهم وصفتهم هكذا، فكيف يستويان؟ فيكون الغرض -من هذه الآية- تقرير فضيلة أهل الإسلام، تأكيدًا لما تقدم من قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] .
ونظيره قوله: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18] .
منهم: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ} [آل عمران: 113] .
قيل: قائمة في الصلاة، يتلون آيات الله، فعبر بذلك عن تهجدهم 101.
3.الفوز.
قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [: 52] .
يقول الإمام الطبري: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} فيما أمره ونهاه، ويسلم لحكمهما له وعليه، ويخف عاقبة معصية الله ويحذره، ويتق عذاب الله بطاعته إياه في أمره ونهيه {فَأُولَئِكَ} يقول: فالذين يفعلون ذلك {هُمُ الْفَائِزُونَ} برضا الله عنهم يوم القيامة، وأمنهم من عذابه 102.
وذكر أن عمر رضي الله عنه بينما هو قائم في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وإذا رجل من دهاقين الروم قائم على رأسه، وهو يقول: أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فقال له عمر: ما شأنك؟ قال: أسلمت لله، قال: هل لهذا سبب؟! قال: نعم! إني قرأت التوراة والزبور والإنجيل وكثيرًا من كتب الأنبياء، فسمعت أسيرًا يقرأ آية من القرآن جمع فيها كل ما في الكتب المتقدمة، فعلمت أنه من عند الله فأسلمت: قال: ما هذه الآية؟ قال: قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ} في الفرائض {وَرَسُولَهُ} في السنن {وَيَخْشَ اللَّهَ} فيما مضى من عمره {وَيَتَّقْهِ} فيما بقي من عمره {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} والفائز من نجا من النار وأدخل الجنة، فقال عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أوتيت جوامع الكلم) 103.
فهذه الآية جامعة لأسباب الفوز والنجاح والفلاح، فقوله: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} يعني: الذين فازوا بكل خير، وأمنوا من كل شر في الدنيا والآخرة 104.
يقول صاحب الظلال: «وعد الله ولن يخلف الله وعده، وهم للفوز أهل، ولديهم أسبابه من واقع حياتهم، فالطاعة لله ورسوله تقتضي السير على النهج القويم الذي رسمه الله للبشرية عن علم وحكمة، وهو بطبيعته يؤدي إلى الفوز في الدنيا والآخرة، وخشية الله وتقواه هي الحارس الذي يكفل الاستقامة على النهج، وإغفال المغريات التي تهتف بهم على جانبيه، فلا ينحرفون ولا يلتفتون، وأدب الطاعة لله ورسوله، مع خشية الله وتقواه، أدب رفيع، ينبئ عن مدى إشراق القلب بنور الله، واتصاله به، وشعوره بهيبته، كما ينبئ عن عزة القلب المؤمن واستعلائه، فكل طاعة لا ترتكن على طاعة الله ورسوله، ولا تستمد منها، هي ذلة يأباها الكريم، وينفر منها طبع المؤمن، ويستعلي عليها ضميره، فالمؤمن الحق لا يحني رأسه إلا لله الواحد القهار» 105.
4.طيب الحياة.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] .
ففي الآية السابقة حثٌ للمؤمنين على الاستجابة لأمر الرسول إذا دعاهم إلى شيء، فإن في الاستجابة لأمره إحياءً للنفوس، واختير في تعريفهم عند النداء وصف الإيمان ليومئ إلى أن الإيمان هو الذي يقتضي أن يثقوا بعناية الله بهم، فيمتثلوا أمره إذا دعاهم، وليس قوله: {إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} قيدًا للأمر باستجابة، ولكنه تنبيه على أن دعاءه إياهم لا يكون إلا إلى ما فيه خير لهم، وإحياء لأنفسهم 106.
والمعنى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} بالله حق الإيمان {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} عن طواعية واختيار، ونشاط وحسن استعداد {إِذَا دَعَاكُمْ} الرسول صلى الله عليه وسلم {لِمَا يُحْيِيكُمْ} أي: إلى ما يصلح أحوالكم، ويرفع درجاتكم، من الأقوال النافعة، والأعمال الحسنة، التي بالتمسك بها تحيون حياة طيبة، وتظفرون بالسعادتين الدنيوية والأخروية 107.
فأجيبوا دعوته بقوة وعزم، كما قال في آية أخرى: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} [البقرة: 63] .
وطاعته صلى الله عليه وسلم واجبة في حياته، وبعد مماته فيما علم أنه دعا إليه دعوة عامة من أمور الدين الذي بعثه الله به، كبيانه لصفة الصلاة وعددها قولًا أو فعلًا، فقد صلى بأصحابه وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) 108.
وقال: (خذوا عني مناسككم) 109.
وبيانه لمقادير الزكاة وغيرها من السنن العملية المتواترة وأقواله كذلك، فكل من ثبت لديه شيء منها ببحثه أو بحث العلماء الذين يثق بهم وجب عليه الاهتداء به 110.
والضمير في قوله: {دَعَاكُمْ} يعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه هو المباشر للدعوة إلى الله؛ ولأن في الاستجابة له استجابة لله تعالى.
قال سبحانه: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80] 111.
تكلم الإمام ابن القيم كلامًا نفيسًا حول هذه الآية فقال رحمه الله: «إن الحياة النافعة إنما تحصل بالاستجابة لله ولرسوله، فمن لم تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له، وإن كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات، فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله ولرسوله ظاهرًا وباطنًا، فهؤلاء هم الأحياء، وإن ماتوا، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان؛ ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن كل ما دعا إليه ففيه الحياة، فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة، وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول» 112.
بين القرآن الكريم أوامر الإنسان، سواء كان من الرسل أو المؤمنين أو المنافقين أو الجبابرة والمسرفين، وبين جزاء اتباع هذه الأوامر، وسوف نتناول هذه الأوامر بالبيان فيما يأتي:
أولًا: أوامر الرسل عليهم السلام:
الرسل أرسلهم الحق سبحانه وتعالى لإسعاد الناس وهدايتهم؛ ولذلك يمكن إبراز أوامر الرسل كما يلي:
1.عبادة الله واجتناب عبادة الطاغوت.
قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] .
إن من الطبيعي أن يكون أول أمر للرسل لأقوامهم الأمر بعبادة الله وحده، وهذا ما جسده النبي صلى الله عليه وسلم.
يقول الإمام الألوسي: « {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا} جليل الشأن وهو الله سبحانه، ويطيعوا أمره ولا يطيعوا أمر غيره بخلافه، فإن ذلك مناف لعبادته جل شأنه، وأما إطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وسائر من أمر الله بطاعته فهي في الحقيقة إطاعة لله عز وجل، وما أمر الذين اتخذهم الكفرة أربابًا من المسيح عليه السلام والأحبار والرهبان إلا ليطيعوا أو ليوحدوا الله تعالى، فكيف يصح أن يكونوا أربابًا وهم مأمورون مستعبدون مثلهم؟! ولا يخفى أن تخصيص العبادة به تعالى لا يتحقق إلا بتخصيص الطاعة أيضًا به تعالى، ومتى لم يخص به جل شأنه لم تخص العبادة به سبحانه {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تنزيه له، أي: تنزيه عن الإشراك به في العبادة والطاعة، والمراد بالآية: اتخذ كل من الفريقين علماءهم -لا الكل- أربابًا من دون الله بأن أطاعوهم في تحريم ما أحل الله تعالى، وتحليل ما حرمه سبحانه، وهو التفسير المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالآية ناعية على كثير من الفرق الضالة الذين تركوا كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لكلام علمائهم ورؤسائهم، والحق أحق بالاتباع، فمتى ظهر وجب على المسلم اتباعه» 113.
فهو اتهام لهم، وكشف عن وجه من وجوه الضلال الذي ركبوه، وهو أنهم انقادوا لأحبارهم ورهبانهم، وجعلوا لهم الكلمة فيهم، والعقل المدبر لهم، فكلمة الأحبار والرهبان لهم هي الكلمة التي لا معقب عليها عندهم، حتى لكأنها كلمات الله عند المؤمنين بالله 114.
ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا} [الفرقان: 60] .
وكأنهم يقولون: تأمرنا بألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئًا، وتريد أن تأمرنا أيضًا بأن نسجد لهذا الرحمن، كأن المسألة بيننا وبينك ليس أمر التوحيد تدعو إليه، إنما أنت تعادي آلهتنا بآلهة أخرى، ومرماهم أنك تتحكم في عبادتنا، ولا تخالفنا في شركنا 115.
فالآية الكريمة تحكي ما جبل عليه أولئك المشركون من استهتار وتطاول وسوء أدب، عندما يدعوهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى إخلاص العبادة لله عز وجل، وإلى السجود للرحمن الذي تعاظمت رحماته، وتكاثرت آلاؤه، ولقد بلغ من تطاول بعضهم أنهم كانوا يقولون: ما نعرف الرحمن إلا ذاك الذي باليمامة، يعنون به مسيلمة الكذاب 116.
2.الإخلاص.
قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} [البينة: 5] .
يقول الإمام أبو الفرج الجوزي: والمعنى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ} إلا أن يعبدوا الله، موحدين لا يعبدون سواه، {حُنَفَاءَ} على دين إبراهيم، {وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ} المكتوبة في أوقاتها، {وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} عند وجوبها؛ وذلك الذي أمروا به هو دين القيمة، قال الزجاج: أي دين الأمة القيمة بالحق، ويكون المعنى: ذلك الدين دين الملة المستقيمة 117.
قال الإمام ابن العربي: «أمر الله عباده بعبادته، وهي أداء الطاعة له بصفة القربة؛ وذلك بإخلاص النية بتجريد العمل عن كل شيء إلا لوجهه؛ وذلك هو الإخلاص، وإذا ثبت هذا فالنية واجبة في التوحيد؛ لأنها عبادة، فدخلت تحت هذا العموم دخول الصلاة» 118.
يقول الإمام الرازي: «فثبت أن المراد: وما أمروا إلا أن يعبدوا الله مخلصين له الدين، والإخلاص عبارة عن النية الخالصة، والنية الخالصة لما كانت معتبرة كانت النية معتبرة، فقد دلت الآية على أن كل مأمور به فلابد وأن يكون منويًا. . .» 119 ومنه قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 11] .
{وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71] .
ويقول الإمام النسفي: «والإخلاص عبارة عن النية الخالصة، وتجريدها عن شوائب الرياء، وهو تنبيه على ما يجب من تحصيل الإخلاص من ابتداء الفعل إلى انتهائه، والمخلص هو الذي يأتي بالحسن لحسنه، والواجب لوجوبه، والنية الخالصة لما كانت معتبرة كانت النية معتبرة، فقد دلت الآية على أن كل مأمور به فلابد وأن يكون منويًا، فلابد من اعتبار النية في جميع المأمورات» 120.
فالإخلاص: التصفية والإنقاء، أي: غير مشاركين في عبادته معه غيره، وحنفاء: جمع حنيف، وهو لقب للذي يؤمن بالله وحده دون شريك، قال تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161] .
وهذا الوصف تأكيد لمعنى: {مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} ، مع التذكير بأن ذلك هو دين إبراهيم عليه السلام الذي ملئت التوراة بتمجيده، واتباع هديه.
فمن أهم وأعظم ما بعثه الله به من الأمر بعبادته وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة من سواه، كما أرسل به جميع الرسل قبله، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] 121.
3.الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يبين القرآن صفة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في كتب الأنبياء الذين بشروا أممهم ببعثته، وأمروهم بمتابعته، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم، يعرفها علماؤهم وأحبارهم، فقال: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157] .
فمن صفة الرسول صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة، وهكذا كان حاله صلى الله عليه وسلم أنه لا يأمر إلا بخير، ولا ينهى إلا عن شر، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا سمعت الله يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه.
والمعروف ما تعرف العقول السليمة حسنه، وترتاح القلوب الطاهرة له لنفعه وموافقته للفطرة والمصلحة، بحيث لا يستطيع العاقل المنصف السليم الفطرة أن يرده، أو يعترض عليه إذا ورد الشرع به، والمنكر ما تنكره العقول السليمة، وتنفر منه القلوب، وتأباه على الوجه المذكور أيضًا 122.
4.القتال.
قال تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [: 53] .
يقول الإمام الطبري: يقول تعالى ذكره يعني: وحلف هؤلاء المعرضون عن حكم الله وحكم رسوله إذ دعوا إليه {بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} يعني: بأغلظ أيمانهم وأشدها {لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ} يا محمد بالخروج إلى جهاد عدوك وعدو المؤمنين، أي: إذا أمرتهم بالقتال والاستعداد له {لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا} لا تحلفوا، فإن هذه {طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ} منكم فيها التكذيب، يعني: قل لهم -أيها الرسول الكريم- على سبيل السخرية والزجر، لا تقسموا على ما تقولون، فإن طاعتكم معروف أمرها، ومفروغ منها، فهي طاعة باللسان فقط.
أما الفعل فيكذبها؛ وذلك أن المنافقين كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أينما كنت نكن معك، لئن خرجت خرجنا، وإن أقمت أقمنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا. . .، ثم قال الحق: إن الله ذو خبرة بما تعملون من طاعتكم الله ورسوله، أو خلافكم أمرهما، أو غير ذلك من أموركم، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو مجازيكم بكل ذلك 123.
5.ثمرة الشورى.
يقول تعالى مخاطبًا النبي صلى الله عليه وسلم: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] .
يقول الإمام الطبري: «اختلف أهل التأويل في المعنى الذي من أجله أمر تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاورهم، وما المعنى الذي أمره أن يشاورهم فيه؟
فقال بعضهم: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} بمشاورة أصحابه في مكايد الحرب، وعند لقاء العدو، تطييبًا منه بذلك أنفسهم، وتألفًا لهم على دينهم؛ وليروا أنه يسمع منهم، ويستعين بهم، وإن كان الله عز وجل قد أغناه بتدبيره له أموره، وسياسته إياه وتقويمه أسبابه عنهم، فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه في الأمور، وهو يأتيه وحي السماء؛ لأنه أطيب لأنفس القوم، وأن القوم إذا شاور بعضهم بعضًا، وأرادوا بذلك وجه الله، عزم لهم على أرشده» 124.
وقال آخرون: إنما أمره الله بمشاورة أصحابه فيما أمره بمشاورتهم فيه، مع إغنائه بتقويمه إياه، وتدبيره أسبابه عن آرائهم، ليتبعه المؤمنون من بعده فيما حزبهم من أمر دينهم، ويستنوا بسنته صلى الله عليه وسلم في ذلك، ويحتذوا المثال الذي رأوه يفعله في حياته من مشاورته في أموره -مع المنزلة التي هو بها من الله- أصحابه وأتباعه في الأمر ينزل بهم من أمر دينهم ودنياهم، فيتشاوروا بينهم، ثم يصدروا عما اجتمع عليه ملؤهم؛ لأن المؤمنين إذا تشاوروا في أمور دينهم متبعين الحق في ذلك لم يخلهم الله عز وجل من لطفه وتوفيقه للصواب من الرأي والقول فيه، قالوا: وذلك نظير قوله عز وجل الذي مدح به أهل الإيمان: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38] .