فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 2431

آدم عليه السلام

أولًا: آدم لغةً:

(أدم) الهمزة والدال والميم أصلٌ واحدٌ، وهو الموافقة والملاءمة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمغيرة بن شعبة عندما خطب امرأة: (اذهب فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) 1.

قال الكسائي: يؤدم يعني أن يكون بينهما المحبة والاتفاق، وقيل: إنه الإدام أي: الطعام، يقال: طعامٌ مأدومٌ، وقيل: الأسوة، أدمة أهلي، أي: أسوتهم، والأدمة: الوسيلة.

والأدمة أحسن ملاءمةً للحم من البشرة، ولذلك سمي آدم عليه السلام؛ لأنه أخذ من أدمة الأرض.

والعرب تقول مؤدمٌ مبشرٌ، أي: قد جمع لين الأدمة وخشونة البشرة، فأما اللون الآدم؛ فلأنه الأغلب على بني آدم، وناسٌ تقول: أديم الأرض وأدمتها وجهها، وأدم أدما وأدمة اشتدت سمرته فهو آدم وهي أدماء وجمعها أدم، والآدمي: هو الإنسان نسبة إلى آدم أبو البشر 2.

ويقول أبو حيان: «آدم: اسمٌ أعجميٌ كآزر وعابر، ممنوع الصرف للعلمية والعجمة، ومن زعم أنه أفعل مشتقٌ من الأدمة، وهي كالسمرة، أو من أديم الأرض، وهو وجهها، فغير صوابٍ؛ لأن الاشتقاق من الألفاظ العربية قد نص التصريفيون على أنه لا يكون في الأسماء الأعجمية، وقيل: هو عبريٌ من الإدام، وهو التراب» 3.

ورد محمود أبو سعدة على هذا الادعاء بقوله: «إن اليهود يدعون أنه علم عبري، ليس له جذر في العبرية إلا (أدم) أي احمر أي المجبول من الحمراء وهو الدال على تربة الأرض عند العبرانيين، وهذا لا يصح بالطبع، وإنما الصحيح هو أن العبرية لم تشتق (أدما) من الجذر العبري (أدم) ، وإنما نقلتها نقلًا عن العربية (الأدمة) ، اسمًا جامدًا لا اشتقاق له عندها، أما آدم العربي فهو غزير المعاني، من معانيه الامتزاج والخلط» 4.

ويقول القرطبي في تفسيره: «قيل: هو مشتقٌ من أدمة الأرض وأديمها وهو وجهها، فسمي بما خلق منه، قاله ابن عباسٍ، وقيل: إنه مشتقٌ من الأدمة وهي السمرة. واختلفوا في الأدمة، فزعم الضحاك أنها السمرة، وزعم النضر أنها البياض، وعلى هذا الاشتقاق جمعه أدمٌ وأوادم، كحمرٍ وأحامر، ولا ينصرف بوجهٍ، وعلى أنه مشتقٌ من الأدمة جمعه آدمون، ويلزم قائلو هذه المقالة صرفه، قلت: الصحيح أنه مشتقٌ من أديم الأرض، قال سعيد بن جبيرٍ: إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، ذكره ابن سعدٍ في الطبقات» 5، وما ذهب إليه القرطبي هو ما تطمئن له النفس.

ثانيًا: التعريف بآدم عليه السلام:

هو أول مخلوق من البشر، خلقه الله بيده، وخلق حواء من ضلعه الأيسر، وسمي آدم؛ لأنه خلق من أديم الأرض 6.

كنيته: أبو البشر، وقيل: أبو محمدٍ، كني بمحمدٍ خاتم الأنبياء صلوات الله عليهم، قاله السهيلي، وقيل: كنيته في الجنة أبو محمدٍ، وفي الأرض أبو البشر 7.

أجمع أهل الأثر أن آدم عليه السلام خلق يوم الجمعة، وكساه الله لباسًا من ظفره، وأسجد له ملائكته 8. (

ثالثًا: صفة آدم عليه السلام:

مما ذكر من صفات آدم عليه السلام: أن طوله ستون ذراعًا في السماء، وعرضه سبعة أذرع، وذلك ما ورد عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (يدخل أهل الجنة الجنة جردًا، مردًا، بيضًا جعادًا، مكحلين، أبناء ثلاثٍ وثلاثين، على خلق آدم، طوله ستون ذراعًا في عرض سبعة أذرعٍ) 9.

وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كان طول آدم ستين ذراعًا في سبعة أذرع عرضًا، وفي رواية: فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن) 10.

وكان عليه السلام وافر الشعر، فعن أبي بن كعبٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أباكم آدم كان طوالًا، كان كالنخلة السحوق، ستين ذراعًا كثير الشعر موارى العورة، فلما أصاب الخطيئة في الجنة خرج منها هاربًا، فلقيته شجرةٌ فأخذت بناصيته فحبسته، فناداه ربه تعالى: أفرارًا مني يا آدم؟ قال: لا بل حياءً منك بما جنيت، فأهبط آدم إلى الأرض، فلما حضرته الوفاة بعث الله عز وجل إليه من الجنة مع الملائكة بكفنه وحنوطه، فلما رأتهم حواء ذهبت لتدخل دونهم، فقال: خلي بيني وبين رسل ربي، ما أصابني الذي أصابني إلا فيك، ولا لقيت الذي لقيت إلا منك. فلما توفي غسلوه بالماء والسدر، وترًا وكفنوه في وترٍ من الثياب، ثم لحدوه ودفنوه، وقالوا: هذه سنة ولد آدم من بعده) 11.

رابعًا: عمر سيدنا آدم عليه السلام:

ورد أنه عليه السلام عاش ألف سنة إلا أربعين عامًا، فقد روى الإمام أحمد عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت آية الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أول من جحد آدم عليه السلام، إن الله عز وجل لما خلق آدم مسح ظهره، فأخرج منه ما هو من ذراري إلى يوم القيامة، فجعل يعرض ذريته عليه، فرأى فيهم رجلًا يزهر 12، فقال: أي رب، من هذا؟، قال: هذا ابنك داود، قال: أي رب، كم عمره؟، قال: ستون عامًا، قال: رب زد في عمره، قال: لا، إلا أن أزيده من عمرك، وكان عمر آدم ألف عام، فزاده أربعين عامًا، فكتب الله عز وجل عليه بذلك كتابًا، وأشهد عليه الملائكة، فلما احتضرآدم وأتته الملائكة لتقبضه، قال: إنه قد بقي من عمري أربعون عامًا، فقيل: إنك قد وهبتها لابنك داود، قال: ما فعلت! وأبرز الله عز وجل عليه الكتاب، وشهدت عليه الملائكة) 13.

ورد ذكر آدم عليه السلام في القرآن الكريم (25) مرة، في (9) سور.

وأما قصته عليه السلام فقد وردت في السور الآتية:

السورة ... الآيات

البقرة ... 31 - 37

الأعراف ... 11 - 25

طه ... 115 - 123

كرم الله عز وجل سيدنا آدم عليه السلام تكريمًا عظيمًا، ويظهر هذا التكريم في النقاط الآتية:

1.خلقه الله بيده.

فقال تعالى: {قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) } [ص: 75] .

2.نفخ فيه من روحه.

فقال تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: 29] .

3.فضله على الملائكة، فأسجدهم له.

قال تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) } [الحجر: 29] .

4.شرفه بالعلم.

فقال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31] .

5.شرفه بتعليم الملائكة، فجعله معلمًا لهم.

فقال تعالى: {قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} [البقرة: 33] .

وروى البخاري ومسلمٌ عن أنس بن مالكٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء) 14.

يقول ابن كثير: «فهذه أربع تشريفاتٍ: خلقه له بيده الكريمة، ونفخه فيه من روحه، وأمره الملائكة بالسجود له، وتعليمه أسماء الأشياء. ولهذا قال له موسى الكليم حين اجتمع هو وإياه في الملأ الأعلى وتناظرا: أنت آدم أبو البشر الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء» 15.

والتشريفة الخامسة وهي أنه سبحانه وتعالى جعله معلمًا للملائكة.

ومما ينبغي الإشارة إليه: أنه عليه السلام نبي مكلم من أنبياء الله تعالى، وذلك فيما رواه ابن حبان في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن آدم أنبي هو؟ قال: (نعم نبي مكلم) 16.

يقول الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] .

ويقول أيضًا: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر: 28] .

ويقول أيضًا: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ} [ص: 71] .

إن قصة خلق آدم أخذت في كتاب الله طابعًا مميزًا، اختلف عن بقية القصص القرآني؛ ذلك لأنها لم تتكلم عن نبي فحسب، بل تتكلم عن بدء الخليقة بأسرها، تتكلم عن أبي البشر آدم عليه السلام، الذي نحن جميعًا ذرية له، فناسب المقام أن يأتي الخطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بكاف الخطاب المتصلة بصفة الربوبية لله تعالى، ذلك أن هذا النبي الكريم هو أكرم خلق الله على الله، والذي هو من ذرية آدم عليه السلام.

وفي ذلك يقول أبو حيان رحمه الله: «تنبيهٌ على شرفه واختصاصه بخطابه، وهزٌ لاستماع ما يذكر بعد ذلك من غريب افتتاح هذا الجنس الإنساني، وهذا تنويعٌ في الخطاب، وخروجٌ من الخطاب العام إلى الخطاب الخاص، وفي ذلك أيضًا إشارةٌ لطيفةٌ إلى أن المقبل عليه بالخطاب له الحظ الأعظم والقسم الأوفر من الجملة المخبر بها، إذ هو في الحقيقة أعظم خلفائه، ألا ترى إلى عموم رسالته ودعائه، وجعل أفضل أنبيائه أَمَ بهم ليلة إسرائه، وجعل آدم فمن دونه يوم القيامة تحت لوائه، فهو المقدم في أرضه وسمائه، وفي داري تكليفه وجزائه» 17.

يقول الإمام محمد رشيد رضا: «وقد قص الله علينا في هذه الآيات خبر النشأة الإنسانية، ومثل لنا المعاني في صورٍ محسوسةٍ، وأبرز لنا الحكم والأسرار بأسلوب المناظرة والحوار، كما هي سنته في مخاطبة الخلق وبيان الحق؛ لأنها بحسب قانون التخاطب: إما استشارةٌ وذلك محالٌ على الله تعالى، وإما إخبارٌ منه سبحانه للملائكة واعتراضٌ منهم ومحاجةٌ وجدالٌ، وذلك لا يليق بالله تعالى أيضًا، ولا بملائكته، ولا يجامع ما جاء به الدين من وصف الملائكة ككونهم: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] » 18.

أولًا: إعلام الملائكة بخلق آدم:

يقول الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] .

يخبر الله عز وجل ملائكته الكرام بحدث في ملكوت الله عظيم ألا وهو: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ} .

ولعل هناك حكمة عظيمة في هذا الإخبار؛ ذلك أن الله سبحانه لا يُسْأل عما يفعل، وليس لملك ولا لمخلوق أن يسأل؛ ولكن الله عز وجل هو الذي باشر بالإخبار، فردت الملائكة ردًا في ظاهره اعتراض، وليس لها أن تعترض، وهي التي وصفها ربها فقال: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} ، فكانت الإجابة الفصل من الله عز وجل: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} فكان الاستسلام والإذعان من الملائكة لله ربها سبحانه وتعالى، فقالت: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 32] .

الحكمة من إخبار الله للملائكة بخلق آدم:

تكلم المفسرون في الحكمة أقوالًا عديدة، تتآلف فيما بينها لتتناسب مع عظمة الله وعصمة الأنبياء، فيرى البيضاوي أنه: «تعليم المشاورة، وتعظيم شأن المجعول، بأن بشر عز وجل بوجود سكان ملكوته، ولقبه بالخليفة قبل خلقه، وإظهار فضله الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم، وجوابه وبيان أن الحكمة تقتضي إيجاد ما يغلب خيره، فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير إلى غير ذلك» 19.

أما الزمخشري فيقول: «ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا به فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم، صيانة لهم عن اعتراض الشبهة في وقت استخلافهم، وقيل: ليعلم عباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها، وعرضها على ثقاتهم ونصحائهم، وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيًا عن المشاورة» 20.

فنقول: إن الله أعلمها قبل الخلق حتى لا تعترض بعد خلقه فتهلك، وحتى يعلم خلقه المشاورة وهم محتاجون إليها، وحتى يستخرج ما عندهم فيجيبهم عليه فيعرفهم حكمته في الخلق، ومن ثم يؤدبهم بالأدب الذي يريد سبحانه.

ردة فعل الملائكة من إخبار الله لهم بخلق آدم عليه السلام:

لما أخبر الله ملائكته بالخلق قالت الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30] .

«فظاهر الآية أنهم استنكروا استخلاف بني آدم في الأرض؛ لكونهم مظنةً للإفساد فيها» 21.

وقيل: تعجبٌ من أن يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية، وهو الحكيم الذي لا يفعل إلا الخير، ولا يريد إلا الخير 22.

وقيل: إنه ليس على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد لبني آدم، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ} [الأنبياء: 27] .

وإنما هو سؤال استعلامٍ واستكشافٍ عن الحكمة في ذلك، يقولون: يا ربنا، ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم {مَنْ يُفْسِدُ} في الأرض {وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} ، فإن كان المراد عبادتك، فنحن {نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} ، ولا يصدر منا شيءٌ من ذلك، وهلا وقع الاقتصار علينا؟

قال الله تعالى مجيبًا لهم عن هذا السؤال: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها، {مَا لَا تَعْلَمُونَ} أنتم؛ فإني سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد فيهم 23.

وتعجب الملائكة إما من استخلاف الله من يعصيه، أو من عصيان من يستخلفه الله في أرضه وينعم عليه بذلك، وإما على طريق الاستعظام والإكبار للفصلين جميعًا، الاستخلاف، والعصيان.

وقيل: على جهة الاستفهام المحض، هل هذا الخليفة على طريقة من تقدم من الجن أم لا؟ وقال آخرون: على جهة الاسترشاد والاستعلام، هل هذا الخليفة هو الذي كان أعلمهم به قبل أو غيره؟ 24.

فاحتمل استفهام الملائكة عدة وجوه: إما الاستفهام المحض لعلمهم المسبق بطبيعة هذا الخليفة، أو التعجب من العصيان، أو التعجب من استخلاف العاصي، أو أنه أفاد الاستعلام والاسترشاد.

وفي قوله تعالى: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} فهو على جهة الاستفهام، كأنهم أرادوا {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} الآية، أم نتغير عن هذه الحال؟ أو من التمدح ووصف حالهم، أو الاسترشاد والاستعلام هل هذا الخليفة هو الذي كان أعلمهم به قبل أو غيره؟ أو من التعجب والاستعظام لأن يستخلف الله من يعصيه، وعلى هذا أدبهم بقوله تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} 25.

هل تعلم الملائكة الغيب؟ من أين عرفوا أن الخليفة سيفسد في الأرض ويسفك الدماء حين تعجبوا منه وإنما هو غيب؟ فيكون ذلك أيضًا من وجوه:

-إما من إخبار الله لهم.

-أو من جهة اللوح.

-أو ثبت في علمهم أن الملائكة وحدهم هم الخلق المعصومون، وكل خلق سواهم ليسوا على صفتهم.

-أو قاسوا أحد الثقلين على الآخر حيث أسكنوا الأرض فأفسدوا فيها قبل سكنى الملائكة.

-أو أنهم عرفوا طبيعة المادة وفيها الخير والشر 26.

وقال ثعلب وغيره: «إنما كانت الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم الدماء في الأرض» 27.

وخلاصة القول: إن الملائكة لا تعلم الغيب، وإنما سبب علمها بإفساد بني آدم يرجع إلى ما يلي:

الوجه الأول: أن الله تعالى أعلمهم بطبيعة ذريةآدم عليه السلام، وأنهم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، وعن ابن عباس وابن مسعود: أن الله تعالى قال للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} ، قالوا: ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضًا.

الوجه الثاني: أنهم فهموا من لفظ (خليفة) : أن في بني آدم من يفسد؛ إذ الخليفة المقصود منه الإصلاح وترك الفساد، والفصل بين الناس فيما يقع بينهم من المظالم ويردعهم عن المحارم والمآثم.

الوجه الثالث: أن الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم الدماء؛ وذلك لأن الأرض كان فيها الجن قبل خلق آدم، يقول ابن عباس: «كانت الجن قبل بني آدم في الأرض فأفسدوا وسفكوا الدماء، فبعث الله إليهم قبيلًا من الملائكة قتلهم وألحق فلهم بجزائر البحار ورؤوس الجبال، وجعل آدم وذريته خليفة» 28.

ولعل أصح هذه الأقوال: ما ورد أن هناك حذفًا دل عليه ما بعده؛ تجنبًا للتكرار، فكأن الآية: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} من شأنه أن {يُفْسِدُ} {وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} ، {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا} ، وإلا فلا يمكن أن يكون توقعًا أو قياسًا، أو غير ذلك مما ورد عند المفسرين. حتى ذهب بعضهم إلى وجود بشر قبل آدم.

ثانيًا: مراحل خلق آدم:

أخبر الحق سبحانه وتعالى عن خلق آدم عليه السلام في مواضع عديدة من القرآن الكريم، وكذلك ورد الحديث عن خلق آدم في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ومن خلال الآيات القرآنية الكريمة وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم في خلق آدم عليه السلام يمكن أن نقول بأن خلق آدم عليه السلام مر في ثلاثة أطوارٍ رئيسةٍ هي:

1.طور التخليق.

2.طور التصوير.

3.طور نفخ الروح 29.

الطور الأول: طور التخليق:

ويتضمن أربع مراحل رئيسة، هي:

المرحلة الأولى: التراب.

يعد التراب المرحلة الأولى والبداية الحقيقية لخلق الإنسان الأول، أي: آدم عليه السلام.

قال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) } [آل عمران: 59] .

فهذه الآية صريحة في أن آدم عليه السلام خلق من تراب، فالهاء في قوله: {خَلَقَهُ} تعود على آدم عليه السلام.

وقد أشار القرآن الكريم في آياتٍ أخرى منه إلى خلق آدم من ترابٍ: فقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) } [الروم: 20] .

وقال جل شأنه: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا} [فاطر: 11] .

المرحلة الثانية: من طينٍ.

وهذه هي المرحلة الثانية التي يصير فيها التراب طينًا.

قال تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) } [ص: 71] .

وقال سبحانه: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) } [السجدة: 7] .

والطين ناتج عن خلط التراب بالماء، والماء يمثل عنصرًا أساسيًا في كافة الكائنات الحية، وذلك تصديقًا لقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} [النور: 45] .

وقوله سبحانه: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] .

ويلاحظ أن هذا الطين بالنسبة للإنسان الأول، وهو آدم عليه السلام، كان: طينًا لازبًا. يصور ذلك قوله سبحانه: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (11) } [الصافات: 11] .

واللازب: هو الثابت شديد الثبوت 30.

المرحلة الثالثة: خلقه من حمأ مسنونٍ.

بعد ذلك يتغير الطين اللازب إلى أن يصير طينًا متغير الرائحة أسود، وهو ما سماه القرآن الكريم بالحمأ المسنون، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) } [الحجر: 26] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت