فهرس الكتاب

الصفحة 2027 من 2431

وقال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43) } [الشورى:40 - 43] .

وليس ثمة أفضل من طريقة القرآن في بيان العدل والتوسط والإحسان في معاملة الناس؛ فقد ذكر الله في هذه الآية، مراتب العقوبات، وأنها على ثلاث مراتب: عدل وفضل وظلم.

فمرتبة العدل، جزاء السيئة بسيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص، فالنفس بالنفس، وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها، والمال يضمن بمثله.

ومرتبة الفضل: تقتضي الإصلاح والعفو عن المسيء، ولهذا قال: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} يجزيه أجرا عظيما، وثوابا كثيرا، وشرط الله في العفو الإصلاح فيه، ليدل ذلك على أنه إذا كان الجاني لا يليق العفو عنه، وكانت المصلحة الشرعية تقتضي عقوبته، فإنه في هذه الحال لا يكون مأمورا به.

وفي جعل أجر العافي على الله ما يهيج على العفو، وأن يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به، فكما يحب أن يعفو الله عنه، فليعف عنهم، وكما يحب أن يسامحه الله، فليسامحهم، فإن الجزاء من جنس العمل.

وأما مرتبة الظلم فقد ذكرها بقوله: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} الذين يجنون على غيرهم ابتداء، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته، فالزيادة ظلم.

{وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ} أي: انتصر ممن ظلمه بعد وقوع الظلم عليه {فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} أي: لا حرج عليهم في ذلك.

ودل قوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ} وقوله: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ} أنه لا بد من إصابة البغي والظلم ووقوعه.

وأما إرادة البغي على الغير، وإرادة ظلمه من غير أن يقع منه شيء، فهذا لا يجازى بمثله، وإنما يؤدب تأديبا يردعه عن قول أو فعل صدر منه.

{إِنَّمَا السَّبِيلُ} أي: إنما تتوجه الحجة بالعقوبة الشرعية {عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} وهذا شامل للظلم والبغي على الناس، في دمائهم وأموالهم وأعراضهم. {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع للقلوب والأبدان، بحسب ظلمهم وبغيهم.

{وَلَمَنْ صَبَرَ} على ما يناله من أذى الخلق {وَغَفَرَ} لهم، بأن سمح لهم عما يصدر منهم، {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} أي: لمن الأمور التي حث الله عليها وأكدها، وأخبر أنه لا يلقاها إلا أهل الصبر والحظوظ العظيمة، ومن الأمور التي لا يوفق لها إلا أولو العزائم والهمم، وذوو الألباب والبصائر.

فإن ترك الانتصار للنفس بالقول أو الفعل، من أشق شيء عليها، والصبر على الأذى، والصفح عنه، ومغفرته، ومقابلته بالإحسان، أشق وأشق، ولكنه يسير على من يسره الله عليه، وجاهد نفسه على الاتصاف به، واستعان الله على ذلك، ثم إذا ذاق العبد حلاوته، ووجد آثاره، تلقاه برحب الصدر، وسعة الخلق، والتلذذ فيه» 27.

وهذا كما بينا مع جميع الناس فقد قال الله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة:83] .

وإذا كان المرء مأمورًا بالعفو والصفح والإحسان مع جميع الخلق فمع إخوانه من باب أولى.

أولًا: أسباب ذاتية:

للغلو أسباب ذاتية ترجع إلى الغالي نفسه منها:

1.اتباع الهوي.

قال سبحانه في آية المائدة: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77) } [المائدة:77] .

«والغلو نقيض التقصير. ومعناه الخروج عن الحد، وذلك لأن الحق بين طرفي الإفراط والتفريط، ودين الله بين الغلو والتقصير. وقوله غير الحق صفة المصدر، أي لا تغلوا في دينكم غلوًا غير الحق، أي غلوًا باطلًا، لأن الغلو في الدين نوعان: غلو حقٍ، وهو أن يبالغ في تقريره وتأكيده، وغلو باطلٍ وهو أن يتكلف في تقرير الشبه وإخفاء الدلائل، وذلك الغلو هو أن اليهود لعنهم الله نسبوه -أي: عيسى عليه السلام- إلى الزنا. وإلى أنه كذابٌ، والنصارى ادعوا فيه الإلهية.

ثم قال تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77) } . الأهواء هاهنا: المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة. قال الشعبي: ما ذكر الله لفظ الهوى في القرآن إلا ذمه.

قال تعالى: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص:26] .

وقال تعالى: {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى} [طه:16] .

وقال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) } [النجم:3] .

وقال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية:23] .

قال أبو عبيدة: لم نجد الهوى يوضع إلا في موضع الشر. لا يقال: فلانٌ يهوى الخير، إنما يقال: يريد الخير ويحبه. وقال بعضهم: الهوى إلهٌ يعبد من دون الله. وقيل: سمي الهوى هوًى لأنه يهوي بصاحبه في النار، وقال رجل لا بن عباسٍ: الحمد لله الذي جعل هواي على هواك، فقال ابن عباسٍ: كل هوًى ضلالةٌ 28.

فنلاحظ أن الله تعالى ربط بين الغلو واتباع الهوى فقال: {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا} فكأن الجملة الثانية: {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا} قد وقعت بمثابة عطف البيان من الجملة الأولى {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ} «جملة {وَلَا تَتَّبِعُوا} : لا محل لها معطوفة على جملة جواب النداء» 29؛ ذلك أن الغلو اتباع للهوى.

2.اتباع خطوات الشيطان.

لا شك أن أهم أسباب الغلو بجميع أنواعه هو اتباع الشيطان؛ فهو الذي يزين الباطل لأتباعه، وهو الذي يأمر الناس بالسوء والفحشاء والضلال في العقيدة بأن يقولوا على الله ما لا يعلمون.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169) } [البقرة:168 - 169] .

فقد أخبر ربنا سبحانه أن من أهم أسباب الغلو اتباع الشيطان فهو الذي يتدرج بالمرء خطوة خطوة نحو الضلال حتى يوقعه في الكفر بأن يتقول على الله ما لا يعلم؛ فينسب له سبحانه الولد والشريك ويصفه بما لا يليق به مما تنزه عنه ربنا سبحانه وتعالى جده.

قال الرازي: «احذر أن تتعداه إلى ما يدعوك إليه الشيطان، وزجر المكلف بهذا الكلام عن تخطي الحلال إلى الشبه كما زجره عن تخطيه إلى الحرام لأن الشيطان إنما يلقي إلى المرء ما يجري مجرى الشبهة فيزين بذلك ما لا يحل له فزجر الله تعالى عن ذلك، ثم بين العلة في هذا: التحذير، وهو كونه عدوا مبنيا أي متظاهرٌ بالعداوة، وذلك لأن الشيطان التزم أمورًا سبعةً في العداوة.

أربعةٌ منها في قوله تعالى: {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء:119] .

وثلاثةٌ منها في قوله تعالى: {لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) } [الأعراف:16 - 17] .

فلما التزم الشيطان هذه الأمور كان عدوًا مظاهرًا بالعداوة فلهذا وصفه الله تعالى بذلك.

وأما قوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} فهذا كالتفصيل لجملة عداوته، وهو مشتملٌ على أمورٍ ثلاثةٍ:

أولها: {بِالسُّوءِ} ، وهو متناولٌ جميع المعاصي سواءٌ كانت تلك المعاصي من أفعال الجوارح أو من أفعال القلوب.

وثانيها: {وَالْفَحْشَاءِ} وهي نوعٌ من السوء، لأنها أقبح أنواعه، وهو الذي يستعظم ويستفحش من المعاصي.

وثالثها: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} وكأنه أقبح أنواع الفحشاء، لأنه وصف الله تعالى بما لا ينبغي من أعظم أنواع الكبائر، فصارت هذه الجملة كالتفسير لقوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} فيدخل في الآية أن الشيطان يدعو إلى الصغائر والكبائر والكفر والجهل بالله» 30

3.الجهل.

هو سبب كل بلاء وسبب الغلو بصفة خاصة مع ركوب الهوى، وهو سبب كل مظاهر الغلو في حياتنا.

فالخروج على المسلمين بتكفيرهم وتقتيلهم ونحو ذلك إنما هو راجع إلى الجهل بالضبط الشرعي للأمر، وتشديد النصوص في أمر تكفير المسلم، واستحلال ماله ودمه.

وكذلك الغلو في الأولياء والصالحين بعبادتهم من دون الله إنما يرجع للجهل بما يجب نحوهم من المحبة والاقتداء دون اعتقاد قدرتهم عل التصرف في الأمور، وغيره من العقائد الفاسدة التي أورثها الجهل بالعقيدة الصحيحة.

وقد بين القرآن الكريم أن هذا الجهل كان هو السبب الأعظم في ضلال من ضل من الأمم السابقة، وفيما وقعو فيه من شرك بالله تعالى.

قال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) } [الأعراف:138 - 139] .

«يخبر تعالى عما قاله جهلة بني إسرائيل لموسى، عليه السلام، حين جاوزوا البحر، وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه ما رأوا، {فَأَتَوْا} أي: فمروا {عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} قال بعض المفسرين: كانوا من الكنعانيين. وقيل: كانوا من لخمٍ.

قال ابن جريجٍ: وكانوا يعبدون أصنامًا على صور البقر، فلهذا أثار ذلك شبهةً لهم في عبادتهم العجل بعد ذلك، فقالوا: {يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} أي: تجهلون عظمة الله وجلاله، وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل.

{إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ} أي: هالكٌ {وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} » 31.

فظهر من الآية أن سبب غلو بني إسرائيل في عبادة تلك الأصنام إنما كان بسبب جهلهم عظمة الله وجلاله، وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل.

4.التقليد.

قال تعالى: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25) } [الزخرف:15 - 25] .

«ذكر الله تعالى احتجاج الكفار لمذهبهم ليبين فساد منزعهم، وذلك أنهم جعلوا إمهال الله لهم وإنعامه عليهم وهم يعبدون الأصنام، دليلا على أنه يرضى عبادة الأصنام دينا، وأن ذلك كالأمر به، فنفى الله عن الكفرة أن يكون لهم علم بهذا وليس عندهم كتاب منزل يقتضي ذلك، وإنما هم يظنون ويخرصون ويخمنون، وهذا هو الخرص والتخرص.

وقرأ جمهور الناس: «على أمةٍ» بضم الهمزة، وهي بمعنى الملة والديانة، والآية على هذا تعيب عليهم التقليد» 32.

فالجهل وتقليد الآباء هو ما أوقعهم فيما هم فيه من الغلو في نسبة الولد إلى الله، وادعائهم أن الملائكة بنات الله وغير ذلك من صنوف الشرك.

5.الخوض في المتشابهات.

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9) } [آل عمران:7 - 9] .

فبين ربنا سبحانه أن سبب ضلال هؤلاء إنما جاء من قبل خوضهم في المتشابه: إما ابتغاء الفتنة، وإما ابتغاء تأويله، وهذا غالب حال أهل الغلو.

ثانيًا: أسباب مجتمعية وعالمية:

لعل من الإنصاف أن نقول أيضا: إن من أسباب الغلو كذلك: العوامل والظروف المجتمعية والعالمية مثل: محاربة الدين، المحن والابتلاء، انتشار المعاصي والفتن، ترك الحكم بما أنزل الله.

قال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:217] .

وقال تعالى {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) } [البقرة:109] .

وهذا يكشف لنا مقدار ما يضمر أعداؤنا لنا من الحسد والحقد والبغض والعداوة؛ ولا شك أن ذلك كله مما يهيج مشاعر الغلاة؛ فيشتطون غضبا ويزدادون في تعنتهم وغلوهم، ويتخذون من تلك العداوة التي تظهر بين الحين والحين في صور شتى أيسرها ما يبدو من أفواههم من البغضاء من فلتات الألسن، وأكثرها ضررا ما يلحقون ببلاد المسلمين من غدر وتخريب وتدمير وقتل وإزهاق لنفوس الأبرياء، ولكن هذا كله لا ينبغي أن يواجه بأفعال الطيش والحماقة والتهور، وإنما يواجه بالإعداد الجيد دون استفزاز أو استنفار للعدو في وقت لا يكون للمسلمين طاقة بمواجهة أولئك الأعداء.

لكن أهل الغلو لا ينطلقون إلا من تلك المحاذير - لا يحركهم غيرها: الطيش والحماقة والتهور.

للغلو مظاهر عديدة كلها تدل على التشدد والمغالاة والتطرف والانحراف عن وسطية الإسلام السمحة؛ فمن ذلك: التكفير، الابتداع في الدين، الاعتداء على الناس وأموالهم، ادعاء العلم والتدين والغلو في المحبة أو الكراهية.

قال سبحانه في آية المائدة: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77) } [المائدة:77] .

قال ابن العربي في هذه الآية «نهى الله سبحانه أهل الكتاب عن الغلو في الدين من طريقيه: في التوحيد، وفي العمل؛ فغلوهم في التوحيد نسبتهم له الولد سبحانه، وغلوهم في العمل ما ابتدعوه من الرهبانية في التحليل والتحريم والعبادة والتكليف. وقال صلى الله عليه وسلم: (لتركبن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراعٍ، حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لدخلتموه» 33. وهذا صحيحٌ لا كلام فيه.

وقد ثبت في الصحاح (أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع امرأةً من الليل تصلي، فقال: من هذه؟ قيل: الحولاء بنت تويتٍ لا تنام الليل كله. فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرفت الكراهية في وجهه، وقال: إن الله لا يمل حتى تملوا، اكلفوا من العمل ما تطيقون) 3435.

فدل ذلك على شمول الغلو للاعتقاد والعمل؛ فغلوهم في الاعتقاد نسبتهم له الولد سبحانه، وغلوهم في العمل ما ابتدعوه من الرهبانية في التحليل والتحريم والعبادة والتكليف.

أولًا: التكفير:

قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) } [البقرة:113] .

فأخبر سبحانه أن كل واحد من الفريقين يكفر الآخر، وينكر ما معه من الحق، وهذا من الغلو الذي شابههم فيه أصحاب الفرق المبتدعة من المسلمين؛ حيث يتبرأ كل فريق من مخالفيه؛ وإن كانوا من أهل الملة يشاركونهم في أصول الدين وقواعده، وهذا من الظلم الواضح البين.

ويتدرج ذلك إلى الغلو في التكفير كما هو حال الخوارج وغيرهم من جماعات التكفير في تكفير عصاة المسلمين وإخراجهم من دائرة الإسلام إلى الكفر.

ثانيًا: الابتداع في الدين:

لما كان أهل الغلو هم الذين غالوا فانحرفوا عن سواء السبيل وقصده، وعن الصراط المستقيم الذي أمروا بلزومه لزمهم بذلك أن يكونوا من أهل البدع في الدين.

قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) } [الأنعام:153] .

«فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه، وهو السنة، والسبل هي سبل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم، وهم أهل البدع، وليس المراد سبل المعاصي؛ لأن المعاصي من حيث هي معاصٍ لم يضعها أحدٌ طريقًا تسلك دائمًا على مضاهاة التشريع، وإنما هذا الوصف خاصٌ بالبدع المحدثات.

ويدل على هذا ما روى إسماعيل عن سليمان بن حربٍ، قال: حدثنا حماد بن زيدٍ عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائلٍ عن عبد الله قال: (خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا خطًا طويلًا، وخط لنا سليمان خطًا طويلًا، وخط عن يمينه وعن يساره، فقال: هذا سبيل الله ثم خط لنا خطوطًا عن يمينه ويساره وقال: هذه سبلٌ وعلى كل سبيلٍ منها شيطانٌ يدعو إليه ثم تلا هذه الآية: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} يعني الخطوط {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} ) 36.

قال بكر بن العلاء: «أحسبه أراد شيطانًا من الإنس، وهي البدع، والله أعلم» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت