فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 2431

قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ? فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ? فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ?36?) [النحل: 36] .

بين سبحانه أنه ما ترك أمةً من غير نذيرٍ، بل بعث في كل أمةٍ رسولها بالحق، وهذا من رحمة الله بعباده، حيث لم يتركهم دون عون لهم في صراعهم المستمر طول وجودهم في هذه الحياة، بل أنار أمامهم الطريق وتعهدهم في أطوار حياتهم بالرسالات التي بينت لهم ما تتطلبه الحياة الصالحة في كل عصر.

قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) [فاطر: 24] .

وقد تلقى الناس رسالة الرسل الهادية المرشدة ما بين مهتد مؤمن، وما بين ضالٍ قد حقت عليه الضلالة.

(فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى) أي: فممن بعثنا فيهم رسلنا من هدى الله، فوفقه لتصديق رسله والقبول منها، والإيمان بالله، والعمل بطاعته، ففاز وأفلح، ونجا من عذاب الله، (وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ) أي: وممن بعثنا رسلنا إليه من الأمم، آخرون حقت عليهم الضلالة فجاروا عن قصد السبيل، فكفروا بالله، وكذبوا رسله، واتبعوا الطاغوت فأهلكهم بعقابه، وأنزل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين 127.

وقال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى? ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ ?45?) [النمل: 45] .

يعني: مؤمنون وكافرون 128.

وقد ذكر الله عز وجل هذه الخصومة في قوله: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ ? قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ?75? قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ?76?ڑ) [الأعراف: 75 - 76] .

وهذا أيضًا دليلٌ واضحٌ جدًا، على أنهم كانوا فريقًا واحدًا قبل أن يرسل الله إليهم صالحًا مجتمعين على الكفر، ثم انشق منهم فريقٌ آخر وهم نبي الله صالح ومن آمن به، ومن لم يؤمن بقي في الفريق الأول، ولا ثالث لهما.

أولًا: صفاتٌ فطرية:

1.الضعف.

وصف الله عز وجل الإنسان بأنه مخلوقٌ ضعيفٌ، فقال تعالى: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) [النساء: 28] .

أي خلقه الله والضعف ملازمٌ له، وليس الضعف المذكور هو الضعف البدني فقط، بل يشمل الضعف النفسي، وضعف العزيمة والإرادة، وضعف القدرة على الضبط الدائم تجاه دوافع نفسه وغرائزه وشهواته وأهوائه 129.

وقال الراغب: ووصف الإنسان بأنه خلق ضعيفًا إنما هو باعتباره بالملأ الأعلى، نحو: (أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ?) [النازعات: 27] .

أو باعتباره بنفسه دون ما يعتريه من فيض الله ومعونته، أو اعتبارًا بكثرة حاجاته، وافتقار بعضهم إلى بعض، أو اعتبارًا بمبدئه ومنتهاه، كما قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ) [الروم: 54] .

وأما إذا اعتبر بعقله، وما أعطاه من القوة التي يتمكن بها من خلافة الله في أرضه، ويبلغ بها في الآخرة إلى جواره تعالى فهو أقوى ما في هذا العالم، ولهذا قال تعالى: (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى? كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [الإسراء: 70] 130.

وإذ خلق الله الإنسان ضعيفًا، فقد قضت حكمته عز وجل أن يراعي هذا الواقع فيه، في أحكامه وشرائعه لعباده، وفي أصول وقواعد محاسبتهم ومجازاتهم على أعمالهم، وفي وسائل تربيتهم وتعليمهم.

2.العجلة.

قال تعالى: (وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ? وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولً) [الإسراء: 11] .

أي في طبعه العجلة في الأمور، فيعجل بسؤال الشر كما يعجل بسؤال الخير. وكما في قوله سبحانه: (خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍٹٹ) [الأنبياء: 37] .

والعجل هو العجلة والتسرع والسبق إلى مخاطر الأمور من غير تفكيرٍ، ومعنى أنه خلق من عجل، المبالغة في عجلته، كما يقال: خلق من كرمٍ مبالغة في الكرم، والعرب قد تسمي المرء بما يكثر فيه. وليس أصل فطرة العجلة من النقائص في تكوين الإنسان الفطري؛ لأنها تمثل في الإنسان عنصرًا مهمًا من حوافز الجد والعمل، ولكنها تغدو من النقائص حين يسيء الإنسان إدارتها، أو يهملها، إذ المفروض فيها أن تكون خاضعة لعقل الإنسان وإرادته، فإذا انعكس الأمر فصارت هي المسيطرة على العقل والإرادة، اختل توازن الإنسان وجانب سبيل الحكمة في الأمور 131.

3.الجدل.

وصف الله عز وجل الإنسان بأنه أكثر شيءٍ جدلًا، فقال تعالى: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلً) [الكهف: 54] .

أي: وكان الإنسان بحسب جبلته، أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل 132.

قال الراغب: «الجدال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من جدلت الحبل، أي: أحكمت فتله، ومنه الجديل، وجدلت البناء أحكمته، ودرعٌ مجدولةٌ» 133.

وذهب الألوسي إلى أن الأليق بالمقام أن يراد به هنا الخصومة بالباطل والمماراة وهو الأكثر استعمالًا 134. والسبب في كون الإنسان أكثر شيءٍ جدلا أن القدرات الفكرية التي زود الله الإنسان بها، قد مكنته من استخدام حيلٍ كثيرةٍ، تعتمد على الإظهار والإخفاء، والمراوغة والمخادعة بمكرٍ عظيمٍ، فهو بذلك قادرٌ على أن يكون طويل النفس في المجادلة بالحق أو بالباطل 135.

وقوله: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلً) [الكهف: 54] .

هذا وقع في قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالبٍ وزوجه فاطمة رضي الله عنها حين جاء إليهما ذات ليلةٍ ووجدهما نائمين فقال: (ألا تصليان) ، قال علي رضي الله عنه: «إن أنفسنا بيد الله ولو شاء لأيقظنا» ، فانصرف الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يضرب فخذه ويقول: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلً) 136.

ولا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أن أنفسهما بيد الله، والرسول عليه الصلاة والسلام قال في الفريضة: من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلها إذا ذكرها. فعذر الناسي والنائم وهو يعلم عليه الصلاة والسلام ذلك، ولكنه يريد أن يحثهما، وأراد عليٌ رضي الله عنه أن يدفع اللوم عنه وعن زوجه فاطمة رضي الله عنها 137.

4.التقتير.

وصف الله عز وجل الإنسان بأنه قتورٌ في أصل فطرته، فقال تعالى: (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ ? وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا) [الإسراء: 100] .

والقتر والتقتير في اللغة: يعني الرمقة من العيش. والإقتار يقصد به: التضييق على الإنسان في الرزق، ولذا يقال: أقتر الله رزقه أي ضيقه وقلله. والقتر: ضيق العيش، يقال أيضًا: قتر الرجل على عياله: أي ضيق عليهم في النفقة 138.

وكلمة (قتور) صيغة مبالغةٍ على وزن فعول، وقد جاءت في القرآن دالةً على الإنسان البخيل الشحيح الذي يمسك عن الإنفاق. قال المفسرون في قوله تعالى: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا) أي: بخيلًا مضيقًا 139.

وبين الحق سبحانه وتعالى في آيةٍ أخرى أن بخل الإنسان سببه حبه للمال، فقال تعالى: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) [العاديات: 8] .

ومما يدل كذلك على أن الشح صفةٌ ملازمةٌ للنفس الإنسانية بوجهٍ عام قوله تعالى: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) [النساء: 128] .

5.الهلع.

وصف الحق سبحانه وتعالى الإنسان بأنه خلق هلوعًا، فقال تعالى: (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا) [المعارج: 19] .

والهلع: بعد الحرص. رجلٌ هلعٌ هلوعٌ هلواعٌ هلواعةٌ: جزوعٌ حريصٌ 140.وقيل: الهلع: الجزع وقلة الصبر 141، وقيل: الهلع: أفحش الجزع 142، وقيل: الهلوع: الضجور 143، وقيل: الهلوع: الذي يفزع ويجزع من الشر 144.

هذا ما فسر به بعض من أئمة اللغة لفظة (الهلع) ، ولكن ابن عاشور علق على ما أورده أئمة اللغة قائلًا: «الجزع أثر من آثار الهلع وليس عينه، فإن ذلك لا يستقيم في قول عمرو بن معديكرب 145:

ما إن جزعتُ ولا هلعـ

ـتُ ولا يرد بكاي زندا

إذ عطف نفي الهلع على نفي الجزع، ولو كان الهلع هو الجزع لم يحسن العطف، ولو كان الهلع أشد الجزع كان عطف نفيه على نفي الجزع حشوًا. والذي استخلصته من تتبع استعمالات كلمة الهلع أن الهلع قلة إمساك النفس عند اعتراء ما يحزنها أو ما يسرها أو عند توقع ذلك والإشفاق منه» 146.

وقد فسر أكثر المفسرين وأهل اللغة الهلع الموجود في فطرة الإنسان بأنه (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ?20?وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ?21?) [المعارج: 20 - 21] .

فقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وغيرهما عن عكرمة قال: سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن الهلوع، فقال: هو كما قال الله تعالى: (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ?20?وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ?21?) [المعارج: 20 - 21] .

وأخرج ابن المنذر عن الحسن أنه سئل عن ذلك أيضًا فقرأ الآية. وحكى نحوه عن ثعلب قال: قال لي محمد بن عبد الله بن طاهر: ما الهلع؟ فقلت: قد فسره الله تعالى ولا يكون تفسير أبين من تفسيره سبحانه، يعني قوله تعالى: (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ?20?وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ?21?) [المعارج: 20 - 21] 147.

7.الظلم والجهل.

وصف الإنسان بالظلم وبالجهل في قوله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ? إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) [الأحزاب: 72] .

والظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه. والظلم: الميل عن القصد، والعرب تقول: الزم هذا الصواب ولا تظلم عنه، أي: لا تجر عنه 148. والظلم: الاعتداء على حق الغير، وأريد به هنا الاعتداء على حق الله الملتزم له بتحمل الأمانة، وهو حق الوفاء بالأمانة 149.

والجهل في اللغة: هو عدم العلم أو هو نقيضه. وفي قوله تعالى: (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) [البقرة: 273] 150.

والمراد به هنا انتفاء علم الإنسان بمواقع الصواب فيما تحمل به 151.

قال المفسرون: (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) ) ، أي: إنه كان مفرطًا في الظلم مبالغًا في الجهل-بحسب غالب أفراده-152 حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها، وضمنها ثم خان بضمانه فيها 153.

وصفة الظلم والجهل أصل في الإنسان، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «والإنسان خلق ظلومًا جهولًا؛ فالأصل فيه عدم العلم، وميله إلى ما يهواه من الشر؛ فيحتاج دائمًا إلى علمٍ مفصلٍ يزول به جهله، وعدلٍ في محبته وبغضه، ورضاه وغضبه، وفعله وتركه، وإعطائه ومنعه» 154.

8.الطغيان.

بين الحق سبحانه وتعالى أن الإنسان من طبيعته الطغيان والتمرد متى رأى نفسه في غنًى، قال تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى? ?6?أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى? ?7?) [العلق: 6 - 7] . والطغيان في اللغة: مجاوزة الحد في كل شيءٍ، يقال: طغى الماء وطغى السيل إذا جاء بماءٍ كثيرٍ، وطغى البحر: هاجت أمواجه، وطغى الإنسان طغيانًا: جاوز القدر في الكبر والمعصية والكفر، وفيه إفراط ومبالغة في الشر والكبر 155.

قال ابن عاشور: «التعريف في (الإنسان) للجنس، أي من طبع الإنسان أن يطغى إذا أحس من نفسه الاستغناء، واللام مفيدة الاستغراق العرفي، أي أغلب الناس في ذلك الزمان إلا من عصمه خلقه أو دينه. وعلة هذا الخلق أن الاستغناء تحدث صاحبه نفسه بأنه غير محتاج إلى غيره وأن غيره محتاج، فيرى نفسه أعظم من أهل الحاجة، ولا يزال ذلك التوهم يربو في نفسه حتى يصير خلقًا لا وازع يزعه من دين أو تفكير صحيح، فيطغى على الناس لشعوره بأنه لا يخاف بأسهم» 156. ولما كانت صفة الطغيان ملازمة لمن يرى من الناس أنه استغنى، كان من التربية الربانية للناس أن الله تبارك وتعالى قد جعل الإنسان حبيس الحاجة والافتقار، في كل أمرٍ من أموره، حتى يرجع دائمًا إلى ربه 157.

9.الكنود.

قال جل وعلا (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) [العاديات: 6] .

والكنود في اللغة: وصف من أمثلة المبالغة من كند، يقال: كند يكند كنودًا: كفر النعمة؛ ورجلٌ كنادٌ وكنودٌ. وقيل: الكنود هو الجحود 158.

وأصل الكنود الأرض التي لا تنبت شيئًا، شبه بها الإنسان الذي يمنع الخير ويجحد ما عليه من واجبات 159، ولغات العرب مختلفة في معناه، فهو في لغة مضر وربيعة: الكفور بالنعمة، وبلغة كنانة: البخيل، وفي لغة كندة وحضرموت: العاصي. والمعنى: لشديد الكفران لله 160.

والتعريف في (الإنسان) تعريف الجنس وهو يفيد الاستغراق غالبًا، قال المفسرون: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) : أي طبع الإنسان على كفران النعمة 161، وهذا عارضٌ يعرض لكل إنسانٍ على تفاوت فيه، ولا يسلم منه إلا الأنبياء وكمل أهل الصلاح؛ لأنه عارض ينشأ عن إيثار المرء نفسه وهو أمرٌ في الجبلة لا تدفعه إلا المراقبة النفسية وتذكر حق غيره 162.

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أتدرون ما الكنود؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: الكنود الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده 163.

أي: أنه لا يعطي شيئًا مما أنعم الله به عليه، ولا يرأف بعباده كما رأف به؛ فهو كافر بنعمته، مجانف لما يقضي به العقل والشرع 164. وسر هذه الجبلة- أن الإنسان يحصر همه فيما حضره، وينسى ماضيه، وما عسى أن يستقبله؛ فإذا أنعم الله عليه بنعمة غرته غفلته، وقسا قلبه، وامتلأ جفوة على عباده 165.

10.الفرح.

الفرح في اللغة: نقيض الحزن، وهو السرور، يقال: فرح يفرح فرحًا: سر وابتهج. وفي ذلك يقول تعالى: (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ?4?بِنَصْرِ اللَّهِ) [الروم: 4 - 5] .

والفرح أيضًا: البطر، يقال: فرح فلان: أي استخفته النعمة فأبطرته، فهو فرح وفرحان 166.

وقد وصف الإنسان في القرآن الكريم بالفرح على سبيل الذم وذلك بصيغة المبالغة (فرح) على وزن (فعل) للدلالة على بطر ذلك الإنسان الجاحد في قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي ? إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ?10?) [هود: 10] .

فلفظ (فرح) مثال مبالغة، أي: شديد الفرح. وشدة الفرح: تجاوزه الحد والبطر والأشر.

قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) [القصص: 76] 167.

فإن قيل ما وجه ذم الإنسان على الفرح وقد وصف الله الشهداء فقال: (فرحين) ؟ أجاب عن ذلك ابن الأنباري فقال: إنما ذمه بهذا الفرح؛ لأنه يرجع إلى معنى المرح والتكبر عن طاعة الله.

قال الشاعر:

ولا ينسيني الحدثان عرضي

ولا ألقي من الفرح الإزارا

يعني من المرح. وفرح الشهداء فرحٌ لا كبر فيه ولا خيلاء، بل هو مقرون بالشكر فهو مستحسن 168.

وذهب بعض المفسرين إلى تمييز الفرح الممدوح من المذموم حسب وروده مقيدًا أو مطلقًا في القرآن، فقالوا: إن الفرح إذا جاء مطلقًا فهو مذموم، ولا يأتي ممدوحًا إلا مقيدًا بما فيه خير، كقوله: (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) [آل عمران: 170] 169.

11.الفخر.

الفخر في اللغة: التمدح بالخصال والافتخار وعد القديم، وهو المباهاة والتعاظم والتكبر، يقال: فخر فخرًا وفخارًا، فهو فاخرٌ وفخورٌ: تباهى وتكبر 170.

قال الراغب: الفخر: المباهاة في الأشياء الخارجة عن الإنسان كالمال والجاه، ويقال له: الفخر، ورجلٌ فاخرٌ وفخورٌ وفخيرٌ على التكثير 171.

وقد وصف الإنسان في القرآن الكريم بالفخر والمباهاة، وذلك بصيغة المبالغة (فخور) على وزن (فعول) ؛ للدلالة على شدة التكبر والتعاظم عند الإنسان الجاحد في قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي ? إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) [هود: 10] .

وفي هذه الآية بيان لحال ذلك الإنسان إذا منحه الله الصحة والسلامة والغنى بعد أن كان في ضرٍ من فقرٍ أو مرضٍ أو خوفٍ، لم يقابل ذلك بما يليق به من الشكر لله سبحانه، بل يقول مباهيًا بجحوده: ذهب السيئات، أي المصائب التي ساءته، وأصبح بطرًا أشرًا، متعاظمًا على الناس بما أوتي من النعم مشغولًا بذلك عن القيام بحقها 172.

والفخر فيه أمران مفسدان للنفس: الأمر الأول: المطاولة على الغير وغمط الناس حقوقهم. الأمر الثاني: إنكار نعمة المنعم معتقدًا أنه مجهوده وعمله وليس بعطاءٍ من الله، وإن التفاخر يوهم صاحبه أنه في حالٍ لم يصل إليها غيره فيتخيل ما ليس عنده، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا حين قال: (كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير سرفٍ ولا مخيلةٍ) ، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) [النساء: 36] 173.

ثانيًا: صفاتٌ مكتسبةٌ.

1.الكفر.

من أبرز وأكثر صفات الإنسان المكتسبة التي وردت في القرآن الكريم، صفة الكفر، وقد وردت خبرًا عن الإنسان في ستة مواضع، وهي صفةٌ قبيحةٌ ذمها الله تعالى حتى قال سبحانه: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) [عبس: 17] .

والكفر في اللغة: ستر الشيء، ووصف الليل بالكافر لستره الأشخاص، والزراع لستره البذر في الأرض، والكفر: نقيض الإيمان، وقيل: الكفر: كفر النعمة، وهو نقيض الشكر. ويقال: رجل كفار وكفورٌ: أي كافر، والكافر الجاحد لأنعم الله، ويطلق الكافر أيضًا على: البحر، والوادي العظيم، والنهر الكبير، والسحاب المظلم، والدرع 174.

وقال بعض أهل العلم: الكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر معاندة، وكفر نفاق 175.

وقد عبر القرآن الكريم عن كفر الإنسان بصيغة المبالغة (كفار) على وزن (فعال) وهي تفيد كثرة المزاولة للفعل وتكراره، و (كفور) على وزن (فعول) وهي تفيد الدلالة على المبالغة مع التجدد والاستمرار 176؛ وذلك للتشنيع على هذا الكفر الذي يقابل به الإنسان نعم ربه عليه.

ومن خلال استقراء أقوال المفسرين للمواضع الستة التي وردت فيها صفة الكفر خبرًا عن الإنسان، تبين أن كفر الإنسان في القرآن الكريم نوعان:

النوع الأول: الكفر المقابل للشكر، أو كفران النعمة، كما يدل عليه قوله عز وجل: (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ? وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ) [الشورى: 48] .

وقوله سبحانه: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ?9?ہ) [هود: 9] .

وقوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ? فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ? وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا [الإسراء: 67] .

وقد قرن القرآن بين الظلم وهذا النوع من الكفر لأنهما يتقاربان في هذا السياق: (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ? وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ? إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ?34?) [إبراهيم: 34] .

والنوع الثاني: الكفر المقابل للإيمان، كما في قوله عز وجل: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَ?ذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى? أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ?89?) [الإسراء: 89] .

ومن تجليات هذا الكفر عدم إخلاص العبادة لله وحده وإشراك غيره معه: (وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ? إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ) [الزخرف: 15] .

وقد بالغ هنا في إظهار فظاعة هذا الكفر حين وصفه بالمبين؛ أي بين الكفر.

2.الفجور.

وصف الإنسان في القرآن الكريم بصفة الفجور، وذلك في قوله تعالى: (بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ?5?) [القيامة: 5] .

والفجور في اللغة: الانبعاث في المعاصي، يقال: فجر الإنسان يفجر فجرًا وفجورًا: انبعث في المعاصي، وقيل: فجر: إذا ركب رأسه غير مكترث.177.والفجور: فعل السوء الشديد ويطلق على الكذب، ومنه وصفت اليمين الكاذبة بالفاجرة 178. وأصل الفجور: الميل، وسمي الفاسق والكافر: فاجرًا، لميله عن الحق 179.

والآية الكريمة التي عبرت عن فجور الإنسان تقفنا على حقيقة ذلك الإنسان الكافر الذي يرغب ألا يقيد أهواءه قيدٌ، بل يريد أن يمضي قدمًا على معاصي الله ما عاش راكبًا رأسه لا ينزع عنها ولا يتوب، ومن ثم فهو ينكر اليوم الآخر لما يترتب على إيمانه به من قيود وضوابط 180.

3.المخاصمة.

صفة الخصام من صفات الإنسان المكتسبة، وقد عبر عنها القرآن بصيغة المبالغة في موضعين؛ في قوله تعالى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ?4?) [النحل: 4] .

وفي قوله جل وعلا: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) [يس: 77] .

خصيمٌ: صيغة مبالغةٍ على وزن (فعيلٌ) بمعنى: شديد الخصومة، أو كثير الخصام، ويجوز أن تكون بمعنى مخاصم، وإتيان الفعيل بمعنى المفاعل كثيرٌ في كلام العرب، كالخليط بمعنى المخالط، والقعيد بمعنى المقاعد، والجليس بمعنى المجالس، ونحو ذلك، ومعنى (خصيمٌ) جدول بالباطل 181. ومبينٌ: اسم فاعل أبان اللازمة، بمعنى بان وظهر 182. ومعنى المبين: المظهر لما يقوله، الموضح له بقوة عارضته وطلاقة لسانه 183.

وجاء التعقيب في الموضعين بذكر هذه الصفة بعد الحديث عن خلق الإنسان، والتنبيه على أن الله عز وجل خلقه من نطفة، أي من ماءٍ مهينٍ، وصوره ونقله من حالٍ إلى حالٍ، وأخرجه إلى ضياء الدنيا وغذاه ورزقه وقواه، حتى إذا استوى، كفر بخالقه وجحد نعمته، بل خاصمه في أمر عظيم كأمر البعث، فأنكره وساق حججه على ذلك فقال: (مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) [يس: 78] .

وعبد ما لا يضره وما لا ينفعه: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ ? وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى? رَبِّهِ ظَهِيرًا ( [الفرقان: 55] .ونسي خلقه، وانتقاله من ماء، إلى علقة، إلى مضغة، إلى عظم، إلى تصوير، إلى خروج إلى الدنيا، وضعف إلى قوة، وضعف بعد قوة 184.

وجاءت صفة الخصام في هذين الموضعين مقترنة بصفة الإبانة: (مبين) التي كانت من أعظم منن الله على الإنسان بعد منة الخلق: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ ?3?عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ?4?) [الرحمن: 3 - 4] .

4.اليأس.

اليأس في اللغة: القنوط، ضد الرجاء أو قطع الأمل، يقال: يئس من الشيء ييأس: أي انقطع أمله. ويئست المرأة: أي عقمت فهي يائسة. ويقال: رجلٌ يائسٌ ويئوسٌ: أي شديد اليأس 185. ويئوس: فعولٌ من قول القائل يئس فلانٌ من كذا فهو يئوس إذا كان صفة له 186.

وقد ورد لفظ (يئوس) في القرآن الكريم في أكثر من موضعٍ بصيغة المبالغة دالًا على وصف الإنسان باليأس الشديد إذا أصابه شرٌ أو ضررٌ أو سلبت منه نعمة، كما في قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ?9?) [هود: 9] .

وقوله سبحانه: (لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ) [فصلت: 49] .

وقوله جل وعلا: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى? بِجَانِبِهِ ? وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا ?83?) [الإسراء: 83]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت