فهرس الكتاب

الصفحة 1103 من 2431

«وقد جاء قوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} كالنتيجة للمقدمة؛ لأن المقصود من الإخبار بأن الله يملك الساكنات التمهيد لإثبات عموم علمه، وإلا فإن ملك المتحركات المتصرفات أقوى من ملك الساكنات التي لا تبدي حراكًا، فظهر حسن وقع قوله: وهو السميع العليم عقب هذا» 48.

وفي الآيات أيضًا امتنانٌ من الله تعالى على خلقه، بأن جعل الليل رحمة لهم، ونعمة تستوجب الشكر؛ ولكن أكثر الناس لا يشكرون.

وبين سبحانه لعباده أن آية الليل هي محض فضلٍ منه تعالى لا عن استحقاق منهم، ولذلك قال: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} [غافر: 61] .

كما أن الآيات الكريمة كانت في سورٍ مكية لتدلنا على حقيقة تلك التعبيرات القرآنية المليئة بالقوة والجزالة، والمحاجة بالبراهين الكونية والعقلية التي توصل إلى نتيجة واحدة، وهي أن لهذا الكون إلاهًا ومدبرًا واحدًا يستحق العبادة والتوحيد.

الغين والشين والحرف المعتل أصلٌ صحيحٌ يدل على تغطية شيء بشيء 49.

وهذا المعنى هو المقصود من قوله {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [الليل:1] 50.

وقيل: إذا غشي الخليقة بظلامه 51.

وعلى أي تفسير كان عليه هذا اللفظ، فإن المقصود منه الوصف الحاصل كل يوم بغشيان ظلام الليل وتغطيته لضوء النهار 52.

ومن ذلك أيضًا: قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54] .

وقوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3] .

قال السمرقندي: «يعني: إن الليل يأتي على النهار فيغطيه، ولم يقل يغشي النهار الليل؛ لأن في الكلام دليلًا عليه. وقد بين في آية أخرى: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} [الزمر: 5] .

فكذلك هاهنا معناه يغشي النهار الليل ويغشي الليل النهار؛ يعني: إذا جاء النهار يذهب بظلمة الليل، وإذا جاء الليل يذهب بنور النهار» 53.

وجاء في قراءة عاصم من رواية أبى بكر، وقراءة حمزة، والكسائي 54: (يغشي) بالتشديد احتجاجًا بقوله تعالى {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} [النجم: 54] .

فالتشديد يوجب التكرير، وكذلك هو فعلٌ يتكرر ويتردد؛ وذلك أن كل ليلة غير ليل اليوم الآخَرِ، فالتغشية مكررة لمجيئها يومًا بعد يوم، وليلة بعد ليلة 55؛ ولذلك كانت أبلغ من قراءة التخفيف مع أن معناهما واحد 56.

وفي آية الأعراف، عقب ذكر غشيان الليل النهار بالطلب الحثيث، وهو السريع، «لأن سرعة تعاقب الليل والنهار تجعل كل واحد منهما كالطالب لصاحبه» 57.

وفي آية الرعد، عقب ذكر غشيان الليل النهار بالتدبر والتفكر في آية الله فيهما، وقد ضمن ذلك المدح للمتفكرين عن غيرهم ممن عطل هذه العبادة القلبية العظيمة.

إن اللباس في الأصل جعله الله تعالى صفة لبني آدم.

قال تعالى: {يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ} [الأعراف: 26] .

ولكن اللباس استعير لوصف الليل بجامع الستر والتغطية، فكما أن اللباس يستر عورة بني آدم، فكذلك الليل يستر الخلائق بظلامه؛ لكي يرتاح من المشقة التي كانت في نهاره، «ولما في هذا الستر من فوائد كثيرة لقضاء الحوائج التي يجب إخفاؤها» 58؛ ولذلك قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} [الفرقان: 47] .

وقال عز وجل: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا} [النبأ: 10] .

وقد ذكر الرازي بعض وجوه النعم من كون الليل ساترًا ولباسًا، فقال: «وأما وجه النعمة في ذلك، فهو أن ظلمة الليل تستر الإنسان عن العيون إذا أراد هربا من عدو، أو بياتًا له، أو إخفاء ما لا يحب الإنسان إطلاع غيره عليه.

قال المتنبي:

وكم لظلام الليل عندي من يدٍ

تخبر أن المانوية تكذب

وأيضًا فكما أن الإنسان بسبب اللباس يزداد جماله وتتكامل قوته، ويندفع عنه أذى الحر والبرد، فكذا لباس الليل بسبب ما يحصل فيه من النوم يزيد في جمال الإنسان، وفي طراوة أعضائه، وفي تكامل قواه الحسية والحركية، ويندفع عنه أذى التعب الجسماني، وأذى الأفكار الموحشة النفسانية، فإن المريض إذا نام بالليل وجد الخفة العظيمة» 59.

النون والشين والهمزة أصلٌ صحيحٌ يدل على ارتفاع في شيء، وأنشأه الله: رفعه. ومنه: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل: 6] .

يراد بها والله أعلم القيام والانتصاب للصلاة 60.

جاء عن ابن أبي مليكة قال: سألت ابن عباس وابن الزبير عن ناشئة الليل قالا: قيام الليل. وعن ابن مسعود في قوله: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} قال: هي بالحبشية قيام الليل 61.

وقيل: إن الناشئة ما بين المغرب والعشاء، قاله أنس بن مالك. وقيل: ما بعد العشاء الآخرة، قاله الحسن ومجاهد. وقيل: إنها ساعات الليل؛ لأنها تنشأ ساعة بعد ساعة، قاله ابن قتيبة. وقيل: أنه بدء الليل، قاله عطاء وعكرمة. وقيل: أن الليل كله ناشئة، قاله ابن عباس رضي الله عنهما 62.

ولا تعارض يظهر -والله أعلم- بين هذه الأقوال؛ لأنها من باب اختلاف التنوع لا التضاد، فسواءٌ أكان الليل كله، أو ساعة منه، أو بدايته، أو بعد العشاء؛ كل ذلك يشمله قيام الليل.

ومن هنا تأتي الحكمة في سر اختيار الله تعالى الليل على النهار في القيام بالعبادة، فالقلب يكون فيه أكثر خشوعًا، والبال والبدن أكثر هدوءًا، ولا يمكن حدوث ذلك مع النهار الذي يصحبه الصخب والتعب؛ ولذلك قال الله تعالى: {أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل: 6] .

وقال تعالى لنبيه في آيةٍ أخرى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح: 7 - 8] .

قال ابن جرير الطبري: «ناشئة الليل أشد ثباتًا من النهار وأثبت في القلب، وذلك أن العمل بالليل أثبت منه بالنهار» 63.

وقد ورد في قوله تعالى: {أَشَدُّ وَطْئًا} قراءتان:

الأولى: (وطئًا) مقصورة، وهي قراءة ابن كثير، ونافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي.

الثانية: (وطاء) ممدودة، وهي قراءة أبي عمرو وابن عامر 64.

قال الماتريدي: «فمن قرأ: (وطاء) بالمد، فتأويله من المواطأة، وهي الموافقة، أي: موافق للسمع، والبصر، والفؤاد؛ لأن القلب يكون أفرغ بالليالي عن الأشغال التي تحول المرء عن الوصول إلى حقيقة درك معاني الأشياء، وكذلك السمع والبصر يكون أحفظ للقرآن، وأشد استدراكًا لمعانيه.

ومن قرأه: (وطئًا) ، فهو من الوطء بالأقدام؛ فتأويله: أنه أشد على البدن وأصعب؛ لأن المرء قد اعتاد التقلب والانتشار في الأرض بالنهار، ولم يعتد ذلك بالليل، بل اعتاد الراحة فيه، فإذا كلف القيام والانتصاب برجليه في الوقت الذي لم يعتد فيه القيام، كان ذلك أشد عليه وأصعب على بدنه» 65.

والخلاصة في أوصاف الليل المذكورة في القرآن: أنها صرحت وألمحت بأهمية الليل في استمرارية الحياة، وذكرت فوائده على الخلق والإنسان، وحثت على حسن استغلاله.

وقد ورد في القرآن الكريم ألفاظ تدل على أجزاء من الليل، ولكنها ترجع إلى ثلاثة أجزاء موزعة بين أوله وأوسطه وآخره، سأذكرها في المطالب الآتية:

أولًا: الغروب.

وهو أول الليل، والغروب: غياب الشمس، ولذلك يقال: غربت الشمس، أي: غابت في الغرب 66.

وقد ورد ذكر الغروب في القرآن في قوله تعالى: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} [طه: 130] .

وقوله عز وجل: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق: 39] .

والتسبيح هنا المقصود به الصلاة عند الجمهور 67، والصلاة التي قبل الغروب اختلف في تحديدها على قولين:

القول الأول: أنها صلاة الظهر والعصر، قاله ابن عباس رضي الله عنه.

القول الثاني: أنها صلاة العصر، قاله قتادة 68.

وعلى كلٍّ؛ فإن في الآية لفت الانتباه إلى فضيلة هذين الوقتين المذكورين، والتقوي بالصلاة والذكر فيهما على مواجهة أمور الدنيا نهارًا، وشكر نعمة الله ليلًا.

وأول أجزاء الليل يشمل الشفق، والزلفة، وكلاهما ذكرا في القرآن الكريم.

قال الله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114] .

وقال الله عز وجل: {فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ} [الانشقاق: 16] .

والشفق: هو الحمرة في الأفق من ناحية الغرب، وهي ضياءٌ من شعاع الشمس، وتكون من بعد غروب الشمس إلى صلاة العتمة (العشاء) 69، هذا على أرجح الأقوال 70. وهو إيذانٌ بدخول الليل؛ ولهذا جاء الليل معطوفًا على الشفق {فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} [الانشقاق: 16 - 17] 71.

والقسم بالشفق يدل على أهمية هذا الوقت، وأن له منزلة في اليوم والليلة؛ لكي يؤدي المسلم فيه صلاته، ويلتفت إلى ذكر الله بقلبه ولسانه، فيكون دائم الصلة به جل جلاله.

والشفق هو الوقت الخاشع - الساكن - المرهوب بعد الغروب، يحس القلب بمعنى الوداع وما فيه من أسىً صامت وشجىً عميق، كما يحس برهبة الليل القادم، ووحشة الظلام الزاحف. ويلفه في النهاية خشوعٌ وخوفٌ خفي وسكون! 72

والزلفة: هي بضع ساعاتٍ من الليل، وقيل: المنزلة، ومنه سميت مزدلفة؛ لأنها منزلة بعد عرفة، وقيل: القربة 73.

وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، الخطاب يتناول أمته؛ لأن المأمور به من الواجبات- في هذه الآية بإقامة الصلاة في طرفي النهار وطائفة من الليل، والأمر يقتضي الوجوب، ولا يكون ذلك إلا للصلوات المفروضة 74.

والمقصود بها في الآية الكريمة: صلاة العتمة (العشاء) 75؛ لأنها تصلى بعد مضي زلفٍ من الليل 76.

وعلى أي تفسيرٍ فسرت به الآية الكريمة، فإن المعنى المستفاد منها: أن أداء الصلاة المفروضة وإقامتها على الوجه الأكمل سببٌ في تحصيل الحسنات وتكفير السيئات؛ سواءٌ أكان المقصود منها الصلوات الخمس أم بعضها.

ويظهر ذلك من خلال التعبير عن الصلاة بالحسنات -على وجه الخصوص لا العموم-.

ثانيًا: الغسق.

والغسق أنه أول ظلمة الليل، وقد غسق الليل يغسق، أي: أظلم. والمقصود بالظلمة هنا اشتدادها؛ ولذلك عرف الغاسق بأنه: الليل المظلم إذا غاب الشفق، ومنه قوله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} [الفلق: 3] 77، أي: من شر ظلام الليل إذا دخل وهجم على الخليقة 78.

واشتملت سورة الفلق على ثلاثة أصول: الاستعاذة، والمستعاذ به، والمستعاذ منه.

فالاستعاذة تدل على التحرز والتحصن والنجاة، وحقيقة معناها: الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه.

والمستعاذ به وهو الله وحده رب الفلق الذي لا ينبغي الاستعاذة إلا به، ولا يستعاذ بأحدٍ من خلقه، بل هو الذي يعيذ المستعيذين، ويعصمهم ويمنعهم من شر ما استعاذوا من شره 79.

والمستعاذ منه الظلام أو الليل إذا دخل.

والظلمة ليست شرًّا ليستعاذ منها - وكذلك الليل -؛ وإنما للشرور والأضرار المتوقع حصولها فيها، «فأمر بالتعوذ مما يكون فيها، لا أن يكون منها» 80.

وذكر التعوذ من الغاسق بعد الاستعاذة من شر المخلوقات هو من ذكر الخاص بعد العام.

ومن آيات الغسق في القرآن، قوله تعالى {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] .

ثالثًا: السحر.

السحر: هو الوقت الذي قبل طلوع الفجر، وهو ثلث الليل الآخر، ومنه السحور، وهو الطعام المأكول في وقت السحر 81.

وقال الزجاج: «السحر أول إدبار الليل إلى أن يطلع الفجر الظاهر البين» 82.

وقد وردت أقوال كثيرة في تقسيم وقت الليل، وأظهرها ما جاء في السنة المطهرة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلةٍ إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) 83. فدل على أن الليل ثلاثة أقسام من حيث المدة الزمنية.

وهذا الوقت من الأوقات الفاضلة التي خصها الله بالصلاة والذكر والدعاء، لبيان فضل العبادة فيها.

قال تعالى: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17] .

وقال عز وجل: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 18] .

والمقصود من هاتين الآيتين مدح المتعبدين بالليل، والحث على قضاء الليل بالعبادة سواءٌ أكانت ذكرًا واستغفارًا، أم صلاةً، وقراءة للقرآن، وتفكرًا وتدبرًا، والأفضل: الجمع بين العبادات قدر المستطاع، فصلاة الليل فيها قراءةٌ للقرآن ودعاء، ومن ثم تفكرٌ واستغفار ومناجاة.

فينبغي للمؤمن أن يجعل لنفسه وقتًا في اليوم والليلة لكي يراجع نفسه، وأن يخصص ليله ببعض العبادات القلبية والعملية؛ لكي يزداد قلبه إيمانًا ويقينًا، وجسده قوة واستعدادًا لمواجهة الأشغال صباحًا.

إن الله تعالى هو الأعلم بما يصلح عباده ويصلح لهم، فهو الحكيم في أمره ونهيه؛ ولذلك فرض عليهم أمورًا، وخصص أوقاتًا لها لحصول المنفعة لهم، وكان من ذلك: جعله سبحانه الليل ظرفًا زمنيًّا أوفر حظًّا من النهار في فعل العبادة بجميع أنواعها، وبين فضل ذلك وحث المؤمنين عليه.

ولهذا كان شعار النبي صلى الله عليه وسلم حين قالت له عائشة رضي الله عنها، وقد كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه - لم تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أكون عبدًا شكورًا) 84.

وعلى طريق القدوة مشى الصحابة والتابعون ومن تبعهم من الصالحين، فعرفوا فضل هذه المدة الزمنية من بين ساعات اليوم، فشمروا عن ساعد الجد، وأخذوا يهتبلون الفرصة فيه بفعل الطاعات والأنس بالله جل جلاله.

ولقد تحدث القرآن الكريم عن عباداتٍ كثيرة تفعل بالليل، ومن ذلك: القيام، والتهجد، والذكر، والتفكر، وقراءة القرآن.

أولًا: قيام الليل:

إن المتتبع لآيات القرآن الكريم يجدها تأمر بقيام الليل وتحث عليه، وقد «كان قيام الليل واجبًا على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى أمته حولًا، ثم نسخ في حق الأمة وجوبه، ثم بعد ذلك نسخ الله تعالى ذلك كله ليلة الإسراء بخمس صلوات» 85.

قال تعالى: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل: 2 - 6] .

والناشئة هي القيام، وسبق شرح هذه الآية في معنى النشوء، ويفاد من قوله تعالى في ختام الآية السابقة {وَأَقْوَمُ قِيلًا} : التحريض على قيام الليل لكثرة الأجر فيه 86.

وقال سبحانه: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79] .

ففي هذه الآية أمرٌ خاصٌّ للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يتهجد بقراءة القرآن في صلاة الليل من باب الزيادة على المفروضات التي فرضها الله عليه، وهو لأمته ندبًا. والتهجد: التيقظ والسهر بعد نومةٍ من الليل 87.

والضمير في «به» عائدٌ على القرآن؛ لأنه روح الصلاة وقوامها 88.

فـ «قيام الليل والناس نيام، والانقطاع عن غبش الحياة اليومية وسفسافها والاتصال بالله، وتلقي فيضه ونوره، والأنس بالوحدة معه والخلوة إليه، وترتيل القرآن والكون ساكن؛ هو الزاد لاحتمال القول الثقيل، والجهد المرير الذي ينتظر الرسول وينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل! وينير القلب في الطريق الشاق الطويل» 89.

ولذلك عرف السلف رحمهم الله ما لصلاة الليل والمصلين من فضلٍ، فتجد جنوبهم مرتفعة بعيدة عن مواضع الاضطجاع، كما قال تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة: 16] .

وقال تعالى: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17] .

فنومهم بالليل قليل بسبب مكابدتهم للقيام وتلاوة القرآن والذكر؛ خوفًا منه سبحانه ومحبة وأنسًا؛ فهم يستحقون نعت المحسنين.

ووصفهم الله وصف تشريفٍ بأنهم عباد الرحمن أي: الصفوة من عباده بسبب عدة صفات اتصفوا بها، ومنها: أنهم يقضون ليلهم قائمين ساجدين وخائفين.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: 64] .

وبين سبحانه وتعالى أن غاية كمال المرء تكون بالعلم والعمل، فقال: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر:9] .

وبدأ بالعمل لأنه الأهم، مع كون العمل لا يصدر إلا عن علم صحيح وَقَرَ قلب صاحبه.

وفي هذه الآية ربط عجيبٌ بين القنوت في الليل والعلم، فالعلم الصحيح لا بد وأن يدل صاحبه على العمل والخشية {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] .

كما أن المرء مهما امتلأ قلبه من العلم فإنه يحتاج إلى ساعاتٍ من القيام والمناجاة والتذلل بين يدي الله تعالى؛ شكرانًا لنعمه العظيمة، وتلذذًا بالعبودية له سبحانه.

والقرآن الكريم لم ينزل إلا للعمل به، وقيام الليل من العمل بالقرآن، فهو أشد وطئًا للقلب وأقوم قيلًا، وأنفع لحال المرء مع ربه خاصة مع سكون الليل بظلامه وخلود الخلق إلى النوم، فلا عين تلاحظ، ولا أذن تسمع، ولا شيء هناك إلا مناجاة العظيم، والإخلاص له.

وأشارت الآية السابقة إلى أن «الانتفاع بالعمل إنما يحصل إذا كان الإنسان مواظبًا عليه» 90.

ثانيًا: ذكر الله:

وجاء في آيات الذكر الحكيم مدح المؤمنين الذين يشغلون ليلهم بذكر الله سبحانه وتعالى من تسبيح واستغفار.

قال عز وجل: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 18] .

وأمر الله نبيه بالتسبيح في أي وقتٍ من الليل - على قول بعض المفسرين أن الأمر للتسبيح 91 - {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: 40] .

وقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} [الطور: 49] .

وجمع الله عز وجل بين الأمر بالصلاة والتسبيح ليلًا في قوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} [الإنسان: 26] .

طويلًا: أي في أكثر الليل 92.

إن توجيه القرآن الحكيم لاستغلال الليل بذكر الله تعالى جاء لكي يحقق للقلب راحته وطمأنينته التي لا تكون بالليل، فمن المعلوم أن بذكر الله تطمئن القلوب، ولكن ثمة استعدادٌ للقلب والبدن لا يكون في أعلى درجاته من الخشوع والتدبر وصفاء الذهن وإخلاص العبادة لله فيها؛ إلا بالليل.

فحريٌّ بنا - نحن المسلمين - أن نلتزم منهج السلف الصالح في قضاء الليل بالمحبب من العبادات؛ لأنها زاد المؤمن الحقيقي لمواجهة الحياة بمغرياتها وفتنها، واستعدادًا لعمل الصالحات فيها.

ثالثًا: التدبر والتفكر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت