«أحدهما: أن حياة الآخرة هي الحياة لأنها لا تنغيص فيها ولا نفاد لها، أي: لا يشوبها ما يشوب الحياة في هذه الدار، فيكون الحيوان مصدرا على هذا.
الثاني: أن يكون المعنى: أنها الدار التي تفنى ولا تنقطع ولا تبيد كما يفنى الأحياء في هذه الدنيا، فهي أحق بهذا الاسم من الحيوان الذي يفنى ويموت» 75.
وفي قوله تعالى: {لَهِيَ الْحَيَوَانُ} بدلًا من «لهي الحياة» ، إشارة إلى أن الحياة الآخرة هي الحياة، بل هي أصل الحياة، وما سواها من حيوات، ظل لها، أو فرع منها.
وقوله تعالى: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} إشارة إلى أن الغفلة المطبقة على العقول تمنعها من إيثار الباقي على الفاني، وتدفعها لاختيار الضلالة على الهدى، فما أضل الإنسان حين يترك عقله إلى جهله، وبصيرته إلى عماه، وفطرته النقية إلى شهواته الشائبة، فيضحي يالحياة الحقيقية من أجل سراب خادع!
مما سبق يتضح أن الدار الآخرة هي الحياة الدائمة التي لا موت فيها .. «الحياة الكاملة، التي من لوازمها، أن تكون أبدان أهلها في غاية القوة، وقواهم في غاية الشدة، لأنها أبدان وقوى خلقت للحياة، وأن يكون موجودًا فيها كل ما تكمل به الحياة، وتتم به اللذات، من مفرحات القلوب، وشهوات الأبدان، من المآكل، والمشارب، والمناكح، وغير ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» 76.
فأين هذه الحياة الآخروية من حياتنا الدنيا المملؤة بالمنغّصات والمكدرات، لذاتها ممزوجة بالمتاعب والآلام، يعيش المرء في خوف وهمّ من فقدان متاعها في أي لحظة، فيا قرة أعين المؤمنين بالحياة الحقيقية في الآخرة التي تعوضهم عن كل نصب وشقاء أصابهم في الحياة الدنيا.
2.دار القرار.
قال الله تعالى: {يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) } [غافر:39] .
قال ابن كثير في قوله تعالى {وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} : «الدار التي لا زوال لها، ولا انتقال منها ولا ظعن عنها إلى غيرها، بل إما نعيم وإما جحيم» 77.
«وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه {وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} استقرّت الجنّة بأهلها واستقرت النّار بأهلها» 78.
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أن الجنة والنار مستقرتان، فقال في وصف الجنة {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24) } [الفرقان:24] .
وقوله تعالى: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76) } [الفرقان:75 - 76] .
كما قال عز وجل في وصف النار: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29) } [إبراهيم:28 - 29] .
«وأي قرار هذا الذي يقر أو يستقر أو يستمر في جهنم، لو كان يدخل فيها يومًا أو يومين، أو شهرًا أو شهرين، أو سنة أو سنتين، أو مائة سنة أو مائتين، أو ألفًا أو ألفين، لا .. خالدين فيها أبدًا والعياذ بالله. الإنسان يعيش في الدنيا مستمتعًا باللذائذ والشهوات، ومن كل ما لذ وطاب من الحلال والحرام، فإذا جئ به يوم القيامة، وغمس في جهنم غمسة واحدة، ثم يسأل: «هل أصابك نعيم قط؟» هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا، ما أصابني نعيم قط 79. وغمسة واحدة تنسيه كل نعيم الدنيا، فما بالكم بمن يقر في جهنم ويقاسي حر نارها، وقبحت المستقر» 80.
3.دار الخلد.
قال الراغب: «الخلود: هو تبرّي الشيء من اعتراض الفساد، وبقاؤه على الحالة التي هو عليها» 81.
وقال صاحب لسان العرب: «الخلد: دوام البقاء في دارٍ لا يخرج منها، خلد يخلد خلدًا وخلودًا: بقي وأقام. ودار الخلد: الآخرة لبقاء أهلها فيها» 82.
ولقد وصف الله عز وجل الحياة الآخرة بالخلود، فقال تعالى في حق أهل الجنة: {قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15) } [الفرقان:15] .
وقال تعالى في حق أهل النار: {ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (28) } [فصلت:28] .
وقوله تعالى: {ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (52) } [يونس:52] .
أي: لهم الخلود الدائم، الذي لا يفتر عنهم العذاب ساعة، فشدة العذاب وعظمه، مستمر عليهم في جميع الآنات واللحظات.
روى الشيخان عن أبي سعيدٍ الخدريّ رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: (يؤتى بالموت كهيئة كبشٍ أملح 83، فينادي منادٍ يا أهل الجنّة فيشرئبّون 84 وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلّهم قد رآه. ثمّ ينادي: يا أهل النّار، فيشرئبّون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلّهم قد رآه. فيذبح. ثمّ يقول: يا أهل الجنّة، خلودٌ فلا موت، يا أهل النّار، خلودٌ فلا موت، ثمّ قرأ {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(39) } [مريم:39] 85.
4.دار الجزاء.
من صفات الحياة الآخرة التي لابد أن نؤمن بها أنها دار الجزاء، وهذا الجزاء هو الجزاء الحقيقي، لأنه جاء من الملك الحق الذي لا يملك أحد معه في الحياة الآخرة حكمًا كملكهم في الدنيا.
قال تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) } [الفاتحة:4] .
والدين الجزاء والحساب؛ كما قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ} [النور:25] .
وقال: {أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} [الصافات:53] ، أي: مجزيون محاسبون 86.
قال الله تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17) } [غافر:17] .
وقوله تعالى: {وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (22) } [الجاثية:22] .
5.دار الحق.
قال تعالى: {ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (39) } [النبأ:39] .
«إنه اليوم الحق الذي يتقرر فيه الحق من حساب وجزاء وجنة ونار، يتقرر فيه ما وعد الله به وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين، إنه اليوم الحق الذي يتلاشى مع وقوعه كل تعلق بباطل، ولايقول الناس جميعًا إلا الحق ولا يرون إلا الحق، إنه الحق الذي لا لبس فيه ولا شك» 87.
فيا له من يوم عظيم لا موضع فيه لباطل ولا ادعاء، تبلى فيه السرائر وتنكشف الضمائر.
وصف القرآن الكريم نعيم الآخرة بعدة صفات، منها:
1.دائم.
وصفت الآيات القرآنية نعيم الآخرة بأنه نعيم باق دائم على عكس نعيم الدنيا الزائل الفان.
قال تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل:96] .
«أي: يفرغ وينقضي، فإنه إلى أجل معدود محصور مقدّر متناه، {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} أي: وثوابه لكم في الجنة باق لا انقطاع ولا نفاد له فإنه دائم لا يحول ولا يزول» 88.
يقول الإمام الرازي في شرح هذه الآية: «الحس شاهد بأن خيرات الدنيا منقطعة، والعقل دل على أن خيرات الآخرة باقية، والباقي خير من المنقطع، والدليل عليه أن هذا المنقطع إما أن يقال: إنه كان خيرًا عاليًا شريفًا أو كان خيرًا دنيًّا خسيسًا، فإن قلنا: إنه كان خيرًا عاليًا شريفًا فالعلم بأنه سينقطع يجعله منغصًّا حال حصوله، وأما حال حصول ذلك الانقطاع فإنها تعظم الحسرة والحزن، وكون تلك النعمة العالية الشريفة كذلك ينغص فيها ويقلل مرتبتها وتفتر الرغبة فيها، وأما إن قلنا: إن تلك النعمة المنقطعة كانت من الخيرات الخسيسة فهمنا من الظاهر أن ذلك الخير الدائم وجب أن يكون أفضل من ذلك الخير المنقطع، فثبت بهذا أن قوله تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} برهان قاطع على أن خيرات الآخرة أفضل من خيرات الدنيا» 89.
وقال تعالى: {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (54) } [ص:54] .
أي: أنّ النعم في الآخرة خالدة ولا تنفد ولا تزول كما في الحياة الدنيا، وأنّها تزداد دائمًا من خزائن الله المملوءة وغير المحدودة، ولا يظهر عليها أي نقص.
قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ} دليل على أن نعيم الجنة دائم لا ينقطع؛ كما قال: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود:108] ، وقال: {لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [الانشقاق:25] 90.
كما وصف الله عز وجل أشجار الجنة بأنها دائمة العطاء، فهي ليست كأشجار الدنيا تعطي في وقت دون وقت، وفصل دون فصل، بل هي دائمة الإثمار والظلال.
قال تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (35) } [الرعد:35] .
فيا له من فضل عظيم من الرب الكريم، الرءوف الرحيم، البر الجواد، الواسع الغني على عباده المؤمنين أن جعل لهم هذا النعيم الدائم المستقر في جميع الأوقات، متزايدًا في جميع الآنات.
2.خير.
وصف الله عز وجل الدار الآخرة بأنها خير للمتقين في آيات كثيرة منها:
قوله تعالى: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) } [النحل:30] .
قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) } [يوسف:109] .
قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169) } [الأعراف:169] .
قوله تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32) } [الأنعام:32] .
يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: «لا شيء يثبت على الغير والأحداث وتقلبات الأحوال في هذا الخضم الهائج وفي هذه المعركة الكبرى، إلا اليقين في الآخرة، وأنها خير للذين يتقون، ويعفون، ويترفعون، ويثبتون على الحق والخير في وجه الزعازع والأعاصير والفتن، ويمضون في الطريق لا يتلفتون، مطمئنين واثقين، ملأ قلوبهم اليقين» 91.
وقد وصف الفخر الرازي وجوهًا عدة لوصف نعيم الآخرة بكونه خيرًا، فقال: «الأول: أن خيرات الدنيا ليست إلا قضاء الشهوتين، وهو في نهاية الخساسة، بدليل أن الحيوانات الخسيسة تشارك الإنسان فيه، بل ربما كان أمر تلك الحيوانات فيها أكمل من أمر الإنسان.
الثاني: أن هذين النوعين تشاركا في الفضل والمنقبة، إلا أن الوصول إلى الخيرات الموعودة في غد القيامة معلوم قطعًا، وأما الوصول إلى الخبرات الموعودة في غد الدنيا فغير معلوم بل ولا مظنون، فكم من سلطان قاهر في بكرة اليوم صار تحت التراب في آخر ذلك اليوم، وكم من أمير كبير أصبح في الملك والإمارة، ثم أمسى أسيرًا حقيرًا، وهذا التفاوت أيضا يوجب المباينة بين النوعين.
الثالث: هب أنه وجد الإنسان بعد هذا اليوم يومًا آخر في الدنيا، إلا أنه لا يدري هل يمكنه الانتفاع بما جمعه من الأموال والطيبات واللذات أم لا؟ أما كل ما جمعه من موجبات السعادات، فإنه يعلم قطعًا أنه ينتفع به في الدار الآخرة.
الرابع: هب أنه ينتفع بها إلا أن انتفاعه بخيرات الدنيا لا يكون خاليًا عن شوائب المكروهات، وممازجة المحرمات المخوفات.
الخامس: هب أنه ينتفع بتلك الأموال والطيبات في الغد، إلا أن تلك المنافع منقرضة ذاهبة باطلة، وكلما كانت تلك المنافع أقوى وألذ وأكمل وأفضل كانت الأحزان الحاصلة عند انقراضها وانقضائها أقوى وأكمل.
فثبت بما ذكرنا أن سعادات الدنيا وخيراتها موصوفة بهذه العيوب العظيمة، والنقصانات الكاملة وسعادات الآخرة مبرأة عنها، فوجب القطع بأن الآخرة أكمل وأفضل وأبقى وأتقى وأحرى وأولى» 92.
3.أكبر.
قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) } [النحل:41] .
وقال تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) } [الإسراء:21] .
«والمعنى: أن تفاضل الخلق في درجات منافع الدنيا محسوس، فتفاضلهم في درجات منافع الآخرة أكبر وأعظم، فإن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا، فإذا كان الانسان تشتد رغبته في طلب فضيلة الدنيا فبأن تقوى رغبته في طلب فضيلة الآخرة أولى.
أو أن المراد أن الآخرة أعظم وأشرف من الدنيا، والمعنى أن المؤمنين يدخلون الجنة، والكافرين يدخلون النار، فيظهر فضل المؤمنين على الكافرين، ونظيره قوله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24) } [الفرقان:24] » 93.
«وفي هذا ترغيب للخلق في تحصيل الفضل في درجات الآخرة؛ فإنهم إنما يتهالكون في الدنيا على أن يفضل بعضهم بعضًا في شيء منها، وهي الدار الفانية. فلم لا يتسابقون فيما ينالون به الفضل في الدار الباقية؟! مع أن من عمل لنيل الفضل في الآخرة -وما عملها إلاّ الخير والمعروف- حاز الفضل والسعادة فيهما على أفضل وجه، وأكمل حال، فللآخرة ونيل درجاتها فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون» 94.
قال الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) } [التوبة:72] .
وتأمل في قوله سبحانه: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} ثم اسأل نفسك: أي نعيم يفوق هذا النعيم؟! إن كل نعيم الآخرة ليتضاءل أمام رضوان الله عز وجل، وماذا يحتاج المؤمن بعد أن تغمره نسمات الرضا الإلهي .. فيا فوز المؤمنين بهذا المقام الكريم، ويا سعادتهم برضوان من الله يغمر أرواحهم، وتستشعره نفوسهم بلا انقطاع، ويا حسرة غير المؤمنين وهم يتجرعون مرارة سخط ربهم عليهم ويقاسون أشد أنواع الحرمان والخسران.
روى الإمام مسلم بسنده عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يقول لأهل الجنّة: يا أهل الجنّة، فيقولون: لبيك يا ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم فيقولون: ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحدًا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قالوا: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا) 95.
4.مقام أمين.
قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) } [الدخان:51] .
«أي: في الآخرة وهو الجنة، قد أمنوا فيها من الموت والخروج، ومن كل هم وحزن وجزع وتعب ونصب، ومن الشيطان وكيده، وسائر الآفات والمصائب» 96.
«والمقام: موضع الإقامة، والأمين: الآمن من كل سوء ومكروه، وهو الذي قد جمع صفات الأمن كلها، فهو آمن من الزوال والخراب وأنواع النقص، وأهله آمنون فيه من الخروج والنغص والنكد، وتأمل كيف ذكر سبحانه الأمن في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} ، وفي قوله تعالى: {يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55) } [الدخان:55] .
فجمع لهم بين أمن المكان وأمن الطعام، فلا يخافون انقطاع الفاكهة ولا سوء عاقبتها ومضرتها، وأمن الخروج منها، فلا يخافون ذلك، وأمن من الموت فلا يخافون فيها موتا» 97.
«والأمن أكبر شروط حسن المكان؛ لأن الساكن أول ما يتطلب الأمن وهو السلامة من المكاره والمخاوف فإذا كان آمنًا في منزله كان مطمئن البال شاعرًا بالنعيم الذي يناله» 98.
فيا لقرة أعين المؤمنين بهذا المقام الأمين، ويا لسعادتهم وهم يغادرون جميع المخاوف والمكاره إلى غير رجعة.
ثالثًا: وصف عذاب الآخرة:
إن المتدبر للقرآن الكريم يجد في آيات كثيرة وصف الله عز وجل لعذاب الحياة الآخرة بأوصاف كثيرة متنوعة، وذلك كعادة المنهج القرآنى في الجمع بين الترهيب والترغيب، فهذا «المنهج يتعامل مع الناس جميعًا، مع الطبيعة البشرية. والله يعلم من هذه الطبيعة حاجتها إلى هذا الوعد بالمغفرة والأجر العظيم، وحاجتها كذلك إلى معرفة جزاء الكافرين المكذبين! إن هذا وذلك يرضي هذه الطبيعة، يطمئنها على مصيرها وجزائها، ويشفي غيظها من أفاعيل الشريرين!» 99.
ومن هذه الأوصاف مايأتي:
1.أشق وأشد.
قال الله تعالى: {لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (34) } [الرعد:34] .
قال ابن كثير: « {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ} أي: المدّخر لهم مع هذا الخزي في الدنيا، {أَشَقُّ} أي: من هذا بكثير، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين: (إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة) 100، فإن عذاب الدنيا له انقضاء، وذاك دائم أبدًا في نار هي بالنسبة إلى هذه سبعون ضعفًا، ووثاق لا يتصور كثافته وشدته، كما قال تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) } [الفجر:25 - 26] » 101.
وقد بين الرازي في تفسيره وجه زيادة عذاب الآخرة عن عذاب الدنيا فقال: « {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ} لأنه أزيد إن شئت بسبب القوة والشدة، وإن شئت بسبب كثرة الأنواع، وإن شئت بسبب أنه لا يختلط بها شيء من موجبات الراحة، وإن شئت بسبب الدوام وعدم الانقطاع» 102.
ومن هذه الآيات التي وصفت عذاب الآخرة بأنه أشق وأشد قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127) } [طه:127] .
وقوله تعالى: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) } [البقرة:85] .
وقوله تعالى: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) } [التوبة:81] .
2.غرام.