أولًا: المعنى اللغوي:
توب: التّاء والواو والباء كلمةٌ واحدةٌ تدلّ على الرّجوع. يقال: تاب من ذنبه، أي رجع عنه، يتوب إلى اللّه توبةً ومتابًا، فهو تائبٌ. والتّوب: التّوبة. قال اللّه تعالى: {وَقَابِلِ التَّوْبِ} [غافر: 3] 1.
وتاب إلى اللّه توبًا وتوبةً ومتابًا وتابةً وتتوبةً: رجع عن المعصية، وهو تائبٌ وتوّابٌ، وتاب الله عليه: وفّقه للتّوبة، أو رجع به من التّشديد إلى التّخفيف، أو رجع عليه بفضله وقبوله، وهو توّابٌ على عباده 2.
والتائب يقال لباذل التوبة ولقابل التوبة؛ فالعبد تائب إلى الله، والله تائب على عبده.
والتّوّاب: العبد الكثير التوبة، وذلك بتركه كلّ وقت بعض الذنوب على الترتيب حتى يصير تاركًا لجميعه، وقد يقال ذلك لله تعالى؛ لكثرة قبوله توبة العباد حالًا بعد حال 3.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
التوبة في الشرع: الرجوع عن الأفعال المذمومة إلى الممدوحة.
والتوبة النصوح: ألا يبقي على عمله أثرًا من المعصية، سرًّا وجهرًا 4.
قال الطبري رحمه الله: «التوبة من العبد إلى ربه: إنابته إلى طاعته، وأوبته إلى ما يرضيه بتركه ما يسخطه من الأمور التي كان عليها مقيمًا مما يكرهه ربه، فكذلك توبة الله على عبده هو أن يرزقه ذلك، ويتوب من غضبه عليه إلى الرضا عنه، ومن العقوبة إلى العفو والصفح عنه» 5.
وهذا التعريف في الاصطلاح لا يخرج عن معناه في اللغة.
وردت مادة (توب) في القرآن (87) مرة 6.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 34 ... {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} [التوبة:117]
الفعل المضارع ... 21 ... {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [النساء:17]
الفعل الأمر ... 8 ... {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التحريم:8]
المصدر ... 8 ... {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} [الشورى:25]
اسم الفاعل ... 2 ... {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ} [التوبة:112]
صيغة المبالغة ... 12 ... {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) } [النصر:3]
وجاءت التوبة في القرآن على وجهين 7:
أحدها: الندم على فعل الشيء والرجوع عنه، ومنه قوله تعالى: {فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) } [الأعراف:143] .يعني: ندمت ورجعت إليك.
والثاني: التجاوز، ومنه قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء:27] .يعني: يتجاوز عنكم.
الاعتذار:
الاعتذار لغة:
(اعتذر) فلان: صار ذا عذر، وإليه: طلب قبول معذرته، ويقال: اعتذر من ذنبه واعتذر عن فعله: تنصل واحتج لنفسه 8.
الاعتذار اصطلاحًا:
تحري الإنسان ما يمحو به أثر ذنبه، وذلك ثلاثة: الأول: أن يقول: لم أفعل أو فعلت لأجل كذا، فيذكر ما يخرجه عن كونه ذنبًا، الثاني: أن يقول: فعلت ولا أعود ونحو ذلك، والثالث: هو التوبة، فكل توبة عذر ولا عكس 9.
الصلة بين التّوبة والاعتذار:
التوبة من الذنب الذي لا عذر في اقترافه، والمعتذر يذكر أن له في ما أتاه من المكروه عذرًا، ولو كان الاعتذار التّوبة لجاز أن يقال: اعتذر إلى الله، كما يقال: تاب إليه، وأصل العذر: إزالة الشّيء عن جهته، أي: أزال ما كان في نفسه عليه في الحقيقة أو في الظّاهر 10.
الندم:
النّدم لغة:
(ندم) على الأمر ندمًا وندامة: أسف وكرهه بعدما فعله فهو نادم 11.
النّدم اصطلاحًا:
التّحسّر من تغيّر رأي في أمر فائتٍ 12.
الصلة بين النّدم والتّوبة:
التّوبة من النّدم؛ وذلك أنّك قد تندم على الشّيء ولا تعتقد قبحه، ولا تكون التّوبة من غير قبح، فكل توبة ندم، وليس كل ندم توبة 13.
الاستغفار:
الاستغفار لغة:
(استغفر) : أي طلب المغفرة، واستغفر اللّه ذنبه: طلب منه غفره 14، وفي اللغة العربية إذا دخلت السين والتاء على الفعل أفادت معنى الطلب.
وبهذا، فإنّ معنى الاستغفار في اللغة: طلب السّتر، وطلب ترك المؤاخذة على الذّنب.
الاستغفار اصطلاحًا:
طلب ستر الذنب بالعفو عنه، وعدم العقوبة عليه 15.
الصلة بين التوبة والاستغفار:
قال ابن القيم: «الاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمن الاستغفار، وكل منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق، وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى، فالاستغفار: طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة: الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله» 16.
الإصرار:
الإصرار لغة:
(أصر) على الأمر: ثبت عليه ولزمه، وأكثر ما يستعمل في الآثام 17.
الإصرار اصطلاحًا:
وهو: التّعقّد في الذّنب والتّشدّد فيه، والامتناع من الإقلاع عنه، قال الله تعالى: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135] .
الصلة بين التوبة والإصرار:
علاقة تضاد، فالعبد إذا عصى وطال زمان التوبة وقع في الإصرار، قال تعالى: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} ، أي تبتدئ التوبة من زمانٍ قريب من زمان المعصية؛ لئلا يقع في الإصرار 18.
أولًا: اقتران التوبة بالإصلاح:
قرن الله سبحانه بين التوبة والإصلاح في مواضع من كتابه، منها: قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 160] .
وقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 89] .
وقوله تعالى: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء 16] .
وقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 146] .
وقوله تعالى: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة 39] .
وقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 54] .
وقوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 119] .
وقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 5] .
فالآيات تدل دلالةً واضحةً على أنه ليس المقصود بالتوبة ترك القبيح فحسب، بل يجب فعل الحسن، وهو الإصلاح.
ومن أجل ذلك شرط سبحانه وتعالى في توبة أهل الكتاب الذين كان ذنبهم كتمان ما أنزل الله من البينات والهدى؛ ليضلوا الناس بذلك، شرط أن يصلحوا العمل في نفوسهم، ويبيّنوا للناس ما كانوا يكتمونهم إياه، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 159 - 160] .
وشرط في توبة المنافقين الذين كان ذنبهم إفساد قلوب ضعفاء المؤمنين، وتحيزهم واعتصامهم باليهود والمشركين أعداء الرسول، وإظهارهم الإسلام رياءً وسمعةً: أن يصلحوا بدل إفسادهم، وأن يعتصموا بالله بدل اعتصامهم بالكفار من أهل الكتاب والمشركين، وأن يخلصوا دينهم لله بدل إظهارهم رياءً وسمعةً، فهكذا تفهم شرائط التوبة وحقيقتها 19، كما قال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 146] .
وتجدر الإشارة هنا إلى أن هناك أعمالًا طلب الله فيها التوبة فقط، وأعمالًا طلب فيها التوبة والإصلاح، وأعمالًا طلب فيها التوبة والإصلاح والبيان.
ثانيًا: اقتران التوبة بالاستغفار:
قرن الله سبحانه وتعالى بين التوبة والاستغفار على ألسنة رسله.
قال محمد صلى الله عليه وسلم: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود: 3] .
وقال هود عليه السلام: {وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود: 52] .
وقال صالح عليه السلام: {فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود: 61] .
وقال شعيب عليه السلام: {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود: 90] .
الاستغفار: طلب وقاية شرّ ما مضى، والتوبة: الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله 20.
وقيل في العلاقة بينهما: التوبة: هي الرجوع إلى الله مما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبه الله ظاهرًا وباطنًا؛ ندمًا على ما مضى، وتركًا في الحال، وعزمًا على أن لا يعود، والاستغفار: طلب المغفرة من الله، فإن اقترن به توبة فهو الاستغفار الكامل الذي رتّبت عليه المغفرة، وإن لم تقترن به التوبة فهو دعاء من العبد لربه أن يغفر له، فقد يجاب دعاؤه وقد لا يجاب، وهو بنفسه عبادة من العبادات، فهو دعاء عبادة، ودعاء مسألة 21.
اشتقّ الله سبحانه وتعالى من التوبة اسمًا له، وهو التوّاب؛ دلالة على عظم التوبة وفضلها:
أولًا: معنى اسم الله التواب:
قال الطبري رحمه الله: «إن الله جل ثناؤه هو التوّاب على من تاب إليه من عباده المذنبين من ذنوبه، التارك مجازاته بإنابته إلى طاعته بعد معصيته بما سلف من ذنبه» 22.
وجاء (توّاب) على أبنية المبالغة لقبوله توبة عباده، وتكرير الفعل منهم دفعة بعد دفعة، وواحدًا بعد واحد على طول الزمان، وقبوله عز وجل ممن يشاء أن يقبل منه؛ فلذلك جاء على أبنية المبالغة، فالعبد يتوب إلى الله عز وجل ويقلع عن ذنوبه، والله يقبل توبته. فالعبد تائب والله توّاب 23.
وقال ابن القيم في نونيته 24:
وكذلك التوّاب من أوصافه
والتوّاب في أوصافه نوعان
إذن بتوبة عبده وقبولها
بعد المتاب بمنة المنان
ويقول السعدي رحمه الله: «فهو التائب على التائبين أولًا بتوفيقهم للتوبة، والإقبال بقلوبهم إليه، وهو التائب عليهم بعد توبتهم قبولًا لها، وعفوًا عن خطاياهم» 25.
ثانيًا: الأسماء المقترنة باسمه التوّاب:
ورد اسم الله سبحانه وتعالى (التَّوَّاب) في إحدى عشرة آية في القرآن الكريم 26:
1.الرحيم.
اقترن اسم التواب باسم الرحيم في (9) آيات، منها:
قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37] .
وقوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 104] .
وقوله تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 12] .
ومناسبة هذا الاقتران: أن توبة الله على عباده وتوفيقهم إليها ثم قبولها منهم، هو من آثار رحمته تعالى وبره وإحسانه.
قال الطبري رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118] : «إن الله هو الوهاب لعباده الإنابة إلى طاعته، الموفق من أحب توفيقه منهم لما يرضيه عنه، الرحيم بهم أن يعاقبهم بعد التوبة، أو يخذل من أراد منهم التوبة والإنابة ولا يتوب عليه» 27.
وقال السعدي رحمه الله: « {إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ} أي: كثير التوبة والعفو، والغفران عن الزلات والعصيان، {الرَّحِيمُ} وصفه الرحمة العظيمة التي لا تزال تنزل على العباد في كل وقت وحين، في جميع اللحظات، ما تقوم به أمورهم الدينية والدنيوية» 28.
2.الحكيم.
اقترن اسم التواب باسم الحكيم مرة واحدة، في قوله تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} [النور: 10] .
فهو {تَوَّابٌ} يقبل العاصين منكم، ويردّهم إلى دائرة المؤمنين الصالحين، إذا هم تابوا وأصلحوا، وهو سبحانه: {حَكِيمٌ} فيما حدّ من حدود ورصد من عقوبات، للمعتدين على حدوده 29.
وفي ذكر وصف {حَكِيمٌ} هنا مع وصف {تَوَّابٌ} إشارةٌ إلى أن في هذه التوبة حكمة، وهي استصلاح الناس 30.
تنوّعت مجالات التوبة وتنوّعت معها شروطها. وشرط التوبة من ذنب هي فعل ضده، فشرط توبة المشرك: الإيمان؛ لأن ذنبه الإشراك، وشرط توبة المنافق الإخلاص؛ لأن ذنبه الرياء، وشرط توبة الكاتمين ما أنزل الله من البينات والهدى: البيان، وتوبة القاذف إكذابه نفسه؛ لينتفي عن المقذوف العار الذي ألحقه به بالقذف.
وسوف نوضّح مجالات التوبة فيما يلي:
أولًا: التوبة عن الشرك والكفر:
أرسل الله الأنبياء والرسل لدعوة أقوامهم إلى التوبة من الشرك والكفر، بأمرهم بالاستغفار من الشرك ثم بالتوبة من بعده:
قال هود عليه السلام: {وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود: 52] .
أي: آمنوا به حتى يغفر لكم ذنوبكم. والاستغفار: هو الإيمان بالله في هذا الموضع؛ لأن هودًا عليه السلام إنما دعا قومه إلى توحيد الله؛ ليغفر لهم ذنوبهم، ثم توبوا إلى الله من سالف ذنوبكم وعبادتكم غيره بعد الإيمان به 31.
والذنب الذي طلب هود عليه السلام قومه التوبة منه هو ذنب الشرك، قال أبو بكر الأصم: «استغفروا: أي سلوه أن يغفر لكم ما تقدم من شرككم، ثم توبوا من بعده بالندم على ما مضى، وبالعزم على أن لا تعودوا إلى مثله» 32.
وقال صالح عليه السلام: {يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} [هود: 61] .
«اعملوا عملًا يكون سببًا لستر الله عليكم ذنوبكم، وذلك الإيمان به، وإخلاص العبادة له دون ما سواه واتباع رسوله صالح، ثم اتركوا من الأعمال ما يكرهه ربكم إلى ما يرضاه ويحبه، إن ربي قريب ممن أخلص له العبادة ورغّب إليه في التوبة، مجيب له إذا دعاه» 33.
ويظهر من ختام الآية بجملة: {إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} أنهم استعظموا أن يكون جرمهم مما يقبل الاستغفار عنه، فطمأنهم صالح عليه السلام إلى استجابته سبحانه وتعالى لتوبتهم إذا تابوا وقبولها منهم.
ويستفاد من الآيات أنه: يجب على كل داعٍ إلى الله أن يحبّب عباد الله إلى خالقهم، ويبشّرهم بحبه سبحانه لتوبتهم واستجابته ممن تاب إليه.
وقال شعيب عليه السلام: {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود: 90] .
واستغفروا ربكم من سالف الذنوب، ثم توبوا إليه فيما تستقبلونه من الأعمال السيئة، {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} أي: لمن تاب وأناب 34. ويستفاد من الآية: أن الله شديد المحبة لمن يتقرب إليه بالتوبة.
وأخبر سبحانه وتعالى أن الذين عملوا السيئات من الكفر والمعاصي، ثم رجعوا من بعد فعلها إلى الإيمان والعمل الصالح، فإنه سبحانه وتعالى من بعد التوبة النصوح لغفور لأعمالهم.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأعراف: 153] .
هذا خبر من الله تعالى ذكره أنه قابل من كل تائب إليه من ذنب أتاه صغيرة كانت معصيته أو كبيرة، كفرًا كانت أو غير كفر، كما قبل من عبدة العجل توبتهم بعد كفرهم به بعبادتهم العجل، وارتدادهم عن دينهم 35.
ويستفاد من الآية: أنه سبحانه وتعالى يقبل توبة عباده من أي ذنب كان، حتى ولو كان من كفر أو شرك أو نفاق أو شقاق.
وأخبر سبحانه وتعالى إن رجع المشركون عن كفرهم، ودخلوا الإسلام، والتزموا شرائعه من إقام الصلاة وإخراج الزكاة، فاتركوهم، فقد أصبحوا إخوانكم في الإسلام.
قال تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 5] .
{فَإِنْ تَابُوا} من شركهم {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} أي: أدوها بحقوقها {وَآتَوُا الزَّكَاةَ} لمستحقيها {فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} أي: اتركوهم، وليكونوا مثلكم، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} يغفر الشرك فما دونه، للتائبين، ويرحمهم بتوفيقهم للتوبة، ثم قبولها منهم.
وفي هذه الآية دليل على أن من امتنع من أداء الصلاة أو الزكاة، فإنه يقاتل حتى يؤديهما، كما استدل بذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه 36.
ورغّب سبحانه وتعالى المشركين في التوبة، ورهّبهم من الاستمرار على الشرك، فقال: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 3] .
«يقول تعالى: فإن تبتم من كفركم أيها المشركون، ورجعتم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأنداد، فالرجوع إلى ذلك خير لكم من الإقامة على الشرك في الدنيا والآخرة، وإن أدبرتم عن الإيمان بالله وأبيتم إلا الإقامة على شرككم، فأيقنوا أنكم لا تفيتون الله بأنفسكم من أن يحل بكم عذابه الأليم وعقابه الشديد على إقامتكم على الكفر، كما فعل بذويكم من أهل الشرك، من إنزال نقمه به وإحلاله العذاب عاجلًا بساحته، وأعلم يا محمد الذين جحدوا نبوتك وخالفوا أمر ربهم بعذاب موجع يحل بهم» 37.
والترغيب والترهيب في آية البراءة يشيران إلى أن المنهج الإسلامي منهج هداية قبل كل شيء، فهو يتيح للمشركين هذه المهلة لا لمجرد أنه لا يحب أن يباغتهم ويفتك بهم متى قدر- كما كان الشأن في العلاقات الدولية ولا يزال! - ولكنه كذلك يمهلهم هذه المهلة للتروي والتدبر، واختيار الطريق الأقوم، ويرغّبهم في التوبة عن الشرك والرجوع إلى الله، ويرهّبهم من التولي، وييئسهم من جدواه، وينذرهم بالعذاب الأليم في الآخرة فوق الخزي في الدنيا. ويوقع في قلوبهم الزلزلة التي ترجها رجًّا، لعل الركام الذي ران على الفطرة أن ينفض عنها، فتسمع وتستجيب! 38.
ثانيًا: التوبة عن النفاق: