ومن هنا فقد ذمّه الله تعالى في كتابه في غير موضع، فقال سبحانه: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 54] .
قال القرطبي: «وهذا هو الحسد بعينه، وهو الذي ذمّه الله تعالى» 40.
وقال سبحانه: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [النساء: 32] .
«فنهى اللّه سبحانه المؤمنين عن التمني؛ لأن فيه تعلق البال، ونسيان الأجل، والمراد النهي عن الحسد: وهو تمني زوال نعمة الغير، وصيرورتها إليه، أو لا تصير إليه» 41.
وورد في ذم الحسد خاصة أخبار كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك ما جاء في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسّسوا، ولا تجسّسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا» 42.
فالحسد الداء الذي يحرق قلب صاحبه إذا ما رأى لله على غيره منّة، أو أسبغ عليه نعمة؛ فيدفعه ذلك إلى ممارسة الطغيان، وهذا كان سبب طغيان اليهود، ورفضهم قبول رسالة النبي مع أنه مكتوب عندهم في التوراة، فقد أنكر الله عليهم حسدهم لرسوله على الرسالة، وحسدهم لأصحابه على الإيمان، قال الله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 54] .
قال السعدي رحمه الله: «وهذا من قبائح اليهود وحسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أن أخلاقهم الرذيلة، وطبعهم الخبيث حملهم على ترك الإيمان بالله ورسوله، والتعوض عنه بالإيمان بالجبت والطاغوت، وهو الإيمان بكل عبادة لغير الله، أو حكم بغير شرع الله» 43.
ولاشك أن ذلك ناتج عن الحقد والحسد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال سبحانه: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [المائدة: 64] .
قال الطبري رحمه الله: «يعني بالطغيان: الغلو في إنكار ما قد علموا صحته من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والتمادي في ذلك» 44.
«فبسبب من الحقد والحسد، وبسبب من افتضاح أمرهم فيما أنزل الله إلى رسوله، سيزيد الكثيرون منهم طغيانًا وكفرًا؛ لأنهم وقد أبوا الإيمان لابد أن يشتطوا في الجانب المقابل، ولابد أن يزيدوا تبجّحًا ونكرًا، وطغيانًا وكفرًا، فيكون الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة للمؤمنين، ووبالًا على المنكرين» 45.
والخلاصة: أن الحسد يدفع بصاحبه إلى الطغيان، وتجاوز الحدود، وقد يصل به الأمر إلى الكفر بالله سبحانه، وتكذيب الرسالة، كما فعل اليهود مع النبي صلى الله عليه وسلم.
العجب والغرور هو آفة الطغاة في عتوّهم وتجبّرهم وعدم قبولهم الحق والانصياع له؛ ولذلك قال الله عز وجل ذاكرًا حال قوم عاد لما طغوا وتكبّروا على ربهم، ثم على نبيهم: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [فصلت: 15] .
«أي: منوا بشدة تركيبهم وقواهم، واعتقدوا أنهم يمتنعون بها من بأس الله» 46.
قال سيد رحمه الله: «إن الحق أن يخضع العباد لله، وألا يستكبروا في الأرض، وهم من هم بالقياس إلى عظمة خلق الله، فكل استكبار في الأرض فهو بغير الحق، استكبروا واغتروا {وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} وهو الشعور الكاذب الذي يحسه الطغاة، الشعور بأنه لم تعد هناك قوة تقف إلى قوتهم، وينسون: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} إنها بديهة أولية، إن الذي خلقهم من الأصل أشد منهم قوة؛ لأنه هو الذي مكّن لهم في هذا القدر المحدود من القوة، ولكن الطغاة لا يذكرون: {وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [فصلت: 15] » 47.
«ويبرز فرعون في جاهه وسلطانه، وفي زخرفه وزينته، يخلب عقول الجماهير الساذجة بمنطق سطحي، ولكنه يروج بين الجماهير المستعبدة في عهود الطغيان، المخدوعة بالأبهة والبريق: {يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الزخرف: 51] » 48.
ولم يكتف بهذا العجب، بل زاد عليه احتقارًا لموسى عليه السلام: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف: 52] .
يقول تعالى مخبرًا عن قول فرعون لقومه بعد احتجاجه عليهم بملكه وسلطانه، وبيان لسانه، وتمام خلقه، وفضل ما بينه وبين موسى بالصفات التي وصف بها نفسه وموسى: أنا خير أيها القوم، وصفتي هذه الصفة التي وصفت لكم {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ} لا شيء له من الملك والأموال مع العلة التي في جسده، والآفة التي بلسانه، فلا يكاد من أجلها يبين كلامه؟ 49.
ويستعرض قارون ملكه وقوته أمام الجماهير المنبهرين بزينة الحياة الدنيا، ويخرج على قومه في أبّهة، يقول سبحانه مبيّنًا ما كان عليه من العجب والغرور: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [القصص: 79] .
«أي: فخرج ذات يوم على قومه في زينة عظيمة، وتجمّلٍ باهر من مراكب وخدم وحشم، مريدًا بذلك التعالي على الناس، وإظهار العظمة؛ وذلك من الصفات البغيضة، والافتخار الممقوت، والخيلاء المذمومة لدى عقلاء الناس من جرّاء أنها تقوّض كيان المجتمع، وتفسد نظمه، وتفرّق شمل الأمة، وتقسمها طبقات، وفي ذلك تخاذلها، وطمع العدو في امتلاك ناصيتها» 50.
ثالثًا: العناد والكبر:
من أبرز الأسباب الحاملة على الطغيان: العناد، فالطاغية يعرف تمام المعرفة أنه على باطل، غير أنه يترك الحق ويكابر عنادًا وكبرًا وعلوًّا، وقد قصّ الله سبحانه علينا في كتابه ما يدل على هذه الحقيقة، قال سبحانه وتعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14] .
«أي: تيقّنوا أنها من عند الله، وأنها ليست سحرًا، ولكنهم كفروا بها، وتكبّروا أن يؤمنوا بموسى، وهذا يدل على أنهم كانوا معاندين» 51.
وفي تفسير المنار: «أي: عاندوا موسى عليه السلام عنادًا بإظهار الكفر بها في الظاهر مع استيقانها في الباطن، وأن سبب هذا الجحود هو الظلم والعلو والكبرياء في الأرض» 52.
وبيّن تبارك وتعالى أن التخويف للطغاة لا يزيدهم إلا طغيانًا على طغيانهم، وعنادًا على عنادهم، وكبرًا على كبرهم، قال سبحانه: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا} [الإسراء: 60] .
«أي: نخوّفهم بالآيات فما يزيدهم التخويف إلا طغيانًا متجاوزًا للحد، متماديًا غاية التمادي، فما يفيدهم إرسال الآيات إلا الزيادة في الكفر، فعند ذلك نفعل بهم ما فعلناه بمن قبلهم من الكفار، وهو عذاب الاستئصال، ولكنا قد قضينا بتأخير العقوبة» 53.
وأخبر سبحانه أن كفار قريش لم يكونوا يكذّبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، فقال: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] .
«بمعنى: أنهم لا يكذبونك علمًا، بل يعلمون أنك صادق، ولكنهم يكذبونك قولًا، عنادًا وحسدًا» 54.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة والسدي ومقاتل: هذا في المعاندين الذين عرفوا صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه غير كاذب فيما يقول، ولكنهم عاندوا وجحدوا 55.
وإن من أبرز الشخصيات التي تمثّل هذا الكبر والعلو شخصية الطاغية فرعون، فقد مارس كل صنوف الطغيان بحق قومه، قال الله سبحانه: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ} [القصص: 4] .
«أي: تكبّر وتجبّر وطغى» 56.
وقال تعالى: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [القصص 39] .
«المراد بالأرض: أرض مصر، والاستكبار: التعظيم بغير استحقاق، بل بالعدوان؛ لأنه لم يكن له حجة يدفع بها ما جاء به موسى، ولا شبهة ينصبها في مقابلة ما أظهره من المعجزات» 57.
رابعًا: الرفاهية والإسراف في الشهوات:
لم يرد الإسراف في القرآن الكريم إلا على سبيل الذم، فقد نهانا المولى سبحانه عن الإسراف، وأخبرنا أنه لا يحب المسرفين، فقال سبحانه: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141] .
[الأعراف: 31] .
وأمرنا سبحانه بعصيان أمر المسرفين، فقال: {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ} [الشعراء: 151] .
فأهل الإسراف في بعد عن الهداية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 28] .
وفي قرب من الضلال {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ} [غافر: 34] .
ومن كان هذا حاله فمصيره إلى العذاب في الدنيا {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ} [الأنبياء: 9] .
والنار في الآخرة {وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} [غافر: 43] .
والإسراف صفة ملازمة للطغاة، ومسلكهم في الحياة دليل شاهد، وهو ملازم للعلو؛ ولذلك قال تبارك وتعالى: {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} [يونس: 83] .
قال الطبري: «وإنه لمن المتجاوزين الحق إلى الباطل؛ وذلك كفره بالله، وتركه الإيمان به، وجحوده وحدانية الله، وادعاؤه لنفسه الألوهة، وسفكه الدماء بغير حلها» 58.
وقال الألوسي: «أي: المتجاوز الحد في الظلم والفساد بالقتل وسفك الدماء أو في الكبر والعتو حتى ادعى الربوبية، واسترق أسباط الأنبياء عليهم السلام» 59. «ومن هذه حالته لا يزعه عن إلحاق الضر بأضداده وازع» 60.
«أي: مسرف في أمره، سخيف الرأي على نفسه» 61.
ويقول جل وعلا: {مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ} [الدخان: 31] .
وقد أخبر تبارك وتعالى عن صفات الطغاة من أهل النار {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} [الواقعة: 45] .
أي: كانوا في الدار الدنيا منعمين مقبلين على لذّات أنفسهم، لا يلوون على ما جاءتهم به الرسل 62. فالترف والتنعّم هو السبب الذي أقحمهم ابتداء في الطغيان والاستكبار، ومن ثمّ إلى نار جهنم، وبئس المصير.
وذكر تبارك وتعالى أن من صفات الطغاة المستكبرين الاستمتاع بالحياة الدنيا ولذتها دون النظر إلى أمور الآخرة، والعمل لها، فقال سبحانه: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ} [الأحقاف: 20] .
«فقد كانوا يملكون الطيبات إذن، ولكنهم استنفدوها في الحياة الدنيا، فلم يدّخروا للآخرة منها شيئًا، واستمتعوا بها غير حاسبين فيها للآخرة حسابًا، استمتعوا بها استمتاع الأنعام للحصول على اللذة بالمتاع، غير ناظرين فيها للآخرة، ولا شاكرين لله نعمته، ولا متورّعين فيها عن فاحش أو حرام، ومن ثمّ كانت لهم دنيا، ولم تكن لهم آخرة، واشتروا تلك اللمحة الخاطفة على الأرض بذلك الأمد الهائل الذي لا يعلم حدوده إلا الله! {فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ} وكل عبد يستكبر في الأرض فإنما يستكبر بغير حق، فالكبرياء لله وحده، وليست لأحد من عباده في كثير أو قليل، وعذاب الهون هو الجزاء العدل على الاستكبار في الأرض، فجزاء الاستكبار الهوان، وجزاء الفسوق عن منهج الله وطريقه الانتهاء إلى هذا الهوان أيضًا، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين» 63.
خامسًا: الاستغناء:
من أبرز الأسباب الحاملة على الطغيان: الغنى، قال الحسن البصري رحمه الله: والله ما بسطت الدنيا لعبد إلا طغى كائنًا من كان، ثم تلا قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7] .
فأخبر تعالى عن الإنسان أنه ذو فرح وأشر وبطر وطغيان، إذا رأى نفسه قد استغنى، وكثر ماله 64.
وكان سبب نزول هذه الآية ما رواه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو جهل: هل يعفّر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأعفّرن وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار، وهولًا وأجنحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا) قال: فأنزل الله عز وجل: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى} 65.
«والمعنى: أن ما قاله أبو جهل ناشئ عن طغيانه بسبب غناه كشأن الإنسان، والتعريف في الإنسان للجنس، أي: من طبع الإنسان أن يطغى إذا أحس من نفسه الاستغناء، واللام مفيدة الاستغراق العرفي، أي: أغلب الناس في ذلك الزمان إلا من عصمه خلقه أو دينه ... ، والطغيان: التعاظم والكبر، والاستغناء: شدة الغنى، فالسين والتاء فيه للمبالغة في حصول الفعل مثل استجاب واستقر.
و {أَنْ رَآهُ} متعلق بـ (يطغى) بحذف لام التعليل؛ لأن حذف الجار مع (أن) كثير شائع، والتقدير: إن الإنسان ليطغى لرؤيته نفسه مستغنيًا.
وعلة هذا الخلق أن الاستغناء تحدّث صاحبه نفسه بأنه غير محتاج إلى غيره، وأن غيره محتاج، فيرى نفسه أعظم من أهل الحاجة، ولا يزال ذلك التوهم يربو في نفسه حتى يصير خلقًا حيث لا وازع يزعه من دين، أو تفكير صحيح، فيطغى على الناس لشعوره بأنه لا يخاف بأسهم؛ لأن له ما يدفع به الاعتداء من لأمة سلاح وخدم وأعوان وعفاة ومنتفعين بماله من شركاء وعمال وأجراء فهو في عزة عند نفسه.
فقد بيّنت هذه الآية حقيقة نفسية عظيمة من الأخلاق وعلم النفس، ونبّهت على الحذر من تغلغلها في النفس» 66.
ومن أبرز قصص القرآن التي تبرز الطغيان بسبب الاستغناء بالمال، قصة قارون.
قال تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ} [القصص: 76 - 81] .
«هكذا تبدأ القصة فتعيّن اسم بطلها (قارون) وتحدّد قومه (قوم موسى) وتقرّر مسلكه مع قومه، وهو مسلك البغي {فَبَغَى عَلَيْهِمْ} وتشير إلى سبب هذا البغي وهو الثراء {وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} ثم تمضي بعد ذلك في استعراض الأحداث والأقوال والانفعالات التي صاحبتها في النفوس.
لقد كان قارون من قوم موسى، فآتاه الله مالًا كثيرًا، يصوّر كثرته بأنه كنوز، والكنز هو المخبوء المدخر من المال الفائض عن الاستعمال والتداول، وبأن مفاتح هذه الكنوز تعيى المجموعة من أقوياء الرجال، من أجل هذا بغى قارون على قومه، ولا يذكر فيم كان البغي ليدعه مجهولًا يشمل شتى الصور، فربما بغى عليهم بظلمهم وغصبهم أرضهم وأشياءهم، كما يصنع طغاة المال في كثير من الأحيان، وربما بغى عليهم بحرمانهم حقهم في ذلك المال» 67.
ومن أبرز قصص الطغيان في القرآن قصة صاحب الجنتين.
قال سبحانه: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} [الكهف: 32 - 36] .
فهما جنتان مثمرتان من الكروم، محفوفتان بسياج من النخيل، تتوسطهما الزروع، ويتفجر بينهما نهر، إنه المنظر البهيج، والحيوية الدافقة، والمتاع والمال.
{كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} ويختار التعبير كلمة {تَظْلِمْ} في معنى تنقص وتمنع، لتقابل بين الجنتين وصاحبهما الذي ظلم نفسه فبطر ولم يشكر، وازدهى وتكبر.
وها هو ذا صاحب الجنتين تمتلئ نفسه بهما، ويزدهيه النظر إليهما، فيحسّ بالزهو، وينتفش كالديك، ويختال كالطاووس، ويتعالى على صاحبه الفقير {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا}
ثم يخطو بصاحبه إلى إحدى الجنتين، وملء نفسه البطر، وملء جنبه الغرور؛ وقد نسي الله، ونسي أن يشكره على ما أعطاه؛ وظن أن هذه الجنان المثمرة لن تبيد أبدًا، أنكر قيام الساعة أصلًا، وهبها قامت فسيجد هنالك الرعاية والإيثار! أليس من أصحاب الجنان في الدنيا، فلابد أن يكون جنابه ملحوظًا في الآخرة!
{وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} [الكهف: 35 - 36] .
«إنه الغرور يخيل لذوي الجاه والسلطان والمتاع والثراء أن القيم التي يعاملهم بها أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم حتى في الملأ الأعلى! فما داموا يستطيلون على أهل هذه الأرض، فلا بد أن يكون لهم عند السماء مكان ملحوظ!» 68.