فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 2431

قالت: قلت: فأين الناس يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: (على جسر جهنم) 52.

فسبحان الله العظيم! إذا كان جسر جهنم قد اتسع لحمل الناس جميعًا، فكيف بجهنم نفسها؟!

وصف الله تعالى جهنم بأن لها سرادقًا، قال الله عز وجل: (أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ?) [الكهف: 29] .

والسرادق «هو كل ما أحاط بشيء من حائطٍ، أو مضرب، أو خباء» 53.

وقد بين الله تعالى عظم هذا السرادق، فوصفه بأنه يحيط بأهل النار على كثرة عددهم، وضخامة حجمهم، فلا يستطيعون خروجًا ولا فرارًا.

قال تعالى: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) [التوبة: 49] .

أخبر الله تعالى أن النار لعظمها تقوم عليها ملائكة وصفهم الله عز وجل بالغلظة والشدة.

قال تعالى: (عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ) [التحريم: 6] .

هؤلاء الخزنة من شدتهم وغلظتهم أن قلوبهم لا تلين لكافرٍ ولا ظالم، فحين يشتد العذاب بالمجرمين في النار، ويضجون منه ينادون:. وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ? قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) [الزخرف: 77] .

فيجيبهم مالك مقنطًا: (قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) ويكفي للدلالة على أن غلظتهم وشدتهم بلغت الغاية في الغلظة والشدة أن الله هو الذي وصفهم بذلك الوصف، وأنهم لا يخرجون عن طاعة الله، بل يبادرون إلى مرضاته، وامتثال أمره، فغلظتهم وشدتهم على العصاة هي في حقيقتها تنفيذ وامتثال وإذعان لله.

إن هذه النار ليس وقودها الحطب والخشب كحال وقود نار الدنيا، وإنما وقودها الناس والحجارة، قال عز وجل: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ? أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة: 24] .

«إنها نار فظيعة متسعرة، وقودها الناس والحجارة، الناس فيها كالحجارة سواء في مهانة الحجارة، وفي رخص الحجارة، وفي قذف الحجارة، دون اعتبارٍ ولا عناية، وما أفظعها نارًا هذه التي توقد بالحجارة! وما أشده عذابًا هذا الذي يجمع إلى شدة اللذع المهانة والحقارة!» 54.

وهذه الحجارة التي تكون في جهنم ليست كأي حجارة، فقد ورد عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما أن المراد بالحجارة حجارة الكبريت توقد بها النار، ويقال: «إن فيها خمسة أنواع من العذاب ليس في غيرها من الحجارة: سرعة الإيقاد، ونتن الرائحة، وكثرة الدخان، وشدة الالتصاق بالأبدان، وقوة حرها إذا أحميت» 55.

وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزءٌ من سبعين جزءًا من حر جهنم) قالوا: (والله إن كانت لكافيةً يا رسول الله) ، قال: (فإنها فضلت عليها بتسعةٍ وستين جزءًا، كلها مثل حرها) 56.

من أعجب ما يمكن الاستدلال به على عظم النار ما جاء وصفًا لأدق ما فيها وهو الشرر، يقول تعالى عن جهنم: (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ?32?كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ ?33?) [المرسلات: 32 - 33] .

فهذا وصف الشرر الذي هو أدق النار وأصغرها، يوضح لنا ربنا صفته فيبين أنه في عظمته كالقصر، أي: «كالبناء المشيد في العظم والارتفاع» 57 وأنه في هيئته ولونه وتتابعه كـ (جِمَالَتٌ صُفْرٌ أي: «إبل سود يميل لونها إلى الصفرة» 58، فهو إذًا ليس الشرر المتبادر ذكره، أو المستحضرة صورته في الذهن، إنه شرر عظيم، غير مألوف لنا نحن البشر، شررٌ عظيم بقدر عظمة جهنم.

2.شدة حرها.

جاء الإخبار عن حر النار وشدته وأثره الشديد في آيات كثيرة من كتاب الله تعالى، فمن ذلك:

••أنها حامية: قال تعالى: (تَصْلَى? نَارًا حَامِيَةً) [الغاشية: 4] . وفي هذا مزيد تخويف وترهيب؛ يقول ابن عاشور رحمه الله: «وصف النار بـ (حَامِيَةً) لإفادة تجاوز حرها المقدار المعروف؛ لأن الحمي من لوازم ماهية النار، فلما وصفت بـ (حَامِيَةً) كان دالًا على شدة الحمي. قال تعالى: (نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ) [الهمزة: 6] » 59.

••أنها تلظى: قال تعالى: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى? [الليل: 14] . أي: «تتوهج وتتوقد» 60. فلا يخمد لهيبها، ولا تهدأ نارها.

••أنها نزاعة للشوى: قال تعالى: (نَزَّاعَةً لِلشَّوَى?) [المعارج: 16] . وفيه تفظيع لشدة حرها، فهي «تنزع بشدة حرها جلدة الرأس وسائر أطراف البدن» 61. قال مقاتلٌ: «تنزع النار الهامة 62 والأطراف، فلا تترك لحمًا ولا جلدًا إلا أحرقته» 63. وقال الفراهي في مفرداته: « (نَزَّاعَةً لِلشَّوَى?) واختلفوا في معناه، ولكن المعنى الكثير الوقوع في كلام العرب هو لحم الساق» 64.

••أنها: (ا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ) [المدثر: 28] . أي: «لا تبقي لحمًا، ولا تترك عظمًا، ولا عصبًا إلا أحرقته» 65، ثم يعود كما كان ويستأنف أهل النار العذاب.

••أنها موقدة: قال تعالى: (نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ) [الهمزة: 6] . وهو وصف يشي بأنها نار «لا تزال تلتهب ولا يزول لهيبها» 66. وهو وصف فيه تيئيس من فرجٍ، أو خلاصٍ، أو راحة من العذاب.

••أنها تحرق الجسد كله حتى تصل إلى فؤاد الإنسان فتحرقه. قال تعالى: (الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ) [الهمزة: 7] . والفؤاد أرق شيء في الإنسان وألطفه، فحين تصله النار فتحرقه يتضاعف العذاب، ويشتد الألم.

••أنها تتغيظ وتزفر حنقًا على الكافرين والمجرمين. قال تعالى: (ذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) [الفرقان: 12] .

••أنها تشهق فتزعج أهل النار وترعبهم. قال تعالى: (إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ [الملك: 7] . وشهيقها مزعج منكر مؤذنٌ بغضبٍ شديدٍ، وعذابٍ أليم.

••أنها تغلي من شدة الحر غيظًا على الكافرين. قال تعالى: (ںإِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ. تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ? كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ?8?) [الملك: 7 - 8] .

••النار لواحة للبشر: تحرق الجلود وتغيرها من شدة حرها. قال تعالى: (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ) [المدثر: 29] . أي: «مغيرة للبشرة، مسودة للجلود، محرقة لها» 67.

••جهنم هواؤها سموم، وظلها يحموم، وماؤها حميم 68. قال تعالى: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ ?41?فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ?42?وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ?43?لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ ?44?) [الواقعة: 41 - 44] . «فهواؤهم الذي يهب عليهم سموم، وماؤهم الذي يستغيثون به حميم، مع أن الهواء والماء أبرد الأشياء، وهما -أي: السموم والحميم- من أضر الأشياء، بخلاف الهواء والماء في الدنيا، فإنهما من أنفع الأشياء، فما ظنك بنارهم التي هي عندنا أيضًا أحر؟ ولو قال: هم في نار، كنا نظن أن نارهم كنارنا؛ لأنا ما رأينا شيئًا أحر من التي رأيناها، ولا أحر من السموم، ولا أبرد من الزلال، فقال: أبرد الأشياء لهم أحرها، فكيف حالهم مع أحرها؟!» 69.

••جهنم تصهر البطون وما فيها من أحشاء وأمعاء من شدة حرها. قال عز وجل: هَ?ذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ? فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ?19?يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ?20?) [الحج: 19 - 20] .

••جهنم تلفح الوجوه بلهيبها فتتركها عظامًا لا لحم فيها. قال تعالى: (وْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ) [الأنبياء: 39] .

رابعًا: دركات النار:

1.دركات النار.

بين الله عز وجل في كتابه أن أهل النار متفاوتون في عذابهم، وأنهم ليسوا على منزلة واحدة؛ لأن النار ليست على دركة واحدة، بل هي على دركات، ويتبين هذا من قوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) [النساء: 145] .

إذ بين الله أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، مما يعني أنها «أدراك بعضها فوق بعض، طبقة على طبقة» 70.

قال ابن فارس: «درك: الدال والراء والكاف أصل واحد، وهو لحوق الشيء بالشيء ووصوله إليه، ومن ذلك: الدرك، وهي منازل أهل النار» 71.

فدركات النار هي: منازل النار وطبقاتها التي ينزل فيها أهلها، ويلحقون بها، ولم تخرج آراء المفسرين واللغويين عن هذا المضمون 72.

وقد بين العلماء الفرق بين الدركات والدرجات:

قال الضحاك: الدرج إذا كان بعضها فوق بعض، والدرك إذا كان بعضها أسفل من بعض 73.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «درجات الجنة تذهب علوًا، ودرجات النار تذهب سفلًا» 74.

وقال الراغب الأصفهاني: «الدرك كالدرج، لكن الدرج يقال اعتبارًا بالصعود، والدرك اعتبارًا بالحدور؛ ولهذا قيل: درجات الجنة، ودركات النار» 75.

وعلى ذلك: فدرجات الجنة: منازل ومراقٍ بعضها فوق بعض.

ودركات النار: منازل بعضها تحت بعض.

ويرجع هذا إلى أن الدرج في اللغة: مراتب بعضها فوق بعضٍ 76؛ فالشيء الذي يقصد أعلاه تكون منازل الرقي إليه درجات 77.

وقد ورد في السنة الصحيحة أن درجات الجنة مائة درجة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (في الجنة مائة درجةٍ، ما بين كل درجتين مائة عامٍ) 78.

والدرك في اللغة: أقصى قعر الشيء 79.

فالدركة: المنزلة في الهبوط، فالشيء الذي يقصد أسفله تكون منازل التدلي إليه دركات 80.

فلذلك الدركات لأسفل.

فنخلص من ذلك أن الدركات والدرجات يتفقان في أنهما منازل وطبقات.

ويختلفان في أن الدركات لأسفل، والدرجات لأعلى.

فائدة مهمة:

ورد في الاستعمال القرآني إطلاق لفظ الدرجات على منازل الجنة والنار، وذلك في ثلاث آيات من كتاب الله، في قوله: أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ? وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ?162?هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ) [آل عمران: 162 - 163] .

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «أهل الخير وأهل الشر درجات، يعني: متفاوتون في منازلهم ودرجاتهم في الجنة، ودركاتهم في النار» 81.

وفي قوله: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا ?) [الأنعام: 132] .

قال الطبري في تفسير هذه الآية: «ولكل عامل في طاعة الله أو معصيته منازل ومراتب من عمله يبلغه الله إياها، ويثيبه بها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر» 82.

وفي قوله: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ? وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [الأحقاف: 19] .

قال الشوكاني في تفسير هذه الآية: «أي: لكل فريقٍ من الفريقين المؤمنين والكافرين من الجن والإنس مراتب عند الله يوم القيامة بأعمالهم» 83.

وعلى ذلك فيكون المقصود بالدرجات في الآيات الثلاث: هي المنازل دون اعتبارٍ لما توصف به من ارتقاءٍ أو هبوط، فإذا أضيفت إلى أصحابها صارت درجات الجنة، ودركات النار.

أسماء الدركات وعددها وسكانها بين القرآن والسنة الصحيحة:

لم يرد في القرآن ولا في السنة الصحيحة تسمية دركات النار ولا عددها، ولا تحديد أصناف أهل النار الذين يسكنون هذه الدركات إلا فيما ذكره القرآن عن الدرك الأسفل من النار، وبيان أن هذا الدرك منزل المنافقين، وهذا في قوله: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) [النساء: 145] .

ولكن ورد في السنة ما يدل على أن الدرك الأسفل فيه أشد العذاب.

فعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك، ويغضب لك؟ قال:(هو في ضحضاحٍ من نارٍ، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) 84.

ففي هذا الحديث ما يدل على أن الدرك الأسفل فيه أشد العذاب؛ لجعله صلى الله عليه وسلم إياه ضدًا للضحضاح أو كالضد له «والضحضاح أريد به القليل من العذاب، مثل الماء الضحضاح» 85.

وقد ورد عن الضحاك بيان عدد دركات النار وأسمائها والأصناف التي تسكن هذه الدركات.

قال الضحاك: للنار سبعة أبواب، وهي سبعة أدرك بعضها على بعض، فأعلاها فيه أهل التوحيد يعذبون على قدر أعمالهم وأعمارهم في الدنيا، ثم يخرجون منها، وفي الثانية اليهود، وفي الثالثة النصارى، وفي الرابعة الصابئون، وفي الخامسة المجوس، والسادسة فيه مشركو العرب، وفي السابعة المنافقون، وهو قوله: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) [النساء: 145] 86.

وهذا التقسيم المروي عن الضحاك لم يصح عنه، كما لم يصح تسمية دركات النار على النحو الذي ذكر، والصحيح أن كل واحد من هذه الأسماء التي ذكرت: جهنم، لظى، الحطمة ... إلخ، اسم علمٍ للنار كلها، وليس لجزءٍ من النار دون جزء، وصح أن الناس متفاوتون على قدر كفرهم وذنوبهم.

وهذا الترتيب الذي ذكره الضحاك وغيره يحتاج إلى إعادة نظر، فالمجوس عباد النيران ليسوا بأقل جرمًا من مشركي العرب، ومع ذلك فالمجوس في طبقةٍ أقل من العذاب، والأولى أن نسكت فيما سكتت عنه النصوص 87.

وبهذا يتبين أنه لم يرد في القرآن ولا في السنة ما يبين لنا عدد دركات النار، ولا سكان هذه الدركات.

علة تخصيص الدرك الأسفل بالمنافقين:

أخبرنا القرآن أن مصير المنافقين في الدرك الأسفل من النار، أي: في أذل منازل العذاب وأسفلها؛ وذلك يرجع لأسباب:

الأول: لأن كفرهم أسوأ الكفر؛ لما حف به من الرذائل 88.

الثاني: أنهم جمعوا مع الكفر الاستهزاء بالإسلام وبأهله 89.

الثالث: أنهم كانوا يطلعون على بعض أسرار المسلمين بما كانوا يظهرونه من الإسلام، وكانوا يخبرون الكفار بهذه الأسرار، فكانت تتضاعف المحنة من هؤلاء المنافقين؛ فلهذه الأسباب جعل الله عذابهم أزيد من عذاب الكفار 90.

خامسًا: أبواب النار:

أخبر الله عز وجل أن للنار أبوابًا سبعة.

قال تعالى: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ?43?لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ?44?) [الحجر: 43 - 44] .

قال ابن كثير: «أي: قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه لا محيد لهم عنه -أجارنا الله منها- وكلٌ يدخل من بابٍ بحسب عمله، ويستقر في درك بقدر فعله» 91.

وهذه الأبواب تفتح عندما يرد الكفار النار ليدخلوها.

قال تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى? جَهَنَّمَ زُمَرًا ? حَتَّى? إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) [الزمر: 71] .

فإذا فتحت أبوابها ورأوا أنهم داخلوها قال لهم خزنتها موبخين: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَ?ذَا ?) [الزمر: 71] .

فيقرون مذعنين:(بَلَى? [الزمر: 71] .

فيقال لهم بعد هذا الإقرار: قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ? فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ?72?) [الزمر: 72] .

فإذا دخلوها وقضي الأمر بأنهم ماكثون فيها تغلق هذه الأبواب عليهم، فلا مطمع لهم في الخروج منها بعد ذلك، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ?19?عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ?20?) [البلد: 19 - 20] .

قال ابن عباس رضي الله عنهما: مؤصدة: مغلقة الأبواب، وقال مجاهد: أصد الباب -بلغة قريش- أي: أغلقه 9293.

هل أبواب النار تغلق في الدنيا؟

أخبرنا القرآن أن أبواب جهنم تغلق على أصحابها يوم القيامة، وأخبرتنا السنة الصحيحة أن هذه الأبواب تغلق في الدنيا عند قدوم شهر رمضان.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين) 94.

أسماء أبواب النار:

أخبر القرآن أن أبواب النار سبعة، لكن القرآن لم يعين لنا أسماء هذه الأبواب، ولا بينتها السنة الصحيحة.

وقد ورد في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أسماء هذه الأبواب السبعة، لكنه ضعيف لا يثبت 95.

وقد وردت بعض الآثار عن السلف فيها تسمية هذه الأبواب السبعة، وعينت الأصناف التي تدخل من هذه الأبواب 96.

صفة أبواب النار:

لم يرد في القرآن ولا في السنة الصحيحة ما يصف لنا أبواب النار السبعة، ولكن ورد في الآثار الواردة عن بعض الصحابة وصف هذه الأبواب:

فقد ورد عن علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه أنه قال: إن أبواب جهنم أطباق بعضها فوق بعض، فيمتلئ الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، حتى تملأ كلها 97.

أخبر القرآن الكريم عن ألوان العذاب في النار منها الطعام والشراب واللباس والسكن، وسوف نبين ذلك فيما يأتي:

أولًا: الطعام:

ذكر الله تعالى أن أهل النار يطعمون فيها طعامًا لا يشبه الطعام إلا في اسمه، ثم يفارقه بعد هذا في كل شيء، فهو لا يسمن ولا يغني من جوع، لا يزيدهم إلا ضعفًا، ولا يزدادون به إلا عذابًا وألمًا، قد خبث مذاقه، وأنتن ريحه، ولا فائدة منه.

وقد بين الله في كتابه صنوفًا من طعام أهل النار، نذكر منها:

••الزقوم.

وهو شجرة تنبت في النار.

قال تعالى: (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) [الصافات: 64] .

قال الطبري: «وثمرتها كالرصاص أو الفضة، أو ما يذاب في النار إذا أذيب بها، فتناهت حرارته، وشدة حميته في شدة السواد» 98.

وهذه الشجرة ثمرتها قبيحٌ منظرها، كأنها في قبحها رؤوس الشياطين، قال الله عنها: (ںطَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ) [الصافات: 65] .

وشجرة الزقوم هي الشجرة الملعونة التي ذكرها الله بقوله: (ٹ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ? وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ? وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا ?60?) [الإسراء: 60] .

فالحاصل أن شجرة الزقوم لها من الصفات أقبحها وأبشعها: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ?43?طَعَامُ الْأَثِيمِ ?44?كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ?45?كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ?46?) [الدخان: 43 - 46] .

يقول الرازي: «ومآل الأقوال في الزقوم كونه في الطعم مرًا، وفي اللمس حارًا، وفي الرائحة منتنًا، وفي المنظر أسود، لا يكاد آكله يسيغه فيكره على ابتلاعه» 99.

وقد توعد الله بالزقوم أصحاب النار، وبين أنهم يطعمون منه حتى تمتلئ به بطونهم.

قال تعالى: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ?43?طَعَامُ الْأَثِيمِ ?44?كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ?45?كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ?46?) [الدخان: 43 - 46] .

وقال: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ?51?لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ?52?فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ?53?) [الواقعة: 51 - 53] .

••الغسلين.

قال تعالى: (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ ?35?وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ?36?) [الحاقة: 35 - 36] .

والغسلين: هو ما يسيل من صديد أهل النار، وما يخرج من لحومهم 100.

«فساكن النار لا يجد له طعامًا فيها إلا ما يخرج من جلود أهل النار من الدم والصديد، وهو شيءٌ كريه المذاق كريه الرائحة، لا فائدة فيه، ولا يرجى منه إشباعًا» 101.

قال قتادة عن الغسلين: هو شر طعام أهل النار 102.

فطعام أهل النار طعام منتنٌ ريحه، مقززٌ تناوله، يشي بسوء الحال، وقبح المآل.

••الضريع.

قال تعالى: (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ?6?لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ?7?) [الغاشية: 6 - 7] .

والضريع: نوعٌ من الشوك لا تأكله الدواب لخبثه، وهو من شر الطعام، وأبشعه وأخبثه 103.

فأهل النار إذا طلبوا الطعام جيء لهم بالضريع، وهو كالشوك، مرٌ منتن، لا خير فيه، ولا فائدة منه، فلا يقوي بدنًا، ولا يسد رمقًا، ولا يدفع جوعًا.

قال تعالى: (لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ?7? [الغاشية: 7] 104. قال أبو الجوزاء: وكيف يسمن من كان يأكل الشوك؟! 105.

ومما ذكر عن طعام أهل النار في القرآن ما ورد في قول الله: (إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا ?12?وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ?13?) [المزمل: 12 - 13] .

أي: «طعام لا يستساغ أكله، ينشب في الحلق، فلا يدخل ولا يخرج» 106.

«والغصة عارضٌ في الحلق سببه الطعام أو الشرب الذي لا يستساغ؛ لبشاعةٍ أو يبوسةٍ» 107. فطعام الدنيا قد يحدث غصة -أحيانًا- فيؤذي، لكن هذا الطعام تلازمه الغصة دائمًا وأبدًا، غصة تمزق حلوقهم كلما طعموه.

فهذه الآية نفت عن طعام النار كل نفع يرجى من ورائه؛ لأن «المقصود من الطعام أحد أمرين: إما أن يسد جوع صاحبه، ويزيل عنه ألمه، وإما أن يسمن بدنه من الهزال، وهذا الطعام ليس فيه شيء من هذين الأمرين، بل هو طعام في غاية المرارة والنتن والخسة» 108.

ولهذه الأنواع أوصاف، هي:

••شدة الحرارة وقبح المنظر، كما في الزقوم.

••سوء المذاق ونتن الرائحة، كما في الغسلين.

••النشوب والغصة وانعدام الفائدة، كما في الضريع.

ثانيًا: شراب أهل النار:

ذكر الله تعالى في القرآن الكريم أربعة أنواعٍ من شراب أهل النار، وكل نوع من هذه الأنواع شديدٌ ألمه، عظيمٌ أثره، عديمٌ نفعه، طويلٌ أمده، وهذه الأنواع هي:

••الحميم.

قال تعالى: (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) [محمد: 15] .

والحميم: الماء الشديد الحرارة 109، الذي بلغ من حرارته أنه يقطع الأمعاء ويمزقها، يشربه أهل النار رغمًا وقهرًا، لا يملكون عنه امتناعًا ولا ابتعادًا، بل يشربون منه كما تشرب الإبل العطاش التي تشرب ولا ترتوي لداءٍ أصابها.

يقول تعالى: (فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ?54?فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ?55? [الواقعة: 54 - 55] .

يقول الرازي معلقًا: «فيه بيان لزيادة العذاب، ومعناه: أي: لا يكون أمركم أمر من شرب ماءً حارًا منتنًا فيمسك عنه، بل يلزمكم أن تشربوا منه مثل ما تشرب الهيم، وهي الجمال التي أصابها العطش فتشرب ولا ترتوي» 110.

وهذا الحميم من شدته وعظمته أفرد كأنه عذاب وحده، يرد عليه أهل النار بعد تعذيبهم في جهنم.

يقول تعالى: (هَ?ذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ?43?يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ?44? [الرحمن: 43 - 44] .

والمعنى: «يمشون بين مكان النار وبين الحميم، فإذا أصابهم حر النار طلبوا التبرد، فلاح لهم الماء فذهبوا إليه، فأصابهم حره فانصرفوا إلى النار، وهكذا يكون عذابهم بهذه الصورة الفظيعة» 111.

وتتأكد شدة هذا الحميم وعظم ما فيه من العذاب حين نعلم أنه ينبع من عينٍ شديدة الحرارة والغليان، قال تعالى في سورة الغاشية عن الوجوه الخاشعة: (. تُسْقَى? مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ?) [الغاشية: 5] .

أي: «قد انتهى حرها وغليانها» 112.

وكل هذا يدلنا على قبح هذا النوع من الشراب وشدة عذابه وألمه عافانا الله منه.

••الغساق.

قال تعالى: (هَ?ذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ) [ص: 57] .

والغساق: هو ما يسيل من جلد الكافر ولحمه، وقيل: الزمهرير البارد لا يستطيعون أن يذوقوه من شدة برده 113.

وقد جمع الحافظ ابن كثير بين المعنيين بقوله: «الغساق: هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم، فهو بارد لا يستطاع من برده، ولا يواجه من نتنه» 114.

وقد بين الله عز وجل في كتابه أن أهل النار يستبدلون بالشراب الطيب والنسيم البارد حميمًا وغساقًا؛ جزاء لهم على أعمالهم.

قال تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا(24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا) [النبأ: 24 - 25] .

وعلى ما ذكر من أن الغساق بارد لا يستطاع من برده نجد أن الله قد جمع عليهم عذاب الحر الشديد بالحميم، وعذاب البرد الشديد بالغساق، «فالحميم يحرق بحره، والغساق يحرق ببرده» 115.

••الصديد.

قال تعالى: مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى? مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ?16?يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ? وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ?17?) [إبراهيم: 16 - 17] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت