فهرس الكتاب

الصفحة 1034 من 2431

قال الإمام الرازي: «الآية متعلقة بما قبلها من وجهين أحدهما: أنه تعالى لما استدل بخلق السماوات بغير عمد وبنعمه الظاهرة والباطنة بين أنهم معترفون بذلك غير منكرين له، وهذا يقتضي أن يكون الحمد كله لله؛ لأن خالق السماوات والأرض يحتاج إليه كل ما في السماوات والأرض، وكون الحمد كله لله يقتضي أن لا يعبد غيره، لكنهم لا يعلمون هذا» 37.

وقوله عز وجل: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) } [يس:37 - 40] .

قال الإمام الرازي: «لما استدل الله بأحوال الأرض وهي المكان الكلي استدل بالليل والنهار وهو الزمان الكلي، فإن دلالة المكان والزمان مناسبة؛ لأن المكان لا تستغني عنه الجواهر والزمان لا تستغني عنه الأعراض؛ لأن كل عرض فهو في زمان، ومثله مذكور في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) } [فصلت:37] .

ثم قال بعده: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) } [فصلت:39] - حيث استدل بالزمان والمكان هناك أيضًا، لكن المقصود أولًا هناك إثبات الوحدانية، بدليل قوله تعالى: {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ} [فصلت:37] » 38.

والآيات الكونية التي استدل بها القرآن على وحدانية الله تعالى كثيرة، وإنما يكفي من ذلك التمثيل.

ثانيًا: أحقية الله للعبادة:

استدل القرآن الكريم على أحقية الله تعالى للعبادة بالآيات الكونية.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) } [البقرة:21 - 22] .

فقد استدل القرآن الكريم على أحقية الله تعالى بالعبادة بآيات كونية، وهي أنه: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} .

والمعنى: أن الذي خلقكم وخلق آباءكم وأجدادكم وسائر الخلق غيركم، وهو يقدر على ضركم ونفعكم أولى بالطاعة ممن لا يقدر لكم على نفع ولا ضر 39.

وقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) } [الذاريات:56 - 58] .

استدل القرآن بالآيات الكونية وهي خلق الجن والأنس على أحقية الله تعالى للعبادة، والمعنى: وما خلقت السعداء من الجن والإنس إلا لعبادتي، والأشقياء منهم لمعصيتي 40، «أي: لينقادوا ويخضعوا لي، وانقيادهم وخضوعهم هو استمرارهم على مشيئته وحكمه، وهو معنى خضوع السماوات والأرضين وطواعيتها وانقيادها» 41.

وفي الآية بين تعالى أنه ما خلق الخلق إلا ليشتغلوا بعبادته، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } [الذاريات:56] .

فلما شرح أحوال الشمس والقمر والنهار والليل، كان المعنى: إنما خلقت هذه الأشياء لتنتفعوا بها، فتصيروا متمكنين من الاشتغال بطاعتي وخدمتي، وإذا كان كذلك، فكل من ورد عرصة القيامة، سألته، هل أتى بتلك الخدمة والطاعة، أو تمرد وعصى 42.

وقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) } [الزمر:62 - 67] .

«يقول تعالى ذكره: الله الذي له الألوهة من كل خلقه الذي لا تصلح العبادة إلا له، خالق كل شيء، لا ما لا يقدر على خلق شيء، وهو على كل شيء وكيل، يقول: وهو على كل شيء قيم بالحفظ والكلاءة» 43.

ويخبر تعالى أنه خالق الأشياء كلها وربها ومليكها والمتصرف فيها، وكل تحت تدبيره وقهره وكلاءته، وقوله عز وجل: له مقاليد السماوات والأرض، قال مجاهد: المقاليد هي المفاتيح بالفارسية، وكذا قال قتادة وابن زيد وسفيان بن عيينة، وقال السدي: له مقاليد السماوات والأرض أي خزائن السماوات والأرض، والمعنى على كلا القولين: أن أَزِمَة الأمور بيده تبارك وتعالى، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير 44.

ثالثًا: قدرة الله:

ذكر الله تعالى بعض الآيات الكونية؛ كالمطر والسحاب والظلمات والبرق والرعد.

قال تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) } [البقرة:19 - 20] .

ثم ختم الآية بقوله: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، مما يدل على أن هذه الآيات دليل على قدرة الله تعالى.

كما استدل القرآن الكريم بآية تقليب الليل والنهار، وآية كل دآبة على كمال قدرته.

قال تعالى: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (44) وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) } [النور:44 - 45] .

وقد أمر الله تعالى بالنظر إلى آية كونية، وهي آية المطر للاستدلال على قدرته سبحانه.

قال تعالى: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) } [الروم:50] .

والمعنى: أي: انظروا نظر استبصار واستدلال، واستدلوا بذلك على أن من قدر على ذلك قادرٌ على إحياء الموتى 45.

وقوله عز وجل: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (99) } [الإسراء:99] .

«يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أولم ينظر هؤلاء القائلون من المشركين: {أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (98) } [الإسراء:98] بعيون قلوبهم، فيعلمون أن الله الذي خلق السماوات والأرض، فابتدعها من غير شيء، وأقامها بقدرته، قادر بتلك القدرة على أن يخلق مثلهم أشكالهم، وأمثالهم من الخلق بعد فنائهم، وقبل ذلك، وأن من قدر على ذلك فلا يمتنع عليه إعادتهم خَلْقًا جديدًا، بعد أن يصيروا عظامًا ورفاتًا» 46.

رابعًا: البعث:

ذكر القرآن الكريم الآيات الكونية في معرض الاستدلال على البعث والحشر إلى الله تعالى يوم القيامة.

قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26) وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28) } [لقمان:25 - 28] .

فقد ذكر القرآن من الآيات الكونية السماوات والأرض والشجر والأقلام وجعلها دليلًا على أن الخلق والبعث ما هو إلا كنفس واحدة.

وذكر الإمام الرازي: «من الدلائل الدالة على إمكان الحشر: الاستدلال باقتداره على السماوات على اقتداره على الحشر، وذلك في آيات، منها في سورة سبحان: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (99) } [الإسراء:99] .

وقال في يس: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) } [يس:81] .

وقال في الأحقاف: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33) } [الأحقاف:33] .

ومنها في سورة ق: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15) } [ق:3 - 15] .

فهذه الآيات الكونية المذكورة في هذه الآيات أقامها القرآن الكريم دليلًا على البعث والحشر، وعرض هذه الآيات الكونية العظيمة في أسلوب الاستفهام التقريري، الذي يقرر حقيقة البعث والنشور، وفيها إشارة إلى أن الذي خلق هذه الآيات الكونية العظيمة هو الذي يبعث الخلق ويحشرهم إليه.

خامسًا: صدق القرآن:

استدل القرآن الكريم على صدق القرآن الكريم بالآيات الكونية.

قال تعالى: {الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (9) } [السجدة:1 - 9] .

فقد ذكر الله تعالى الآيات الكونية في خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وآية خلق الإنسان من طين، وغيرها من الآيات الكونية في معرض الاستدلال على صدق القرآن الكريم، ووجه الاستدلال بهذه الآيات الكونية: أنها سيقت في معرض الإثبات لصدق القرآن وأنه {لَا رَيْبَ فِيهِ} ، أي: لا شك فيه ولا مرية، وأنه منزل من رب العالمين.

ثم قال تعالى مخبرًا عن المشركين {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} أي: اختلقه من تلقاء نفسه، {بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} أي: يتبعون الحق 47.

والمعنى: بل هو الحق والصدق من عند ربك أنزله إليك، لتنذر قومك بأس الله وسطوته أن تحل بهم على كفرهم به، وإنه لم يأتهم نذير من قبلك، ليبين لهم سبيل الرشاد، وأن محمدًا لم يختلقه كما يزعمون 48.

وقد ذكر الله تعالى الآيات الكونية دليلًا على صدق القرآن.

قال سبحانه: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) } [التكوير:1 - 11] .

فقد أخبر الله تعالى عن مصير الآيات الكونية في الآخرة، فقال: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} أي: إذا كورت الشمس، وأمحي ضوؤها، وسقطت حين خراب العالم الذي يعيش فيه الحي في حياته الدنيا، ولا يبقى في عالمه الآخر الذي ينقلب إليه شيءٌ من هذه الأجرام.

{وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ} أي: وإذا النجوم تناثرت وذهب لألاؤها.

{وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ} أي: وإذا الجبال قلعت عن الأرض، وسيرت في الهواء حين زلزلة الأرض، فتقطع أوصالها وتقذف في الفضاء، وتمر على الرؤوس مر السحاب.

{وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} أي: وإذا النوق العشار -وهي أكرم الأموال لديهم، وأعزها عندهم- أُهْمِلَت، ولم يعن بشأنها؛ لاشتداد الخطب، وفداحة الهول.

{وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} أي: ماتت وهلكت، تقول العرب إذا أضرت السنة بالناس وأصابتهم بالقحط والجدب: حشرتهم السنة. أي: أهلكتهم، وهلاكها يكون من هول ذلك الحادث العظيم.

{وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} أي: فجر الزلزال ما بينها حتى اختلطت وعادت بحرًا واحدًا، وقد يكون المراد من تسجيرها إضرامها نارًا. فإن ما في باطن الأرض من النار يظهر بتشققها وتمزق طبقاتها العليا، وحينئذ يصير الماء بخارًا، ولا يبقى إلا النار 49.

{وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} أي: وإذا زوجت الأرواح بأبدانها حين النشأة الآخرة 50.

وهذا الإخبار عن مصير الآيات الكونية في يوم القيامة كتوطئة للقسم بالآيات الكونية في الحياة الدنيا على صدق القرآن.

قال سبحانه: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) } [التكوير: 15 - 19] .

ومعنى: الخنس والكنس في النجوم أنها تطلع جارية، وكذلك تخنس، أي: تغيب، وكذلك تكنس تدخل في كناسها، أي: تغيب في المواضع التي تغيب فيها، فهما بمعنى واحد.

{وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} يقال: عسعس الليل، إذا أقبل، وعسعس، إذا أدبر، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله، وإدباره في آخره.

{وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} إذا امتد حتى يصير نهارًا بينًا.

وجواب القسم بالآيات الكونية المذكورة في الآيات هو قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} يعني: أن القرآن نزل به جبريل عليه السلام 51.

قال الإمام القرطبي: « {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) } هي الكواكب الخمسة الدراري: زحل والمشتري وعطارد والمريخ والزهرة، فيما ذكر أهل التفسير، والله أعلم، وهو مروي عن علي رضي الله عنه، وفي تخصيصها بالذكر من بين سائر النجوم وجهان: أحدهما: لأنها تستقبل الشمس، قاله بكر بن عبد الله المزني، الثاني: لأنها تقطع المجرة، قاله ابن عباس» 52.

ومنها قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80) } [الواقعة:77 - 80] .

ومواقع النجوم فيها أقوال:

الأول: المشارق والمغارب أو المغارب وحدها، فإن عندها سقوط النجوم.

الثاني: هي مواضعها في السماء في بروجها ومنازلها.

الثالث: مواقعها في اتباع الشياطين عند المزاحمة.

الرابع: مواقعها يوم القيامة حين تنتثر النجوم.

وأما مواقع نجوم القرآن، فهي قلوب عباده وملائكته ورسله وصالحي المؤمنين، أو معانيها وأحكامها التي وردت فيها 53.

ومواقع النجوم آية كونية علمية تؤكد صدق القرآن، وقد ذكر الله تعالى أن هذا القسم الذي أقسم به قسم عظيم لو تفكرون في مدلوله فإنه عظيم الخطر بعيد الأثر.

وهذا القسم للإشادة بشأن القرآن، وأنه كثير المنافع وأنه محفوظ في لوح مصون لا يطلع عليه غير المقربين من الملائكة 54.

ومن الآيات الكونية التي يستدل بها على صدق القرآن، قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) } [فصلت:53] .

اختلف المفسرون في بيان معنى هذه الآية على أقوال كثيرة، وحاول كل مفسر أن يفسر الآية بما يتفق مع فهمه والواقع الذي يمكن أن تنزل عليه الآية 55، وأحسن مَنْ بَيَنَ معنى الآية بحيث تكون شاملة وعامة، وتتناول المعنى الذي يعتبر راجحًا هو الإمام الرازي حيث قال: «وفي تفسير قوله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت:53] قولان:

الأول: أن المراد بآيات الآفاق: الآيات الفلكية والكوكبية، وآيات الليل والنهار، وآيات الأضواء والإضلال والظلمات ... وقد أكثر الله منها في القرآن.

وقوله: {وَفِي أَنْفُسِهِمْ} المراد منها الدلائل المأخوذة من كيفية تكون الأجنة في ظلمات الأرحام، وحدوث الأعضاء العجيبة، والتركيبات الغريبة، كما قال تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) } [الذاريات:21] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت